2019-05-16 01:21:15

رحيل البطريرك نصرالله صفير: واجه الاحباط الماروني وتعاطف مع جعجع وصنع ((تسونامي)) عون / كتب: أحمد خالد

رحيل البطريرك نصرالله صفير: واجه الاحباط الماروني وتعاطف مع جعجع وصنع ((تسونامي)) عون / كتب: أحمد خالد

رحيل البطريرك نصرالله صفير: واجه الاحباط الماروني وتعاطف مع جعجع وصنع ((تسونامي)) عون / كتب: أحمد خالد

رحيل البطريرك نصرالله صفير: واجه الاحباط الماروني وتعاطف مع جعجع وصنع ((تسونامي)) عون / كتب: أحمد خالد

مجلة الشراع 17 أيار 2019 العدد 1901

 

غاب البطريرك نصرالله صفير نهايات الأسبوع الماضي عن المشهد الروحي اللبناني، بعد ان كان غاب عن بكركي قبل عدة سنوات. لقد جرى انسحابه من المشهد على مرحلتين: الأولى حينما لم يعد بطريركاً والثاني: عندما أخذ الله وديعته. قد يختلف اللبنانيون على دوره السياسي، لكنهم يتفقون على ان بصمته في تاريخ بكركي كانت موجودة وواضحة. 

الفرق بين البطريرك بولس بطرس المعوشي والبطريرك صفير، كبير وربما كان لمصلحة الأول. والسبب في ذلك هو ان المعوشي كان بطريرك لبنان الجمهورية الأولى حيث كان الموارنة ملح النظام السياسي في لبنان، أما البطريرك صفير فجاء الى بكركي حينما دخل الموارنة لأسباب سياسية مرحلة الاحباط. ومع ذلك ظل البطريرك صفير هو الماروني الوحيد غير المحبط، والماروني الواثق بأن بكركي أهم من قصر بعبدا في معادلة دور الموارنة في لبنان . حينما حصلت أزمة الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية أميل لحود، قال صفير كلمته الشهيرة: بكركي لا تسمي رئيساً للجمهورية بل تضع معايير لشخصية الرئيس. أراد صفير القول ان بكركي ليست ناخباً بل راعية لكل الموارنة ولديها شرعية سياسية ودينية. وفي هذا التصرف الذي انتهجه صفير، يبدو واضحاً أنه افترق عن دور البطريرك المعوشي الذي نصب نفسه بطريركاً دينياً وسياسياً للموارنة، حتى شاع لقبه ((صانع رؤساء الجمهورية)). أما الكاردينال بشارة الراعي الذي خلف صفير، فهو يحاول ان يكون ((البطريرك القوي)) مقابل الجنرال عون ((الرئيس القوي)). وما تزال تجربته قائمة، ولكن لا يبدو انه ناله هدفه حتى الآن. 

يقال ان البطريرك صفير هو من صنع ((تسونامي عون)) عندما اكتسح نتائج الانتخابات النيابية بعد عودته من منفاه الباريسي. لقد جنّد له ناخبي من يعرفون ((بالجيش الأسود))، وهؤلاء  هم رعية الكنائس والرهبان. ولكن بين ميشال عون وسمير جعجع، كان صفير أقرب في عاطفته للأخير، بيد انه حتى ما قبل تفاهم مار مخايل، كان أقرب بنظرته السياسية لدعم تجربة عون بوصفه يجمع بين عنصرين: بيئة الجيش المؤسسة الهامة للموارنة وبيئة الحنين لدور الرئاسة الأولى في الجمهورية الأولى، أي خلال عهد ما قبل الطائف. 

.. وخلال مكوث سمير جعجع في السجن، كان صفير وبكركي هما ((حائط الدموع والشكوى للقواتيين)). لقد قصدت ستريدا جعجع، حينما كان بعلها في السجن، بكركي لتقابل البطريرك صفير بمعدل مرة كل اسبوع تقريباً. وكان صفير ينصحها بالصبر ووضع إشارة الصليب على وجهها. والقواتيون يسمونه بأنه ((المتعاطف الأكبر)) مع قضيتهم خلال فترة سجن الحكيم وتفرق شملهم بفعل قرار اعتبارهم مطلوبين. 

لقد غطى البطريرك صفير تجمع قرنة شهوان الذي اعتبر آنذاك نواة المعارضة المسيحية ضد الوجود السوري في لبنان. ومن ثم شجع انضمام المسلمين الى مناخ قرنة شهوان. أراد ان يكون بطريرك الاستقلال الثاني وليس بطريرك ثورة الأرز بحسب أدبيات 14 آذار/ مارس. ومع مجيء عون من منفاه أدار ظهره لمرشحي قرنة شهوان ووضع ثقله الخفي وراء فكرة إحداث ((التسونامي)) الانتخابي المسيحي العوني. ربما ظن البطريرك صفير ان صدمة النجاح العوني الانتخابي آنذاك ستخرج الموارنة من الاحباط وستسهم في إعادتهم لدورهم واعادة لبنان لحضنهم. ثم بعد ذلك خرج صفير من بكركي وترك وراءه في أروقتها صدى عبارته الشهيرة:  لقد قلنا ما قلناه. 

والواقع ان هناك تبايناً بخصوص تقويم فترة صفير كبطريرك، البعض يعتبر انها كانت فترة اتسمت ببصماته الخاصة. وأبرز سمات هذه البصمات ان بكركي في عهده كانت تعتمد سياسة قيادة المجتمع الماروني السياسي والديني من الخلف. فصفير لا يفاوض ولا يرعى مفاوضات السياسيين، وحينما كان  يقصده هؤلاء للمبازرة، كان يقول لهم: لقد قلنا ما قلناه. والسمة الثانية انه كان بطريرك ثقيل الوطأة على سياسيي الموارنة، فهو يقدم لهم رؤيته للنموذج المفضل إليه، ولا يعطيهم فرصة مبادلة الولاء السياسي بالولاء الديني لبكركي. والسمة الثالثة انه اختار موقفاً سياسياً على المستوى الوطني بمواجهة موقف ثان. 

لا يشبه البطريرك صفير البطريرك انطونيوس بطرس خريش. وهنا لا يعني الكلام مفاضلة أحدهما على الآخر، بدليل ان هذه المقولة تكون صحيحة فيما لو قلبنا كلماتها لتصبح ان البطريرك خريش لا يشبه البطريرك صفير أيضاً. ثمة خصائص متفردة اتسم بها خريش ابن بلدة عين أبل وهي الضيعة الواقعة في قضاء بنت جبيل في أقصى نقطة في الجنوب. خريش على ما يقول قسم من المؤرخين له أراد شراكة بين بكركي وبين الامام موسى الصدر.. وأراد ان تبدأ قيامة لبنان من الجليل، أي من الجنوب، حيث كان موسى الصدر يقود الشيعة للانضمام الى الدولة اللبنانية وكان خريش يقود الموارنة للانفتاح أكثر على الشرائح الاجتماعية المهمشة من كل الطوائف.. كان خريش يرى ان الجنوب يدفع ثمناً باهظاً نتيجة السماح للفلسطينيين باستخدامه كجبهة مفتوحة وحدها ضد اسرائيل. ومشهورة تلك المحادثة بينه وبين ياسر عرفات. لقد قصده الأخير طالباً منه حينها وقف الحملة ضد المقاومة الفلسطينية في لبنان، وقال له ابو عمار: نحن نقاتل ونموت في الجنوب ولا نتدخل بما يحدث من سياسة في بيروت، فاتركوننا وشأننا.

أجابه خريش: لو كان في لبنان مليون ملاك لأحدثوا ضجة ، فكيف الحال ونحن أمام وجود مليون فلسطيني فدائي في لبنان.. 

وخلاصة القول ان بطاركة لبنان الموارنة هم جزء من تاريخ الأحداث التاريخية في بلد الارز، بدءاً من السير الى تحقيق استقلاله مروراً بصناعة محطاته المختلفة التي منها صندوقة الانتخابات وبضمنها معادلات التوازنات الداخلية والخارجية التي تهب رياحها من فترة لأخرى عليه.

.. يقال مجد لبنان أعطي لبكركي.. ويقال الموارنة هم ملح لبنان.. ويقال ان بطاركة بكركي هم صناع رؤساء جمهورية بلد الارز.. وكل هذه المقولات فيها اليوم إيحاءات تنبعث من جثمان هذا البطريرك المسجى في رواق بكركي: البطريرك صفير.   

أحمد خالد