2019-04-18 19:32:56

لا يستقيمُ الظلُّ والعُودُ أعوج/ بقلم الشيخ أسامة السيد

لا يستقيمُ الظلُّ والعُودُ أعوج/ بقلم الشيخ أسامة السيد

لا يستقيمُ الظلُّ والعُودُ أعوج/ بقلم الشيخ أسامة السيد

لا يستقيمُ الظلُّ والعُودُ أعوج/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 19 نيسان 2019 العدد 1897

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)) سورة التوبة.

وأخرج البيهقي في ((السنن الكبرى)) أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: ((فإنه من يُصلح سريرته فيما بينه وبين ربه أصلح الله ما بينه وبين الناس)).

يشكو كثيرٌ من الناس على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية من بعضهم البعض أو ممن هم تحت إدارتهم أو سلطتهم، فهذا لا ينصاع لرئيسه، وذاك لا يطيع مدير عمله، وآخر لا يبَرُّ والديه، ومُهملٌ لا يهتم لمعالي الأمور فتراه يهدُر وقته سدىً، وفلانٌ لا يرى سوى رأيه في نزاعاتٍ كثيرةٍ يطول سردها تزرع في النفوس الحقد والبغضاء والعمل على الخداع والمكر للنيل من هذا وذاك أو للوصول إلى بعض المكاسب المادية الرخيصة، ويُكثر معظم الناس من انتقاد الآخرين وإطلاق ألسنتهم الحادة في لحوم المؤمنين.

فترى أحدهم وكأنه لا شُغل له إلا أن يعترض على أصحابه ولا يرى سوى رأيه ويقع في إخوانه تارةً بالغيبة وهي ذكرك أخاك المؤمن بما فيه في خلفه بما يكره، كأن يقول فلانٌ أعور أو أعرج أو وسخ الثياب أو غير ذلك مما يكره المذكور أن يُذكر به، وتارةً بالبهتان وهو ذكرك أخاك المؤمن بما ليس فيه مما يكره وهو متضمنٌ للكذب، وتارةً ينقل الكلام بين إخوانه للإفساد فيقع في النميمة، وكل ذلك من الأمراض التي تفتك بالبلاد والعباد وتهدم البيوت وتجر إلى الأحقاد والهجران، بالإضافة إلى ما يلوث به نفسه من كان على هذه الصفات القبيحة من الإثم والمعصية ولربما كان هؤلاء الناس الذين بسط فيهم لسانه من أهل الفضل عليه.

 

لا تكنْ إمَّعَة

 

ولو نظر هذا الآثم إلى نفسه بتبصُّرٍ لوجدها غارقةً في مستنقع الجهل وهو لا يشعر، وتجده ينطبق عليه ما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يُبْصر أحَدُكمُ القَذَاة في عين أخيه وينسى الجذعَ في عينه)) رواه ابن حِبَّان. قال ابن منظور في ((لسان العرب)): ((ضربه مثلاً لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويُعيِّرهم به وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القَذَاة)) والقذاة القَذَى وهو ما يقع في العين من عودٍ أو وسخٍ خفيف. ونرى كثيرًا ممن هذا حالهم يُكثرون القدح والذم وتسفيه غيرهم وما أحدهم في حقيقة الأمر إلا إِمَّعةً لا رأي له، فترى أحدهم يخُوض مع الرَّعاع فيما خاضوا فيه ويطعن فيهم وهو منهم ويَعيب عملهم وهو شريكهم ويدَّعي مع ذلك المروءة ومكارم الأخلاق.

وعن سيدنا حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكونوا إِمَّعةً تقولون إن أحسن الناسُ أحسنَّا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا)) رواه الترمذي.

قال القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)): ((أصل الإمَّعة هو الرجل الذي لا رأي له ولا عزم، فهو يُتابع كل أحدٍ على رأيه ولا يثبت على شيء)). ولا شك أن هذا مرضٌ عُضَالٌ قد فتك اليوم بكثيرٍ من أبناء أمتنا مع ما قد دبَّ فيهم أيضًا من الأسقام الأخرى، فكم نرى من أناسٍ أصاغر يحتلون مواطن الأكابر وكم نرى من جُهلاء يحتكرون وظائف العلماء أو ظالمين يحوزون مواقع الصالحين، ونجدهم فاسدين في أنفسهم وتمتد خيوط هذا الفساد المتصل بهم إلى من دونهم، فإذا بالشر يستطير وبالوباء يتفشى، ونشهد جرَّاء ذلك المداهنة والمكر والطعن في الظهر وقلة الوفاء وتَحَيُّن الفُرص للنيل من الآخر والغفلة عن الموت والقيامة والحساب.

 

أصلِحْ نفسك

 

ويزداد المرض في قلوب الكثيرين سوءًا يومًا بعد يومٍ، ومن المؤسف جدًا أن ينظر البعض إلى هذه الأمراض على أنها ذكاءٌ وفِطنةٌ وحُسن تدبير، وبمثل هذا تنهار المجتمعات وتندثر المبادىء ولو أردنا البحث في أسباب هذا التأخر والكلام فيه لوجدنا أن أحد أبرز تلك الأسباب هو تخلِّي كل راعٍ عن مسؤوليته، فهذا يقول مثلاً: لا شأن لي، وذاك يقول: لا علاقة لي، وآخر يقول: ما لي وللناس، حتى صار أكثر البشر ما بين فاسدٍ وساعٍ بالشر وإمَّعةٍ لا رأي له وفي هذا المعنى قيل:

وجلُّ الناس خدَّاعٌ                        وجانٍ وابن خدَّاع

يعيثون مع الذئب                        ويبكون مع الراعي

 وإزاء ذلك فإننا نتساءل ما هو الحل؟ والجواب بكل بساطةٍ: الحل هو بأن يعمل كل فردٍ على إصلاح نفسه ولا تصلح النفس إلا بتقوى الله، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه كل مسؤولٍ عن شركةٍ أو مؤسسةٍ أو مدرسةٍ أو مسجدٍ أو أسرةٍ ليؤثر فيمن دونه بحاله ومقاله، ولا تتأتى تقوى الله إلا بالعلم.

ولا شك أن كل فردٍ منَّا معنيٌ بذلك لا سيما من كان في موقع المسؤولية، فقد جرت العادة في الغالب أن يفسُد الناس بفساد كبرائهم وأن يستقيموا باستقامتهم، ورأس كل قومٍ علماؤهم، وحيث قد فسد كثيرٌ ممن يتزيّون اليوم بزي العلماء حتى وصل الأمر ببعضهم والعياذ بالله إلى أن جوَّز الخطأ في التشريع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عنيت بذلك يوسف القرضاوي الذي صرَّح بذلك في إحدى مقابلاته المسجَّلة فكذَّب قولَ الله تعالى في سورة النجم: ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى)) وقولَ النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الطبراني عن ابن عباس: ((ليس أحدٌ إلا يؤخذُ من قوله ويدعُ غيرَ النبي)).

وإزاء ذلك فإننا ندعو كل أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم السعي لإصلاح ذواتهم ليرى أثر ذلك من هو دونهم فيستقيم بهم غيرهم، فإنه لا يستقيم الظل والعود أعوج.

والحمد لله أولاً وآخراً.