2019-05-23 17:07:49

ما أحسنَ الاقتداء بالخليفة عمر الفاروق / قلم الشيخ أسامة السيد

ما أحسنَ الاقتداء بالخليفة عمر الفاروق / قلم الشيخ أسامة السيد

ما أحسنَ الاقتداء بالخليفة عمر الفاروق / قلم الشيخ أسامة السيد

ما أحسنَ الاقتداء بالخليفة عمر الفاروق /قلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 24 ايار 2019 العدد 1902

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((يآ أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً)) سورة الأحزاب.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننهما وغيرهما بألفاظٍ مختلفةٍ عن الشَّعبي قال: ((خطب عمر بن الخطاب فحمِدَ الله تعالى وأثنى عليه وقال: ألا لا تُغالوا في صَدَاق النساء فإنه لا يبلُغني عن أحدٍ ساق أكثر من شيءٍ ساقه رسولُ الله أو سِيق له إلا جَعَلت فَضلَ ذلك في بيت المال. ثم نزَل فعَرضت له امرأةٌ من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله أحقُّ أن يُتَّبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله فما ذاكِ؟ قالت: نهيتَ الناس آنفًا أن يغالوا في صَدَاق النساء والله تعالى يقول في كتابه: ((وءاتيتم إحداهن قِنطارًا فلا تأخُذوا منه شيئاً)) سورة النساء. فقال عمر: كل أحدٍ أفقه من عمر ((مرتين أو ثلاثًا)) ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنتُ نهيتكم أن تغالوا في صَداق النساء ألا فليفعل رجلٌ في ماله ما بدا له)) وفي لفظٍ أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) فقال عمر: ((إن امرأةً خَاصمت عمرَ فخَصَمَته)) (أي أقامت الحُجة عليه) وفي لفظٍ آخر: فقال عمر: ((امرأةٌ أصابت ورجلٌ أخطأ)) ذكره ابن حجر في ((الفتح)) عن الزبير بن بكَّار.

قال الزبيدي في ((تاج العروس)): ((قال ثعلب: اختلف الناس في القنطار، ثم قال: والمعوَّل عليه عند العرب الأكثر أنه أربعة آلاف دينار)). والدينار الواحد مثقالٌ من ذهب.

بعض من مآثره ومناقبه

إن التاريخ مليء بالعظماء والخليفة الفاروق عمر بن الخطاب في ذُرى قمم العظمة، عَلَمٌ تستمد من سيرته الأجيال معاني العظمة والسُّمو وإمامٌ تقتدي به الأكابر.

وما زلنا قديمًا وحديثًا نطرب بمآثر سيدنا عمر ونقرأ أخباره فنرى في مناقبه العز العظيم والمجد البليغ، وما أحوجنا لا سيما في هذه الأزمان إلى الاقتداء بعمر رضي الله عنه في تقواه وورعه وعدله وحزمه وتواضعه وإنصياعه للحق، لا يُداهن ولا يُخادع ولا تأخذه في الله لومة لائم، كيف لا وهو الذي وصفه الصادق المصدوق نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((رحم اللهُ عمر يقول الحق وإن كان مُرًّا تركه الحق وما له من صديق)) رواه الطبراني عن الإمام علي.

فجديرٌ بمن أظهر الله له الحق أن ينقاد للحق كائنًا من كان، وسواءٌ ظهر الحق على لسان كبيرٍ أم صغيرٍ أم صبيٍ أم امرأةٍ فإن الحق أحق أن يُتَّبع، ولا ينبغي لمن اتضح له الصواب أن يستمر في السير في طريق الخطأ مُعرضًا عن العود إلى النهج الصحيح لأنه يخشى أن يتراجع خوفًا من الناس، ثم تراه مع ذلك يُدافع عن خطئه ولا يقبل النصيحة ولا يرعوي، وهذا من سوء الحال الذي ابتُلي فيه كثيرٌ من الناس.

فمن أراد النجاة فليتعلم مسلكها من مناقب سيدنا الفاروق عمر، ومن انتهض لانتقاء إمامٍ يقتدي به فليعرض سيرته على سيرة عمر، فقد روى الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)). وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحدَّثون فإن يكُ في أمتي أحدٌ فعمر)) رواه البخاري. ومعنى ((مُحدَّثون)) مُلهَمون، والمحَدَّثُ الرجل الصادق الظن وليس معنى قوله ((فإن يك في أمتي)) التردد من باب الاحتمال، بل قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ((لم يورد هذا القول مورد الترديد فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وُجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى، وإنما أورده مورد التوكيد كما يقول الرجل: إن يكن لي صديقٌ فإنه فلان يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء ونحوَه قول الأجير: إن كنتُ عملتُ لك فوفِّني حقي، وكلاهما عالمٌ بالعمل)).

أين هم من سيدنا عمر

وبالنظر في مضامين حادثة تلك المرأة مع سيدنا عمر نقول: أي عظمةٍ تلك التي تجلت في شخصية الفاروق إذ وقف يستمع لامرأةٍ تُراجعه الكلام وهو بمَحْفِلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! ولولا تواضعه ورحمته وانصياعه للحق وهي الصفات التي انتفت اليوم عن كثيرٍ من أدعياء المشيخة وأين هم من عمر! لكان له مع تلك المرأة الفقيهة الجريئة شأنٌ آخر كما يكون مع بعض أدعياء الإمامة اليوم شأنٌ آخر مع من يتصدى لنُصحهم بدل أن يقتدوا بسيدنا عمر الذي قال بلا ترددٍ: ((امرأة أصابت ورجلٌ أخطأ)). ولم يكن عمر وقتها مجرد شيخٍ في زاوية أو مؤذنٍ في مسجدٍ، بل هو يوم ذاك أمير المؤمنين في الأرض وله إدارة شؤون أعظم دولة في ذلك التاريخ، وبعض معاصرينا في هذا الزمن الذي ما نزال نرى فيه من العجائب ما يدهشنا لا يقبلون أن ينبري أحدٌ لإسداء النصيحة لهم، وترى منهم من يثور ويصيح ولربما وصل به الأمر إلى أبعد من ذلك فيمن ردّ عليه خطأه ونصح الناس. وقد سُمع من بعضهم أنه قال: ((إذا قال لك شيخك اللبن أسود فقل أسود)) وهذا الكلام يتضمن دعوةً إلى الجهل، وما مراد هؤلاء من كلامهم هذا إلا أن يكون الطالب أعمىً لا يُبصر سواهم وأصم لا يسمع لغيرهم، فيسكت بعد ذلك عن مُراجعتهم فيما يكون منهم من المنكر.

ومن امتنع من الحق مخافة الناس فليتذكر حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحقِرَنَّ أحدكم نفسه أن يرى أمرًا عليه فيه مقالٌ فلا يقول فيه فيلقى اللهَ قد ضيَّع ذلك، فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه. فيقول: ربي خشيت الناس. فيقول الله: أنا كنتُ أحقَّ أن يُخشى)) رواه الطبراني.

والحمد لله أولاً وآخراً.