2019-05-16 01:05:42

الصيام مدرسة لتهذيب النفس / بقلم الشيخ أسامة السيد

الصيام مدرسة لتهذيب النفس / بقلم الشيخ أسامة السيد

الصيام مدرسة لتهذيب النفس / بقلم الشيخ أسامة السيد

الصيام مدرسة لتهذيب النفس / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 17 أيار 2019 العدد 1901

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرءان هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفُرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) الآية سورة البقرة.

لا شك أن الصوم فريضة عظيمة فيها من الحِكم والمنافع ما يطول ذكره ويفيض شرحه فإن الله تعالى لم يأمر بشيء إلا لحكمة وكذلك لم يَنْهَ عن شيء إلا لحكمة، وعلى العبد أن يكون مسرعًا في طاعة مولاه فهو تعالى أعلم بما هو أصلح وأقوم للناس، وقد بعث ربنا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم فدلَّ على ذلك الهدى وأنزل عليه القرآن فيه بيان الأحكام والرشاد قال تعالى: ((إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم)) سورة الإسراء. فلا أقوم مما أمر به القرآن ولا طريق أرشد مما حث عليه كتاب الله، وحيث قد فَرَض الله علينا صوم شهر رمضان المبارك فإن من الحزم وحسن الحال المبادرة إلى هذا الصوم الذي تسمو فيه النفوس التوَّاقة للخير وتصفو فيه أفئدة الصادقين الذين يحرصُون على اغتنام فُرَص العُمر فتزيد الهمم في الطاعات ويتسابق فيه المفلحون بالجد. فطوبى لمن أدرك رمضان فلم يُقصِّر فيه بل أخلص لله فصحّ وقُبِل صوم نهاره وقيام ليله وكان ذلك ذخرًا له في صحيفة أعماله يوم القيامة.

وقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((للصائم فرحَتَان يفرَحُهُما إذا أفطَر فَرح وإذا لقي ربه فرح بصومه)) فأما فرحه عند فطره فبسبب تمام عبادته وما وفّقه الله إليه من هذا العمل الصالح أو بعودة النشاط والقوة إلى البدن بأخذ النفس حاجتها من الطعام والشراب بعدما بلغ به الظمأ والجوع مبلغًا كبيرًا وهذا الفرح الطبيعي. قال القسطلاني في ((إرشاد الساري)): ((وفرح كل أحدٍ بحَسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك)) وأما فرحه عند لقاء ربه فمعناه بما يراه من الجزاء فيفرح بثواب الله له، وإنما تختلف درجات الناس ويتفاوت ثوابهم باختلاف أحوالهم وتفاوت هممهم ولذلك قال الغزالي رحمه الله في ((إحياء علوم الدين)): ((اعلم أن الصوم ثلاث درجات صوم العموم وصوم الخُصوص وصوم خصوص الخصوص)).

صوم العموم

أما صوم العموم فهو كفُّ البطن  والفرج عن قضاء الشهوة وفي هذا الترك لهذه الشهوات بالصيام تقرُّبٌ إلى الله تعالى بكسر النفس وحملها على الطاعة، فإن كثرة الشبع والري والإكثار من مباشرة النساء كثيرًا ما يحمل النفس على الأشر والبَطر والغفلة ويكون سببًا في قسوة القلب بل ويُعميه عما يسمو به إلى مراتب الكمال حتى يصير المرء أسير شهواته، وهذا ما يربأ العاقل بنفسه عنه ويختار لنفسه الأكمل والأرقى ويساعد على ذلك الصوم بلا شك فإن خلوَّ البطن من الطعام والشراب يرقق القلب ويُزيل القسوة، فإن البطن عند كثيرٍ من الناس ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات. وقد روى البيهقي عن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما ملأ آدميٌ وعاءً شرًا من بطنه بحَسب ابن آدم لُقيمات يُقِمن صلبه فإن كان لا بد فثلثٌ طعام وثلثٌ شراب وثلثٌ نَفَس)). وقال الغزالي في ((الإحياء)): ((وقال لقمان لابنه: يا بُني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة)).

فالصوم إذًا مرقاة إلى المراتب الشريفة وسبيل لإصلاح النفس وحملها على الاستقامة ولا يجدر بالعموم ترك هذه الفضيلة.

صوم الخصوص

وأما صوم الخُصوص فهو بكف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام زيادةً على كفِّ البطن والفرج عن شهوتهما، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجةٌ أن يدع طعامه وشرابه)) ومعناه لا يقبل الله هذا الصيام أي لا ثواب فيه فينبغي لمن صام أن يصوم سمعه وبصره ولسانه عن الحرام، وأن لا يتعرَّض لإخوانه المؤمنين بالأذى وأن يتجمَّل بالتقوى والسكينة مدة صومه ويُلزم نفسه الثبات على الفضائل والزيادة منها، فلا يحمله الجوع والعطش على الخُصومات والصياح لأجل حظوظ النفس الأمَّارة بالسوء. ومن مَلكَ نفسَه عند الجوع مَلكَ الأخلاقَ الصالحة، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبرَ همه وأن تكون شهوته هي الغالبةَ وهذا مقام لا يحظى به إلا بعض الخاصِّين من عباد الله.

صوم خصوص الخصوص

أما صوم خُصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة وحظوظ الدنيا الرخيصة وكف النفس عن اللهو وتضييع الأوقات فيما لا طائل منه والإقبال على اغتنام رمضان بصرف الأنفاس في كل خيرٍ يُمكن تحصيله في أيام هذا الشهر المبارك فرمضان كنزٌ من البركات، وهو شهر الزهد وصفاء الروح لا شهر التُّخَمة والتفنن بلذيذ المآكل والمشارب كما هو حال أكثر الناس. وقد روى الغزالي في ((الإحياء)) أن الإمام الحسن البصري مرَّ بقومٍ وهم يضحكون فقال: ((إن الله عزَّ وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسَبَق قومٌ ففازوا وتخلَّف أقوامٌ فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كُشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته)) أي لكان سُرورُ من قُبل عمله الصالح يشغله عن اللعب ولكانت حسرة من لم يُقبل عمله تسد عليه باب الضحك.

فاحرص أيها المؤمن على ما ينفعك وانظر كيف يكون عملك الصالح من قيامٍ وصيامٍ مقبولاً عند الله تعالى، فقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السَهر)) فكم وكم من الناس هذا حالهم بسبب أنهم ما تعلموا ما يحتاجون إليه ليصح عملهم وقد سبق وتكلمنا عن أحكام الصوم في مقالاتٍ سابقةٍ فلينظرها من شاء ليقف على ما لا بد منه.

والحمد لله أولاً وآخراً.