2018-06-29 15:27:57

طارق ناصر الدين في ((حب وحب)) القديس الجديد للقومية العربية - لامع الحر

طارق ناصر الدين في ((حب وحب)) القديس الجديد للقومية العربية - لامع الحر

طارق ناصر الدين في ((حب وحب)) القديس الجديد للقومية العربية - لامع الحر

طارق ناصر الدين في ((حب وحب))

القديس الجديد للقومية العربية

تحقيق: لامع الحر

مع الطارق، ذاك النجم الثاقب الذي يضيء ما حوله، كأن اشراقاته آتية من فضاء الغيب ألحاناً ترتوي بما عذب من كوثره.

شاعر يتجلى على إيقاع عروبة نابضة. لا تعرف التيه، ولا تضيع البوصلة، ولا تشتهي لثمارها غير بلوغ ما تستطيع من حجب.

يكتب كأنه الشلال الهادر، والنقي في آن معاً. لا يتصنع، ولا يفتعل. بل يستجيب لنداء قريحته، التي تقترح عليه رؤىً، تقتحم الغيم. وتبدد الرمادي المهيمن.

شاعر من طينة الصفاء الكلي الذي لا يجاريه صفاء. كأنه منذور للجمال الصافي الذي لا يعرف الوحشة، ولا يستكين أمام الغربة الكتابية التي تسلب المبدع بريقه، وتوقه للكمال.

هو شاعر يكتمل على وقع عذوبة تغذي الرؤى وفيض المدى الذي يمتد، ويمتد.. ليجعلك ترى ما لا يُرى. كأن ثمار الابداع لا تأخذ مسارها الطبيعي، إلا عبر سلال فاكهة، تيسر الصعود الى الذروة الأبعد.

وحده الشاعر يقلب المقاييس رأساً على عقب، دون ان يخربط قواعد اللعبة.. ووحده يتجاوز القواعد، لا ليتجاوزها فحسب، بل ليكرس قواعد جديدة، تتجاوز المألوف والسائد، لتبتكر رؤية مغايرة، وتحلق في آفاق لم يدركها ابن عبقر بعد.

انها الرغبة الارادية او اللاإرادية بالتغيير الذي يعرف كيف يدفع الفعل الكتابي الى الأمام، الى الأعلى، الى الأسمى. الى نقطة لا ندري من بدايتها النهاية التي سوف تؤول اليها. وكأن شاعرنا لا يكتب لكي يكتب، او لكي يسجل موقفاً، بل يكتب استجابة لإرادة السماء التي جعلت ابداعه طريقاً للعبور الى ذلك الفضاء الذي تكلله شطحات امتلكت كرسي الابداع، وراحت تصول، وتجول، كأنها الماضي الذي يخترق المستقبل، ويجعله صنواً لغزواته الشعرية التي تجعل من الكلام رحيقها الأول، والأجمل.

يكتب كأنه يتنفس. الهواء الذي يرجوه هو هواء الشعر. لا تستوي لديه حياة بغير الشعر. كأنه قدس الأقداس. او الدم الذي يعطيه النبض. ويمضي به الى عرزاله المشحون جمالاً، والمفتون بلعبة الحياة التي لا تستوي إلا مع اشراقات الشعر التي تجعل الوجود أجمل. والوصول الى ذلك المستحيل ممكناً. ان تيسرت الارادة وان تمكنت الرؤى من بلوغ المنتهى الذي لا ينتهي.

مذ عرفته ما يزال على العهد. لم يخن قناعاته. لم يتغير. لم يتلون. لم يساير هذه الجهة او تلك سعياً الى مصلحة ما. بل ظل ناصرياً عنيداً مؤمناً بعروبة هذه الأمة ووحدتها، ومتطلعاً الى اشراقاتها التي سوف تنبجس بعد انسدال الستار على ليلنا العربي الطويل، وبعد انجذاب الأفق الى ذلك الاحمرار الذي ينذر ببزوغ فجر الحرية المشتهاة.

كثيرون ضيعوا البوصلة. او غيروا الطريق. او استسلموا للتنظيرات المشبوهة، الآتية من هنا وهناك. منهم من رأى ان السفينة قد غرقت بكاملها، ليبرر انحرافه ومنهم من تنكر بالكامل لانتمائه، فصار يساير الفكر الآخر، ليحظى بنعيمه النقدي، وليأخذ ما يمكن من الشهرة. على مستوى العالم. ومنهم من باع القضية برمتها مقابل المشاركة في مهرجان شعر عالمي. ولا مشكلة لديه ان كان من ضمن المشاركين شعراء صهاينة أسهموا كالآخرين في احتلال فلسطين، وأعلنوا عداءهم المطلق لكل ما هو عربي. وهناك من تخلى عن كل ما يربطه بأرضه ووطنه، وتخلى عن شعره الداعي الى تحرير الأرض العربية من براثن الاستعمار، وذلك طمعاً بجائزة مشبوهة، تأتي من هذه الجهة او تلك. لا لشيء إلا لكي نفقد الابداع مضمونه الجميل.

أما شاعرنا فقد كان يعمل بمعزل عن كل هذه الاعتبارات، فظل واقفاً كشجرة السنديان أمام العواصف العاتية، الآتية من كل الجهات لا لشيء الا لتدفع المبدعين الى تغيير مواقفهم الوطنية، المرتبطة بحصيلة نقدية تواكب هذا التغيير.

أكثر الشعراء الذين كانوا ملتزمين مع مرحلة صعود نجم المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية. تراجعوا عن هذا الموقف بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982. وتركوا شعر القضايا الكبيرة، وفي طليعتها قضية فلسطين، واستغرقوا في القضايا الذاتية، او في تناول موضوعات لا أثر لها ولا قيمة على المستوى الابداعي. اللهم إلا اذا كان هناك شاعر عبقري يجعل من الباذنجة صورة شعرية ولا أروع.

وبقي طارق ناصرالدين من القلة النادرة التي تكتب بشغف كبير، للعروبة الحقة، عروبة عبدالناصر، وحسن نصرالله، لا العروبة المشبوهة التي تطرحها الأنظمة كرد فعل يعبر عن النكوص والقصور، أو عن التواطؤ مع الآخر والاستسلام لمعطياته وتنظيراته.

ومعه لا تسأل ان كان النص قصيدة خليلة او قصيدة تفعيلة، ينعدم الكلام بالكامل على الشكل الشعري، ليحل مكانه الكلام على الشاعرية التي تتدفق عليه، كيفما كتب. وكأن عبقراً قد جاد عليه بكل ما يجعل النص نابضاً متحركاً، مؤثراً ومثمراً.

قديماً سئل الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب: لمن لحنت من الشعراء. ذكر أسماء معظم الشعراء المعروفين آنذاك. ولم يذكر بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، فأجابه المذيع: لم تذكر الأخطل الصغير لماذا؟ فرد عليه قائلاً: قصائد الأخطل كانت تأتيني ملحنة).

هكذا تبدو قصائد طارق ناصرالدين. مزدحمة بالعنصر الموسيقي الذي ينسل في ثنايا النص من أوله الى آخره. حتى تبدو إيقاعاته موزونة على تكتكات القلب التي تعرف كيف تتمظهر لتعطيه دفعاً قوياً، وسطوة جمالية مزودة تجليات لا ينقطع وهجها أبداً.

شعره خليلياً كان أم تفعيلياً سلس، منساب، متدفق. بعد قراءة عدة أبيات او سطور، تشعر بأن سحراً ما، يسري في خلايا النص. وكأنه الروح التي تمنح الحياة لسائر أعضاء الجسد.

شعراء كانوا. شعراء ملوا. شعراء انحرفوا. أما هو فقد ظل على الخط العربي، ملتزماً مبادئه، متحمساً لانتصاراته، متفاعلاً مع انكساراته، متطلعاً الى مستقبله الذي سيشرق، وإن هيمن الظلام، وسينتصر وان استسلم البعض لحالة الاحباط، وموجة الهذيان وتعميم اليأس وكأنه باق على ما هو عليه كجلمود صخر. او كسدرة لا يطالها إلا الراسخون في الابداع.

يكتب ويكتب للعروبة. للقادة الخلّص. لجمال عبدالناصر، وكمال جنبلاط، للرموز الدينية وفي الطليعة النبي محمد (ص) والامام علي عليه السلام. وكتب لأبطال المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية وكتب لعدد من الشعراء الراحلين كبدر شاكر السياب، خليل مطران، عبدالكريم شمس الدين، احمد الصافي، النجفي، حاتم حيدر (أديب)، وكتب لعدد من الأصدقاء، ومنهم: سمير طرابلسي، احمد المخدر، والفنان جميل ملاعب.

وفي ديوانه ((حب وحب)) الصادر عن دار عالم الفكر قصائد اخرى يصب معظمها في الاطار الوطني. الذي يكلل نتاجه، منذ بدء رحلة ابداعه لغاية اليوم.

يعجبني في هذا الرجل اصراره على المضي قدماً في الانخراط بكل ما هو عروبي ووطني. لا يخشى في هذا الأمر لومة لائم.. بل يمضي في خياره الصائب ضارباً عرض الحائط، الآخرين الذين يودون الاصطياد في الماء العكر، ليشوهوا رؤيته وأفكاره. والطفيليين الذين يتربصون به وبأمثاله شراً. ليجعلوا منه صورة تشبههم، بكل ما فيها من قصور وقباحة، والذين يقدمون الاغراءات المادية والمعنوية مقابل ان يجروه الى خطهم المشبوه والى قناعاتهم المشوهة.

يكتب ناصر الدين ما يُمليه عليه وجدانه وضميره. لا ينحاز إلا للمثل والقيم. للوطن والعروبة، للشهداء، والأدباء، لتضحيات الشعب العربي، المصر على التحرر والتحرير، ليصل الى ذروة الدفء وذروة الجمال.

وعلى الرغم من ان كثيراً من المبدعين يعيشون على فتات السلطات وهباتها وهداياها، والأمثلة كثيرة، ولا مجال لتعدادها، إلا ان ناصرالدين لم يكن على مسافة واضحة من الأنظمة، بل كان وما يزال معادياً لها، وان كان الثمن غالياً، وذلك لأنه منحاز بطبعه للشعب الذي يعاني معاناة شديدة، نتيجة للأوضاع السياسية والاجتماعية القاسية التي يعيشها، وفي ذلك يقول: ((جميع قصور الحاكمين مقابر/ وكل شهيد مؤمن قبره قصر/ متى فقراء الأرض شدوا ركابهم/ ستنهزم الدنيا وينتصر الفقر/ لأني عروبي فإني مقاوم/ خياران لي: فالموت حراً او النصر)).

ولا بد من الاشارة الى ان هناك قصائد عديدة كتبت في الراحل الكبير كمال جنبلاط تقديراً لعطاءاته الوطنية، على غير مستوى وصعيد.

وبما ان الشاعر ناصرالدين يعرف تمام المعرفة ذلك فإنه يأبى ان يكتب نصاً عادياً او نصاً مكروراً، او نصاً لا يضيف الى رصيده، الابداعي، ولذلك كتب ما يستدعي الانتباه والتوقف. يقول: ((من غيره يفتح الرؤيا اذا انغلقت/ ومن سيرشدنا ان سدت السبل/ جمال في مصر يعلو.. والكمال هنا/ يعلو فغادر مدار الأرض يا زحل/ معلم الجيل آداب الحياة أضىء/ هذا الظلام فأنت الرائد الأمل/ وأنت تعلو وتعلو والشباب هنا/ فانزل قليلاً لنا كي يصعد الجبل)).

وفي ذروة كلامه على العروبة. وعلى الزعماء الوطنيين الذين تركوا بصمة مميزة، لم يفته ان يتناول موضوع الفساد الذي أنهك الشعب اللبناني وأوصله الى الحضيض. والكل يعرف مدى انعكاس ذلك على الاقتصاد اللبناني. وعلى حياة المواطن بشكل عام. يقول: ((نحن اتفقنا على نهب البلاد وفي/ عصر الفساد أرى الحكام تختزل/ نحن اتفقنا على نبش القبور ويا ذل الثغور متى حراسها انشغلوا/ نحن اتفقنا على رمي الزبالة في/ كل المطارح حتى ضاقت الحيل)).

ولا ينسى هذا الشاعر الفطري – المثقف – الموهوب ان يجد في الجزء الأخير من كتابه بقصائد تستغرق في نداءات الحب. لتعطيه ذلك البرق الذي يتجلى نوراً على نور ويفيض في محيط المعمورة رؤى توشحها دهشة تكتمل على إيقاع ما تستولد من ورود متوهجة.

وبما أنه العاشق الفرد يتساءل ماذا سوف يحدث للعشاق بعده؟ فهل هذا الخوف مبرر؟ وهل هو خلية العشق الأولى التي تنتهي مع الوصول الى مرحلة الأفول؟ انها اسئلة مشروعة لأن الشاعر يعرف انه حفر مكانه عميقاً في الأرض. وكأنه الجذر الذي لا يخبو. والبذرة التي تتوالد مع الأجيال. ليستمر هذا السحر الروحي الذي نسميه ((العشق)).

هل سيبقى الحب على حاله بعد رحيله؟ هل ستظل تلك الشعلة على توهجها اذا ما فقدت شيئاً من زيتها؟ وهل سنبقى نحن مأخوذين بما فاض علينا من نهر الحب. ونبقى مشدودين لرموز الحب الكبار في التاريخ العربي والعالمي؟

ماذا سيحدث بعد الرحيل؟ يجيب مؤكداً بأن العشق سيبقى وكذلك العشاق. وسيبقى للورد رائحة خاصة ومذاق خاص. والطيور ستظل تغرد، وان كان لنغمتها وقع آخر، وستبقى الشمس تشرق معلنة بزوغ فجر جديد، وجيل جديد. يقول: ((بعد رحيلي ماذا يحدث للعشاق/ سيبقى العشاق فعمر الحب دهور/ بعد رحيلي لن يذبل ورد حديقتها/ لكن العصفور/ سيبدل نغمته/ ويقل الحب قليلاً/ في الأفق المنظور/ لكن الشمس ستبقى مشرقة وستبقى الأرض تدور)).

أما بعد رحيل الحبيبة فماذا سيحدث. يقول: ((أخشى ان يومض فيك الليل/ فيحترق القمر المسحور/ أخشى ان تتسع الصحراء/ وتنشف بضع بحور/ أخشى ان ترتجل العتمة أمواتاً من غير قبور/ أخشى ان أبعث من دونك سيدتي/ فيصير الشعر بغير شعور)).

طارق ناصرالدين أفنى عمره كله عاشقاً للعروبة، منصهراً في أفيائها وظلالها، منتصراً لها، كأنه يريد ان يجعل من يباسها روضة يزينها الأخضر المترامي الذي يشع حياة ودفئاً.

طارق شاعر الصدق في زمن الدجل. وشاعر الحب في زمن الكراهية وشاعر الضوء في ظل الدياجير الحالكة، وشاعر الجمال في ظل البشاعة المتفشية وشاعر الالتزام الحقيقي في زمن معادٍ للالتزام، ومجاف لكل ما هو حقيقي.

طارق شاعر العروبة بامتياز، في زمن تدفع ثمناً باهظاً نتيجة الاصرار على التزامك. وذلك لأن شاعرنا يرى في الالتزام الصادق والحقيقي مرآة لذاته التواقة لبلوغ النصر واعتلاء سدة الجمال، ولهذا يبدو أكثر قوة وصموداً عندما يشن الادعياء حرباً شعواء على الالتزام، فيواجهها بقوة وعزم وكأنه القديس الجديد للقومية العربية.

 

لامع الحر