2019-04-25 16:06:43

الخط الساخن السيبراني بين روسيا والولايات المتحدة لمنع كارثة عالمية - بقلم: د.أحمد الزين/   محلل سياسي مختص بالشؤون الروسية

الخط الساخن السيبراني بين روسيا والولايات المتحدة لمنع كارثة عالمية - بقلم: د.أحمد الزين/   محلل سياسي مختص بالشؤون الروسية

الخط الساخن السيبراني بين روسيا والولايات المتحدة لمنع كارثة عالمية - بقلم: د.أحمد الزين/   محلل سياسي مختص بالشؤون الروسية

الخط الساخن السيبراني بين روسيا والولايات المتحدة لمنع كارثة عالمية - بقلم: د.أحمد الزين/   محلل سياسي مختص بالشؤون الروسية

شهدت العقود الماضية العديد من الأزمات التي كانت من الممكن أن تؤدي الى حرب عالمية ثالثة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ولكن الباب الخلفي لهاتين الدولتين العظميين والمتمثل بالخط الساخن منع التشنجات من التحول الى كارثة عالمية من خلال تبادل سريع للمعلومات، على المستويين السياسي والأمني. ومع تطور التكنولوجيا، كان من الضروري تحول الخط الساخن المهتم بالشؤون العسكرية الى خط ساخن سيبراني. بعد العديد من النقاشات والأخذ والرد، تمّ التّوصّل سنة 2013 إلى اتّفاق بين روسيا، وريث الاتحاد السوفياتي، والولايات المتّحدة يقضي باستحداث خطّ للاتّصال المباشر بينهما يكون طريقًا للتّحاور والتّوضيح فيما إذا حصلت حوادث إلكترونية.

في الآونة الاخيرة كثر الحديث عن هذا الخط الساخن. بداية نشرت صحيفة ((دايلي بيست)) مقالاً تحت عنوان ((هذا الخطّ السّاخن قد يمنع الولايات المتّحدة وروسيا من الحرب الالكترونيّة)) تناولت فيه أهمية هذا الاتصال المباشر بين أقوى جيشين سيبرانيين في العالم. علّق على هذا المقال سفير الاتحاد الروسي والممثل الرئاسي الخاص للتعاون الدولي في مجال امن المعلومات أندريه كروتسكيخ. يرى كروتسكيخ أن مقال صحيفة ((دايلي بيست)) يشكّل جرعة من المنطق وسط ذلك السّيل من الدّعاية اللامنطقيّة ضدّ روسيا في إطار الترويج لدور سلبيّ تؤدّيه في مجال أمن المعلومات. ويضيف أن المقال يبيّن بشكل واضح لا لبس فيه، أنّ عدم وجود حوار بعيد عن السّياسة بين الخبراء في مجال أمن المعلومات الدّولي في كلّ من روسيا والولايات المتّحدة، أمر خطير قد يكون من أهمّ نتائجه فتح الباب على مصراعيه أمام حالات لا حصر لها من عمليّات سوء التّفاهم الّتي قد تؤدّي أي واحدة منها إلى نزاعات واسعة النّطاق ويصعب التّنبّؤ بنتائجها. ومن وجهة نظره أنّ ما ورد في المقال لا يمثّل استنتاجات عاطفية بل حقيقة واقعة يعرفها جيّدًا وفي العمق مسؤولو الأمن في الإدارة الأميركيّة، ممّن يمتلكون اطّلاعًا واسعًا على قضايا الأمن السيبراني، ولطالما صدرت عنهم شهادات تؤكّد حقيقة ذلك وهم بحكم خبراتهم الواسعة وعملهم لمدّة طويلة على أرض الواقع في هذا المجال يُعتبرون مصادر موثوقة يُبنى على ما يصدر عنها.

والحقيقة التي لا يعرفها عامة الشعب أنّ قناة الاتّصال الّتي اتّفق عليها بين روسيا والولايات المتّحدة استُخدِمت غير مرّة وتحديدًا في فترة إدارة أوباما، وقد ضمنت قناة الاتّصال تلك إجراء عمليّات حوار مستمرّة في إطار القضايا السيبرانيّة إن على المستوى التّقني، أو على مستوى القيام بمشاورات كاملة. وفي هذا الإطار تمّ عقد اجتماعات مادية بين الخبراء لتعزيز قدرتهم على خوض نقاشات مباشرة تتعلّق بالقضايا الّتي قد تستجدّ. كذلك أنشِئت مجموعة عمل ثنائية على مستوى عالٍ في إطار اللجنة الرئاسية الروسية الأميركية.

وكتأكيد لجدوى عمل قناة الاتّصال تلك، فإنّ ما حصل أثناء الحملة الرّئاسيّة الأميركيّة عام 2016، يبيّن ذلك، إذ قامت الولايات المتّحدة الأميركيّة حينها بالتعبير عن قلقها فيما يتعلّق باحتمال اقتحام بنيتها التّحتيّة الالكترونيّة، فعمدت روسيا، وبشكل سريع، إلى القيام بعمليّة تبادل للمعلومات التّقنية الّتي لها علاقة بالأمر. فتمّ تجنّب نزاع قد لا تُحمَد عقباه.

وفي هذا الإطار عبّر مركز التنسيق الوطني الروسي لحوادث الكمبيوتر، في أوائل أيلول/ سبتمبر من العام المنصرم عن استعداده للكشف عن مضمون المراسلات العامة أمام الجمهور، في حال وافق الطّرف الأميركي على ذلك. وقد أرسلت روسيا اقتراحًا بذلك إلى الولايات المتّحدة عبر القنوات الدبلوماسية لكنّ الرّدّ الأميركي على ذلك جاء سلبيًّا.

وتعتبر الخطوة الرّوسيّة في اقتراح نشر مضمون المراسلات للجمهور في كلّ من الولايات المتّحدة وروسيا وامام وسائل الإعلام وذوي الخبرة من كلا البلدين خطوة شجاعة وبنّاءة، تدلّ على شفافية واضحة كما يشير إلى أنّه ليس لدى روسيا ما تخفيه أو ما تخاف منه. لكنّ ذلك أمر لا يمكن تحقيقه في الوقت الرّاهن بسبب عدم موافقة الطّرف الأميركي عليه. وكانت الولايات المتّحدة قد علّلت رفضها بما اصطلح على تسميته بـ ((الحساسية)) للبيانات. مع العلم أنّه لا توجد معلومات قد تكون حسّاسة للولايات المتّحدة وغير حسّاسة بالنّسبة لروسيا. والحقيقة أنّ الموقف الأميركي إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على عدم ثقة الأميركيين بمصداقيّتهم، وبالتّالي فإنّهم يخشون ولا يريدون أن يتمّ نشر الحقائق على الملأ.

بعد الخطوة المذكورة آنفًا خطت روسيا خطوة جديدة تجاه الجمهور الأميركي، فتمّ التّوجّه إليه بشكل مباشر لشرح وجهة النّظر الرّوسيّة فيما يتعلّق بـ((الخطوط الساخنة)) طالبة من أكثر من وسيلة إعلاميّة أميركيّة أن تقوم ولو بمجرّد نشر المقال الموضّح لهذه المسألة، مقترحة أن تقدّم الخطاب المباشر للجمهور تاركة للوسيلة الإعلاميّة الأميركيّة أن تعلّق عليه كما تشاء وبما تشاء.

اهتمّت وسائل الإعلام الأميركيّة الّتي عرض عليها هذا الأمر به وطلبت من الرّوس تقديم بعض التفاصيل، معربة عن استعدادها لنشر المقال الرّوسي، لكنّ ضوءاً أحمر أميركيًّا أوقف سيرورة الأمر دون أن يصدر عن وسائل الإعلام أيّ تفسير للرّفض بعد قبول.

في الإطار ذاته تبذل روسيا جهودًا كبيرة في سبيل الانفتاح على الولايات المتّحدة في القضايا المتعلّقة بـ((الإنترنت)) في المنتديات متعددة الأطراف. ويَجري العمل هذا العام على التّأسيس لآليتين تفاوضيتين تختصّان بالتعامل مع أمن المعلومات الدولي، وهاتان الآليّتان هما: مجموعة العمل المفتوحة العضوية ((OEWG)) ، والتي يمكن لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الانضمام إليها، وفريق الخبراء الحكوميين ((GGE)).

وقد تمّ إنشاء الآليّة الأولى بمبادرة روسيّة أمّا الثّانية فتمّ إنشاؤها بحكم القانون، في أميركا، لكنّ روسيا، على الرّغم من ذلك، قامت برعاية كلا المجموعتين، في الوقت الّذي كانت فيه الدول الغربية تعرب عن تشكيكها في مسار الأمم المتحدة مغتنمة كل الفرص لانتقادها. وواقع الحال أنّه بات لدى الأمم المتحدة الآن مجموعتان تعملان بالتوازي، وينبغي تحديد مبادئ تفاعلهما بدءاً من اليوم.

لا ترى روسيا أنّ الدخول في ((معارك المصالح)) حول أمن المعلومات الدولية خيارًا صحيحًا للمتابعة في الأمم المتحدة. وهي مهتمة بأن تؤدّي هذه المجموعات عملها بطريقة تكاملية تقوم على التعاون البنّاء.

وهي ترى كذلك أنّه ينبغي ((مشاركة العبء)) فيتمّ التّركيز من قبل الفريق العامل المفتوح العضوية على المهام السياسية الأساسيّة التي تهمّ المجتمع الدولي بمجمله، ونعني بها قواعد السلوك المسؤول للدول في مجال المعلومات، وتدابير بناء الثقة في هذا المجال، ومساعدة الدول النامية. ويمكن أن يتمّ ذلك عبر لجنة دائمة تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن.

فيما يتعلّق بفريق الخبراء الحكوميين، فينبغي أن تكون أولى أولوياته،هي العمل على تطبيق قواعد القانون الدولي الحالية على حيز المعلومات.

إنّ هاتين المجموعتين ستكونان فاعلتين إذا ما تمّ تنسيق الجهود بينهما فتجري النّقاشات بينهما على أسس براغماتيّة بعيدة عن التّسييس، فيكون التكامل هو الهدف بدلاً من التّنافس، ذلك أنّ مجموعة عظيمة من القضايا ستتصدّى لها هاتان المجموعتان، ولا يمكن ضمان النّجاح إلاّ عبر المشاركة البناءة بين مختلف عناصرهما.

بالاضافة الى هاتين المجموعتين، قدمت روسيا للولايات المتّحدة في تشرين الثّاني/ نوفمبر 2018 خطّة هي عبارة عن برنامج من الإجراءات المشتركة مقترحة إجراء لقاءات في سبيل تحقيقها، لكنّ الولايات المتّحدة لم تبدِ اهتمامًا بالأمر، والحقيقة أنّ هاتين المجموعتين لن يلبث أن يبدأ عملهما لذلك ينبغي للولايات المتّحدة أن تتّخذ القرار بولوج باب الحوار الّذي فتحته روسيا أمامها، وهو لن يبقى مفتوحًا إلى الأبد.

ختاماً، انّ مسألة تأسيس خطوط ساخنة بين روسيا والولايات المتّحدة ودعمها بالحوار المتبادل بين الطّرفين قضية تتجاوز في أهميّتها السياسة الروتينية، ذلك أنّ أيّة مصادفة إلكترونية قد تقود إلى صراع عسكري لا يمكن التنبؤ بمدى اتّساعه بين روسيا والولايات المتحدة. ولن يحصل ذلك إلاّ في حال عطّلت الدّواعي السّياسيّة تلك ((الخطوط الساخنة)) الطارئة التي تم تأسيسها مدعومة بالحوار بين الخبراء ولعلّ مواجهة أزمة مشابهة لأزمة الصّواريخ الكوبيّة أمر يدخل ضمن الاحتمالات على أنّ سببها هذه المرّة لن يكون إلاّ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لا الرؤوس الحربية، ولن يكون هنالك فسحة من الوقت كافية لتجنّب أسوأ الاحتمالات في حال حصول ذلك. قد يبدو الأمر من باب الخيال العلمي لكنّه الواقع الّذي ينبغي علينا مواجهته وإيجاد الحلول الناجعة لتجنّبه. ينبغي على الولايات المتّحدة وروسيا أن تدركا خطورة ذلك ولعلّ تنبيه الخبراء الأميركيين ووعيهم لخطورة غياب الحوار في مجال أمن المعلومات قد يعطي فرصة للأمل في السير في هذه القضية قدمًا إلى الأمام. في هذا السياق يتساءل المراقبون:

ألا تدري الولايات المتحدة الاميركية ان أزمة سيبرانية قد تعطل بلداً بكامله و نتائجها كارثية؟

بعد الطرق السلمية هل ستلجأ روسيا الى الطرق البديلة وهل من المطلوب أن تعود كاليفورنيا الى العصر الحجري لتوافق بلاد العم سام على مقترحات روسيا؟

هل ستكشف روسيا عن هذه المراسلات ومن هذا المنبر تحديداً ليصل الى العالم أجمع؟

الى متى ستسكت حكومات العالم عن التعنت الأميركي العام في مختلف المواضيع الذي انعكس مزيداً من التدهور البيئي، وأزمات اقتصادية وحروب؟

  د.أحمد الزين/   محلل سياسي مختص بالشؤون الروسية