2019-05-30 17:34:34

ما هي العقيدة الطحاوية؟ بقلم الشيخ أسامة السيد

ما هي العقيدة الطحاوية؟ بقلم الشيخ أسامة السيد

ما هي العقيدة الطحاوية؟ بقلم الشيخ أسامة السيد

ما هي العقيدة الطحاوية؟ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 31 ايار 2019 العدد 1903

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((ربنآ إننا سمعنا مناديًا يُنادي للإيمان أن ءامنوا بربكم فآمنَّا)) سورة آل عمران.

لقد فرض الله تعالى على عباده أن يؤمنوا به ويوحِّدوه ولا بد لصحة الإيمان من سلامة العقيدة، لذلك وتوكيداً للاعتناء على الاعتناء بالعقيدة فقد صنّف العلماء قديمًا وحديثًا تصانيف مهمة في الاعتقاد، وكان من أبرز ما صنّف في هذا الفن رسالة للإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي عُرفت بإسم ((العقيدة الطحاوية)) وقبل أن نتكلم في أهمية هذه الرسالة العلمية يُناسب أن نُبين ولو بإيجاز شديد من هو الإمام الطحاوي.

هو الإمام الجليل أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحَجْري ((نسبة إلى حَجْر الأزد من قبائل اليمن)) الطحاوي ((نسبة إلى قرية طحا في مصر)) المصري الحنفي ولد سنة 229 هـ وتوفي سنة 321 هـ وقبره في القرافة في القاهرة مشهور يُزار، وهو من أهل السلف أي أهل القرون الثلاثة الأولى الذين شملهم مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) رواه الترمذي عن عمران بن الحصين. وصُلحاء هذه القرون هم المعنيون بقولنا ((السلف الصالح)) وقد كان الطحاوي ثقةً نبيلاً إمامًا استفاض بين الناس فضله، صحب خاله المزني الشافعي مدة ثم انتقل إلى دراسة المذهب الحنفي. قال ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)): ((وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر)). وقدم الشام فلقي القاضي أبا خازم الحنفي فسمع منه وتفقَّه عليه، ورحل فسمع الحديث من أكثر من مائة شيخ، وروى عنه أكثرُ من ثلاثين من الأعيان من حُفَّاظٍ وفقهاءَ وقضاةٍ منهم الحافظ الطبراني وغيره. قال الذهبي في ((السير)): ((الطحاوي الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها)). وفي ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي أيضًا: ((قال ابن يونس: لم يخلف مثله)). وللطحاوي تصانيف رائعة تشهد على غزارة علمه منها رسالة مشهورة في الاعتقاد عرفت بإسم ((العقيدة الطحاوية)) وهي ما سنشرع في الكلام عنها وعن بعض ما جاء فيها بإذن الله، وللشيخ محمد زاهد الكوثري في ترجمة الطحاوي كتاب ((الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي)) وهو مطبوع.

كتاب العقيدة الطحاوية

إذن  كان الإمام الطحاوي من أئمة السلف الصالح العاملين على هدى من الله وبصيرة ومن الذين لا يألون جهدًا في نشر مذهب السلف في العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة فقد جاءت رسالته ((العقيدة الطحاوية)) مرشدةً لطريق الحق، فتلقتها الأمة بالاستحسان وجعل الله لهذا الكتيِّب القَبُول في النفوس، ولعل السر في ذلك إخلاص مصنفه فلم يعترض أحدٌ من أهل العلم المعتبرين على ما جاء فيه، وقد سبك عباراته على أسلوب أئمة السادة الحنفية فقال في مقدمة رسالته: ((هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبدالله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به لرب العالمين)).

لقد جرى الطحاوي في تصنيفه على طريقة هؤلاء الأئمة الثلاثة من حيث الأسلوب، أما من حيث ما تضمنته هذه العقيدة فهي عقيدة كل المؤمنين منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الزمان، ونحن نذكر الآن بعضًا من كلام الإمام الطحاوي مما جاء في هذه العقيدة المرشدة ليقف على الهدى من كان يروم الحق.

نصوص الحق

قال الطحاوي في تنزيه الله تعالى: ((إن الله واحدٌ لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره، قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام)).

ومما جاء في هذه العقيدة أيضًا من الروائع قوله في تنزيه الله تعالى: ((وتعالى (تنزّه الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)). ومعنى قوله ((تعالى عن الحدود)) أن الله ليس له حدٌ، والحد معناه نهاية الشيء، فلا يجوز عليه تعالى الحدود والمساحات والمِقدار، فنفي الحد عنه تعالى عبارةٌ عن نفي الجسم عنه. ومعنى ((الغايات)) النهايات فغاية الشيء نهايته وفيه توكيدٌ لنفي الحد والجسمية عن رب العالمين. ومعنى ((الأركان)) الجوانب الجانب الأيمن والجانب الأيسر. وأما ((الأعضاء)) فجمع عضوٍ وذلك من خصائص الأجسام. ومعنى ((الأدوات)) الأجزاء الصغيرة كاللسان. وأفاد قوله ((لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)) التنزيه الصريح لله عن المكان والجسمية، إذ المكان هو الفراغ الذي يشغله الحجم، والحجم ما يأخذ حيزًا من الفراغ. وحيث ثبت أن الله لا تحويه الجهات الست، وهي فوق وتحت ويمينٌ وشمالٌ وأمامٌ وخلف، دلَّ على أن الله لا يشغَل حيزًا من الفراغ، إذًا فالله تعالى ليس حجمًا ولا تحتويه الأنحاء كسائر المبتدعات أي المخلوقات. وهذا هو المعنى الحقيقي الذي يقتضيه كلام الطحاوي، ولا عبرة بعد هذا البيان بكل محاولات الوهابية لتحريف معنى كلام هذا الإمام الجليل.

وبعد أن أوضح الطحاوي عقيدة الحق بعباراتٍ أنقى من الذهب فجاء كلامه حجةً دامغةً في وجه كل من يزعم أن أئمة السلف لم يتكلموا بمثل هذا وإنما هو من بدع المتأخرين ختم بقوله:

((فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا ونحن بُرءاءُ إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيَّناه ونسأل الله أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به ويعصمنا (يحفظنا) من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الرديَّة)). ومعنى قوله ((ظاهرًا وباطنًا)) أي هذا ما نعقد عليه قلوبنا وما نتكلم به، فبيَّن بذلك أنه لا بد من موافقة الظاهر الباطن في الاعتقاد إذ المخالفة بين الظاهر والباطن في العقيدة من أوصاف المنافقين.

وحيث وضح هذا فليعلم أن ما بينَّاه هو عين ما كان عليه السلف الصالح وهو الحق المبين، فليُحذر من الاغترار بكل ما خالفه مما يُنسب إلى السلفِ والسلفُ منه براءٌ كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.

والحمد لله أولاً وآخراً.