2019-04-25 15:47:05

الثورة السودانية: ربيع عربي باحترام دولي/ بقلم محمد خليفة 

الثورة السودانية: ربيع عربي باحترام دولي/ بقلم محمد خليفة 

الثورة السودانية: ربيع عربي باحترام دولي/ بقلم محمد خليفة 

الثورة السودانية: ربيع عربي باحترام دولي/ بقلم محمد خليفة     

مجلة الشراع 26 نيسان 2019 العدد 1898

 

*الحراك الثوري يحاصر الجيش ويضعه في حالة دفاع

*الثورة تحاشت أخطاء الثورات السابقة السودانية والعربية

*البرامج التي تطرحها قوى التغيير: لا حزبية ولا طائفية

*الثورة السودانية وشقيقتها الجزائرية فرضتا احترامهما على الداخل والخارج بفضل وعي القيادة والشعب, وقطعتا الطريق على أي تدخل أجنبي, وتفوقتا على ثورة ((السترات الصفر)) !

*الثورة السودانية ((ليست ربيعاً عربياً فقط بل صيف سوداني ساخن)) ستكون لها نتائج وآثار عميقة وواسعة على الصعيد العربي

 

مراجعة تجارب ثورات الربيع العربي المجهضة تبين وجود عملية التفاف ماكرة على مطالب الشعوب في لحظة مفصلية من كل ثورة, تقع بين إقالة رأس النظام, وعودة النظام القديم بوجوه جديدة. إذ تتدخل المؤسسة العسكرية لفرض وصايتها بحجة الخوف من فراغ السلطة, وانهيار الدولة, والحاجة لمرحلة انتقالية, وتقوم اشباح الدولة العميقة بترتيب عملية إعادة السلطة الى شاغليها القدامى, فتضيع الثورة , وتتبدد أحلام الجماهير, في انتظار انتفاضة جديدة, بعد جيل أو جيلين! .

تكررت عملية الالتفاف في سيناريوهات الموجة الأولى من الربيع العربي, فانتهت الى احباطات مريرة, ونتائج صفرية. وأصبحت درساً لقادة الموجة الثانية في شمال افريقيا ليتجنبوا الوقوع بها.

 ومن الواضح أن قادة الحراك السوداني هم الأكثر استيعاباً للدرس, فقرروا التمترس في الشارع بعد مسرحية خلع البشير, واستيلاء العسكر على السلطة, وأصروا على تسليم السلطة لحكومة مدنية تمثل إرادتهم, رافضين ((المرحلة الانتقالية)) بادارة عسكرية. لا سيما أن الشبهات أحاطت سلوك الجنرالات, وأولها أن مهندس الانقلاب الذي تولى السلطة عوض بن عوف كان نائب المخلوع وشريكاً له في جرائمه, وتعهد له قبل خلعه بحمايته. وثانيها أن الجيش يريد فترة انتقالية لعامين, وهي مدة طويلة. وثالثها أن وضع الرئيس المخلوع غير واضح. وآخرها أن الاعتقال لم يشمل بقية أركان النظام السابق, ولا تعهد بتطهير جذري.

 لذلك رفض قادة الحراك الانسحاب من الشارع, ولا سيما ساحة الاعتصام الرئيسية قرب قيادة الجيش, والذي بدأ يوم 6 نيسان / ابريل الجاري, للاحتماء بالجيش من رصاص أجهزة النظام الحزبية السرية, وتذكير قادة الجيش بسابقة سلفهم عبدالرحمان سوار الذهب حين لبى عام 1985 نداء الشعب فعزل جعفر النميري وسلم السلطة لحكومة منتخبة خلال سنة.

السيناريو الدموي

 وقد تكرر سيناريو 1985 فعلاً, وأكدت المعلومات أن البشير اجتمع بقادة الجيش في 7 نيسان/ أبريل وأمرهم بفض الاعتصام بالقوة, على طريقة بشار الأسد, مدعياً أن الشريعة الاسلامية تسمح له بقتل 30 % على الأقل من السكان للحفاظ على السلطة! . فقرر الجنرالات خلعه, وشكلوا مجلساً عسكرياً لادارة البلاد عامين, وفرضوا منع التجوال ليلاً لمدة شهرين, وأمروا بفض الاعتصام, وكأن الثورة انتهت!  

غير أن الشارع المتوجس والمرتاب بنوايا العسكر, وقادة الحراك المتعظين بالتجارب السابقة في السودان والمحيط العربي كانت له كلمة أخرى: لا لفض الاعتصام, ولا لتسليم السلطة للعسكر, ولا مرحلة انتقالية طويلة, ولا تراجع قبل اجتثاث النظام السابق من جذوره, ونقل السلطة لحكومة مدنية تمثل إرادة الشعب.    

  تحول الاعتصام تحدياً شعبياً وثورياً حقيقياً للمؤسسة العسكرية, وحصاراً فعلياً لها في عقر دارها. ولم تمض ساعات حتى اضطر رئيس المجلس العسكري ووزير الدفاع ونائب البشير عوض بن عوف للانحناء أمام الشارع المتحفز فاستقال وسلم رئاسة المجلس للفريق عبد الفتاح البرهان الذي اضطر لإعلان الاستعداد للتفاوض مع قادة الحراك, لايجاد صيغة مشتركة وأبدى الاستعداد للحوار مع مائة شخصية من قادة الحراك, وضاعف إجراءات ملاحقة رموز النظام لتشمل نائب البشير علي عثمان طه, ورئيس الحزب الحاكم احمد هارون، ورئيس البرلمان احمد طاهر, وشقيقي البشير, ثم قرروا التحقيق مع البشير بتهمة حيازة أموال في قصره, لا بجرائم قتل المتظاهرين أو جرائمه الكثيرة خلال 30 سنة.

وقرأ قادة الحراك في مواقف الجنرالات مؤشرات على نية مبيتة للاحتفاظ بالحكم, ورفض مبطن لتسليم السلطة لممثلي الثورة, فعلقوا المفاوضات معهم, ورفعوا وتيرة الحراك في الشارع. ووصفوا ما وقع بنصف انقلاب, ورأوا أن النظام ما زال قائماً, والمجلس العسكري نسخة منه. وأعلن وجدي صالح المتحدث بإسم قوى التغيير والحرية في بيان شديد اللهجة أمام ملايين السودانيين: لا مطلقة لحكم العسكر, وأي إدارة انقلابية, ورفض الإعتراف بأي مؤسسة تمثل نسخة جديدة للنظام البائد, وطالب العسكر بتسليم السلطة فورا لحكومة انتقالية مدنية تختارها قوى الثورة, لأن مهمة الجيش الوحيدة حماية الشعب والبلاد لا الحكم.

لم يقع ثوار السودان في فخاخ العسكر, ورفضوا أنصاف الحلول, ورفضوا اقتسام السلطة معهم. وأشهروا ((المبدأ)) الذي ضيعته ثورات الربيع السابقة, مخدوعة بفكرة المرحلة الانتقالية, وهو أن الشعب مصدر الشرعية لا الجيش ولا الدولة العميقة. ورفضوا التفريط بهذا المبدأ, لأن من شأنه تكرار الفشل وضياع الثورة, لا سيما أن بعض جنرالات المجلس العسكري من حزب البشير ويتبنون ايديولوجيته!.

لذلك أخذوا زمام المبادرة , باعتبارهم السلطة الثورية الشرعية, لا الجيش, فأوقفوا الاتصال بالمجلس العسكري ودعوا لتشكيل ثلاث مؤسسات:

يعتقد الثوار أن السودان يمر بمرحلة حاسمة, فإما أن تستمر الثورة حتى تؤسس نظاماً جديداً وقوياً, وإما أن تضيع كسابقاتها ويعود السودان لثنائية الحكم العسكري الاستبدادي والحكم المدني الهش. وهم يرون أن القبول بدور الجيش حالياً يفتح الباب لعودة الحكم العسكري, أما التمسك بالشارع والحراك الثوري سيؤسس قاعدة مدنية للسلطة تمهد لسودان جديد ودولة ديموقراطية راسخة لا أحد يجرؤ على الانقلاب عليها. خصوصاً أن العالم كله انحاز للشعب السوداني وأيد مطالبه, وحذر الجيش من التصدي له مما وفر له حماية قد لا تتكرر.

 لقد تضافر الوعي الحاد, وزخم الشارع الذي لم يفترِ أبداً, ولم ينقسم, وتجنب القوى السياسية سرقة الثورة, ومحاولات إضفاء الطابع الحزبي والسياسي والطائفي, فتحولت التجربة أيقونة باهرة في تاريخ الثورات العربية, إذ تشكلت في ساحات الاعتصام عشرات اللجان الفنية والخدمية والطبية التي تقدم الخدمات ليلاً ونهاراً للمعتصمين, من الدواء الى الغذاء, وتنظيم الحركة, وتبث الأخبار والمعلومات الاعلامية, وتعتني بالبيئة والنظافة, وتتواصل مع الاطراف الفاعلة في السودان الاجتماعية والسياسية.. إلخ.

هذه التطورات تؤكد أن الثورة مستمرة في الاتجاه الذي اختارته منذ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018, وتتمسك بإقتلاع نظام البشير من جذوره, ومحاسبة رموزه, وقطع طريق السلطة على العسكر, لتسليمها لحكومة مدنية يختارها ممثلو الثورة, الامر الذي وضع العسكر في حالة حصار وموقف ضعيف جداً داخلياً وخارجياً, تجلى في أول حديث لرئيس المجلس عبد الفتاح البرهان بثته المحطات التلفزيونية كافة , إستهدف طمأنة الناس الى عدم وجود نية للحكم لدى الجيش, وأكد الاستعداد لتسليم السلطة فوراً لحكومة مدنية, ورمى بالكرة الى ملعب ((قوى التغيير والثورة)) زاعماً عدم وجود اتفاق بينها على برنامج موحد, وقال إن المجلس العسكري تلقى أكثر من مائة اقتراح أو مشروع من الأحزاب. وأعرب البرهان عن تفاؤله بالوصول لصيغة مشتركة خلال أيام.

ثورة باهرة بإجماع دولي

في كل الأحوال يبدو السودان بين قطبي تأثير:

 أولهما ((قوى الحراك الثوري)) التي تضم قوى التغيير والثورة التي تتألف من 160 حزباً مدنياً على الأقل, تمثل الشرعية الثورية والتقليدية. وبموازاتها تحالف ((المهنيين)), أي نقابات الأطباء والمحامين والصحافيين والمهندسين, ويبرز بجانبها دور جامعة الخرطوم وأساتذتها. ومن خلفهم عشرات ملايين السودانيين, وخصوصاً الشباب الصغار بين ((23 – 28 عاماً)).

وثانيهما ((المجلس العسكري)) الذي يقدم نفسه ممثلاً للدولة ويريد حمايتها وحماية التوازن والاستقرار, ورغم أنه فشل في التحكم بدفة البلاد إلا أنه يملك هامش مناورة سياسية, ولذلك يطالب القوى السياسية بتقديم برامجها ومرشحيها ويبدي استعداده للحوار معها.

والأرجح أن الثورة ستستمر في الشارع حتى تحقق كامل أهدافها بما فيها عملية تغيير جذرية في السلطة والدولة وأجهزتهما التي نخرها ((اخوان)) البشير والترابي طوال 30 سنة بالفساد تحت عمامة وعباءة رجال الدين الموالين للعسكر وللاخوان.

وفي كل الأحوال فالثورة السودانية تبتكر نموذجها المميز -كتميز السودان ذاته في الأمة العربية - وتصنع الموجة الثانية من الثورات الشعبية التي تعم المنطقة من العراق للجزائر. الناشطة والكاتبة شذى المهدي أحسنت وصفه بأنه ((ليس ربيعاً عربياً فقط, بل صيف سوداني ساخن أيضاً)) له خصائص فريدة واستثنائية, مما دفع المتحدث الرسمي بإسم الخارجية الأميركية الى الاشادة بسلميته, وقال ((إننا نشيد بالشعب السوداني نظراً لصموده والتزامه باللاعنف, وإصراره على الحرية والديموقراطية والسلام)) .

 هذا الطابع الاستثنائي دفع عشرات الدول في الشرق والغرب لإظهار انبهارها بالتجربة الفذة, واحترامها لوعي الشعب السوداني وحسن تنظيمه, بما يذكر انبهار العالم بتجارب الثورات العربية في بدايتها عام 2011, وخصوصاً التونسية والمصرية, بل واليمنية والسورية في البداية.

 حتى الدول العربية, وخصوصاً مصر والسعودية والإمارات تعاطت مع الثورة السودانية بشكل ايجابي واضح, واستقبلتها استقبالاً مشجعاً وداعماً, رغم تحفظها المعتاد الذي رافق كل ثورات الربيع العربي السابقة.

وإذا ربطنا هذه الثورة العظيمة بالثورة الجزائرية التي تتزامن معها وتتسم بالسمات والمزايا نفسها, فينبغي القول إننا أمام ظاهرة عربية غير مسبوقة في تاريخ العرب, ستكون لها آثار عميقة وبعيدة في عموم البلدان العربية.

 ولا بد من القول أخيراً إن هذه الظاهرة العربية الفريدة قد تفوقت على ظاهرة ((السترات الصفر)) التي انحرفت منذ البداية للعنف والتخريب من جانب المحتجين, وجانب السلطة معاً, في أعرق بلدان أوروبا والعالم ديموقراطية.