2019-05-09 10:50:10

ربيع لبنان الرمادي: هل تهز التحالفات نظام أمراء الطوائف؟؟ بقلم: احمد خالد

ربيع لبنان الرمادي: هل تهز التحالفات نظام أمراء الطوائف؟؟ بقلم: احمد خالد

ربيع لبنان الرمادي: هل تهز التحالفات نظام أمراء الطوائف؟؟ بقلم: احمد خالد

ربيع لبنان الرمادي: هل تهز التحالفات نظام أمراء الطوائف؟؟ بقلم: احمد خالد

مجلة الشراع 3 ايار 2019 العدد 1899

 

في وقت يخترق فيه مناخ ورياح الربيع العربي حالتي نظامي كل من الجزائر والسودان، فإن حالة الاحتجاجات الشعبية المدنية في لبنان تحافظ على مراوحتها تحت سقف انها لا تمس ولو شعرة من جفون النظام السياسي في لبنان. 

طوال الفترة الطويلة الماضية كان ينظر الى نظام الحكم في الجزائر بوصفه من أقوى الأنظمة القائمة في المنطقة كونه يعتمد على بنية الجيش التي تمثل الدولة العميقة الجزائرية. ولم تسقط الدولة العميقة في الجزائر بفعل الثورة المدنية الحاصلة هناك منذ نحو ثلاثة أشهر، ولكن النظام في الجزائر وجد نفسه مجبراً على تبديل جلده وإضافة تعديلات عميقة على أسلوب حكم البلد. 

وكذا الحال بالنسبة للسودان الذي كان أصلاً مستنزفاً بقوس مشاكله المتعددة الأوجه وتعثر مسار معادلة المزاوجة بين الأخوان المسلمين وحزب البشير الذي يشكل رأس حربته السياسية ليس فقط في السودان بل في محيطه الاقليمي اللصيق. لقد نهضت فجأة، ومن بين حطام كبوة طويلة،  القوى النقابية المهنية السودانية، وقادت شارعاً عريضاً محبطاً ويعاني من كل انواع الفقر والقهر الاجتماعي والسياسي.  ووصل هذا الحراك السوداني بأقل من شهرين الى وضع البلد امام معادلة حوار بين مؤسسة الجيش والمجتمع المدني من أجل تقاسم السلطة كحد أدنى او انتقالها بكليتها الى أيد مدنية كحد أعلى. 

وبالتزامن مع أحداث الجزائر والسودان، شهد لبنان خلال الشهرين الأخيرين، عودة الحراك المدني فيه ((للتثاؤب)) ومحاولات النهوض من كبوة دخل فيها بعد تجربة حراك العام 2015 الذي انتهى على مشهد اعلان هذا الحراك عن إفلاسه الاجتماعي والسياسي والحراكي. 

ثمة معطيات جديدة تشهدها بدايات بروز الحراك اللبناني المدني لعام 2019، ومفادها ثلاث نقاط تجعله يختلف عن حراك 2015: 

النقطة الأولى تتمثل هذه المرة ببروز فئة اجتماعية جديدة بادرت الى الخروج للشارع بزخم يؤشر الى أنه تصاعدي. والمقصود بهذه الفئة هم العسكريون المتقاعدون الذين يبلغ عديدهم مع أسرهم العشرات من الآلاف. 

النقطة الثانية هي انه في المرة الماضية ((2015)) كان سبب خروج جمعيات مدنية لقيادة الحراك المدني، يتعلق بأزمة النفايات، حيث ان  هذه الأزمة شكلت السبب المباشر لإندلاع الحراك .. أما هذه المرة فكان سبب اندلاع حراك المتقاعدين هو رفضهم المس برواتب موظفي الجيش وتقاعدهم. وشيئاً فشيئاً بدا ان المتقاعدين العسكريين يتصدرون واجهة الدفاع عن رواتب كل موظفي القطاعين العام والخاص.  

النقطة الثالثة تتمثل بأن الحراك المدني الجديد نصب نفسه مراقباً لما ستقره الحكومة بخصوص ميزانية الدولة للعام 2019. وهو بذلك يضع نفسه كقوة ثانية بمقابل مجلس النواب المسؤول عن الموافقة على الموازنة المالية للدولة .

والواقع ان كل واحدة من النقاط الثلاث السابقة، تؤشر لملامح تفيد في فهم طبيعة الحراك المدني الجديد الذي يبدو انه في حالة ((استيقاظ))، وليس في حالة ((نهوض كلي)): 

.. حقيقة ان القوة المتصدرة للحراك الجديد هم العسكريون المتقاعدون، فهذا يستبطن ظهور دور للجيش، وذلك لأول مرة، كقوة اجتماعية. قبل ذلك كان الجيش اللبناني يعيش ضمن منظومة قوانين صارمة ، تمنعه من التدخل بالشأنين الاجتماعي والسياسي. ومعروف ان لبنان يكاد يكون البلد الوحيد في العالم الذي يمنع على عناصر الجيش فيه الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.   

واليوم ، يعتبر ان الجيش دخل ولو من بوابة المتقاعدين العسكريين، ساحة الصراع الاجتماعي والمعيشي الذي يفضي بشكل او بآخر الى الساحة السياسية. واللافت انه رغم ان رئيس الجمهورية ينتمي للحلقة الاجتماعية العسكرية الصلبة، الا ان حراك المتقاعدين العسكريين الذي يحظى بتأييد كبير لدى كل بيئة الجيش التي ما تزال في الخدمة الفعلية، قرر مواجهة الطبقة السياسية الحاكمة جميعها.وما حصل هو ان رئيس الجمهورية التحق بحراكهم حيث تقصد وزير الدفاع ان يطلق عليه لقب الرئيس الجنرال المتقاعد الأكبر. 

وهناك وجهتا نظر بتم تداولهما في مجال تحليل هذه النقطة: الأولى تذكر بما قاله ذات مرة عميد السياسيين اللبنانيين ريمون اده للسفير الاميركي الذي أخبره آنذاك بأن واشنطن وافقت على جعل قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. آنذاك لم يستطع إده إخفاء صدمته، وقال للسفير الاميركي: هذا خطأ استراتيجي، لأن ذلك يشكل سابقة تجعل لبنان يلتحق بدول حكم العسكر في البلاد العربية. وبهذا المعنى فإنه سيخسر ديموقراطيته. 

ولكن ملاحظة اده لم يتم احترامها فجاء شهاب وخلال عهده برز المكتب الثاني ودوره الاستخباري في حكم البلد، ثم بعد الطائف أصبحت اليرزة تصدر رؤساء الى قصر بعبدا.  وبدأ عملياً حكم الجنرلات - رؤساء الجمهورية. وعليه فإنه في جانب سياسي من خلفيات تصدر المتقاعدين العسكريين للحراك المدني في هذه المرحة،  يوجد جانب له علاقة بان الجيش طرأ عليه حالة تسييس على مراحل، وبلغت ذروتها خلال الطائف الذي جعل اليرزة وخريجيها، بمثابة نادٍ للمرشحين لرئاسة الجمهورية.

وجهة النظر الثانية تقول ان احباط الاحزاب المسيحية التقليدية في لبنان من الكتائب الى الأحرار، وقوى البيئة الاجتماعية المحسوبة على مؤسسة الجيش اللبناني، كما ان الصراع بين القوات اللبنانية ((عسكر الاحزاب المسيحية)) وبين الجيش، جعل الأخير يشعر بنفسه بأنه ليس فقط مؤسسة رسمية بل بجانب آخر، فهو مقاتل من أجل تحديد الهوية السياسية للمجتمع المسيحي. وعمق الرئيس عون هذا التوجه ، خلال فترة ما بعد انقلابه قبيل الطائف، ثم كرسه بتعزيزه لبنى التيار الوطني الحر بعد عودته من المنفى.  

والواقع انه بعد خروج متقاعدي الجيش الى الشارع للاعتراض على موازنة الحكومة الأولى من عهد الرئيس الجنرال عون، بات التيار الوطني الحر يشعر بأنه دخل مرحلة انفصام شخصيته الاجتماعية ، وهو مهدد بأن يصبح تياراً بقيادة جبران باسيل وهو يعبر عن طبقات المسيحية المستفيدة من السلطة ((التوظيفات والتنفيعات، الخ..)) بمقابل تيار مرشح يقوده العميد شامل روكز وهو يعبر عن القاعدة الاجتماعية المسيحية الاساسية للتيار والمنتمية لبيئات وأبناء العسكريين. ويبدو واضحاً ان الرئيس عون يحاول لملمة هذا الوضع وذلك من خلال تسريب الأجواء التي تقول ان الجنرال المتقاعد الأكبر لن يترك راية الدفاع عن المتقاعدين العسكريين. 

وهناك نقطة أخرى أثارتها قضية خروج المتقاعدين العسكريين الى الشارع، ومفادها هل تكون هذه البيئة ذات الأصول العسكرية قادرة على النجاح حيث فشلت بيئات المجتمع المدني في العام 2015؟؟ 

وفي حال الإجابة على نحو افتراضي بالإيجاب عن هذا السؤال، فإن ذلك يعني ان لبنان سيدخل ربيعاً عربياً من نوع ربيع الجزائر ومصر، حيث البيئة العسكرية تصبح هي المرحلة الانتقالية بين حكم طبقة سياسية اثبتت فشلها وطبقة سياسية جديدة تستند الى العسكر في حكمها مع مكياج ديموقراطي. 

وفي حال الإجابة بالسلب، فإن هذا سيؤكد مقولة ظهرت بخلال شيوع الربيع العربي في المنطقة ما بين 2011 و2016، ومفادها ان نظام الحكم في لبنان الذي يقوم على طبقة سياسية مكونة من أمراء الطوائف وتستند على دعم قطاع المصارف لها، وعلى عملية تبادل الربحية بين الطرفين، هو واحد من أقوى الأنظمة في هذه المنطقة.. 

 

أحمد خالد