2018-06-29 15:23:55

تركيا البراغماتية بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية

تركيا البراغماتية بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية

تركيا البراغماتية بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية

تركيا البراغماتية

بين الأتاتوركية العلمانية والأردوغانية العثمانية

 

((مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا. هذا الجيش المقدس يحرس ديننا.. لم يكن رئيس بلدية اسطنبول الشاب يدرك في ذلك الوقت أن هذه الكلمات المعدودة التي رددها عام 1997 ستغير من مسار حياته الى الأبد، بل ستغير أيضاً من مسار التاريخ في تركيا  بعد ذلك بسنوات طويلة..

      أيها التاريخ عدنا قد رجعنا من جديد               بالدماء قد كتبنا صفحة المجد التليد.

شهدت تركيا الحديثة سلسلة من الانقلابات العسكرية التي حصلت في تركيا الحديثة منذ انهياردولة الخلافة العثمانية وحتى نهاية القرن الماضي والجهود الجبارة التي قام بها العالم التركي الكبير البروفيسور نجم الدين أربكان في إعادة الإسلام من جديد الى الساحة السياسية التركية ولمتابعة محاولاته المتكررة لإحداث إختراقات جوهرية في النظام العلماني المتشدد المهيمن على الساحة السياسية التركية بواسطة الجيش التركي الذي قام بعدة انقلابات في محاولة مستميتة لكبح جماح الصحوة الإسلامية التي قادها بدون كلل أوملل البرفيسورنجم الدين أربكان.

مع نهاية السبعينيات من القرن الماضي انضم الى حزب ((الخلاص)) الذي كان يرأسه أربكان شاب بسيط من أسرة فقيرة لأب إسمه أحمد كان يعمل في خفر السواحل فرزق أحمد في العام 1954 بمولود أسماه إسماً مركباً رجب طيب.. رجب نسبة الى الشهر الهجري الذي ولد فيه وطيب نسبة الى جده الذي سقط في ساحة الجهاد في مواجهة الروس بداية القرن الماضي.

نشأ رجب طيب أردوغان في حي قاسم باشا الفقير في جنوب اسطنبول يبيع السميد والبطيخ والعصير لكي يساعد أبيه في تحمل نفقات الأسرة وفي الوقت نفسه أصبح رجب طيب أردوغان لاعباً في كرة القدم في أحد نوادي العاصمة اسطنبول قبل أن يتخرج من الجامعة في قسم الإقتصاد ليترأس في نهاية السبعينيات من القرن الماضي الفرع الشبابي لحزب ((الخلاص الوطني)) في منطقته .

لم يمض وقت قصير على ذلك حتى حل الجيش التركي حزب ((الخلاص)) في إنقلاب عام 1980 ومع تأسيس أربكان حزبه الجديد حزب ((الرفاه)) لمع إسم الشاب رجب طيب أردوغان مع أستاذه نجم الدين أربكان في مدينة اسطنبول لينجح أردوغان في الإنتخابات البلدية لمدينة اسطنبول كبرى مدن تركيا وذلك في العام 1994 فتخوف الكثير من سكانها العلمانيين من توجهات أردوغان الإسلامية.

ولكن أردوغان بدلاً من فرض قيود جديدة على سكان مدينة اسطنبول وتعريض نفسه للإيقاف المباشر من الجيش العلماني المتحكم الحقيقي بمقاليد الأمور في تركيا استطاع ببراعة فائقة كسب قلوب السكان خلال أشهر قليلة بعد أن حل المشكلات الثلاث الطويلة المزمنة التي كانت تعاني منها مدينة اسطنبول.. نقص المياه وتكدس النفايات والإزدحام المروري فزادت بذلك شعبية أردوغان بين سكان اسطنبول فتحول الكثير منهم من الصف العلماني الى الصف الإسلامي الأمر الذي لم يرح قادة الجيش العلمانيين.

بدأ هؤلاء يعدون العدة لعزل ذلك الشاب الذي بات يشكل عليهم خطراً جديداً يفوق خطر أستاذه نجم الدين أربكان حتى جاء ذلك اليوم المشهود الثاني عشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 1997 عندما ألقى أردوغان قصيدة مساجدنا ثكناتنا للشاعر التركي الكردي الأصل ضياء غوغ آوت، وبالرغم من أن هذا الشاعر كان من ضمن الشعراء المقربين لأتاتورك ودخلت أشعاره في المناهج الدراسية العلمانية.. إنتهز جيش أتاتورك الفرصة لعزل أردوغان من منصبه وتقررت محاكمته علنياً إمعاناً في إذلاله أوهكذا كانوا يعتقدون. فسبحان الله هولاء المساكين لم يعلموا أنهم ارتكبوا خطأ العمر بما صنعوه، فمن جهة زادوا شعبية أردوغان ليس بين سكان مدينة اسطنبول فحسب بل لدى سكان تركيا بأسرها.

ومن جهة أخرى، غرسوا في وجدان ذلك الشاب شعوراً داخلياً بضرورة التخلص من هؤلاء الفاشيين الذين يعتقدون أنهم يمتلكون تركيا ومن عليها من البشر. فبعد عزله من منصبه وسجنه، كوّن أردوغان في زنزانته رؤية شاملة تؤدي في نهاية الأمر الى إنهاء الفاشية العلمانية الى الأبد وبعد خروجه من السجن انضم أردوغان الى الحزب الجديد الذي أسسه أستاذه أربكان حزب ((الفضيلة)) ولكن هذا الحزب تم حظره أيضاً عام 2001.

عند تلك اللحظة أدرك رجب طيب أردوغان أن الوقت قد حان لوقف هذه المهزلة فأسس مع مجموعة من الشباب الإصلاحيين في الحركة الإسلامية التركية حزباً جديداً أسماه ((حزب العدالة والتنمية)) وكان من بين المؤسسين لهذا الحزب البروفيسور عبد الله غول خبير السياسات الإقتصادية العالمية والبروفيسور أحمد داود أوغلو أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والدكتور بن علي يلرديم الذي يختص في علوم العمارة البحرية وهندسة المحيطات، وعرفت المجموعة إعلامياً بإسم العثمانيون الجدد)).

بعد أشهر قليلة من تأسيسه استطاع حزب ((العدالة والتنمية)) من اكتساح البرلمان التركي ليؤسس ((العثمانيون الجدد)) أول حكومة تركية يقودها لوحده حزب ذو توجه إسلامي وذلك منذ انهيار الخلافة العثمانية ولكن ومنذ اليوم الأول لتأسيسهم للحكومة التركية استعد الجيش العلماني للقيام بالإنقلاب عليهم إلا أن أردوغان ورفاقه كانت لديهم خبرة سياسية كافية تعلموها من تجربة أستاذهم نجم الدين أربكان فأداروا الصراع مع الجيش العلماني بكل مهارة فسدوا جميع الأعذار الدستورية التي يمكن للجيش التسلل منها لحل حزبهم. 

ولمواجهة التذرع بحجة عدم احترامهم للنهج العلماني وهي تهمة كفيلة بحل أي حزب في تركيا وفقاً لنص الدستور الذي وضعه العلمانيون سارع أردوغان وحزبه الى الإعلان عن إحترام حزبهم للقيم العلمانية، وفي الوقت نفسه أضافوا بأنهم يحترمون تاريخ أمتهم التركية في إشارة وصفها الكثير من المراقبين أنها كانت بمثابة مناورة ذكية من الحزب للخروج من الفخ الدستوري الذي وضعه الجيش التركي لإسقاط أي تحرك إسلامي وفي الوقت نفسه عمل أردوغان ورفاقه من الإسلاميين الجدد برؤيتهم طويلة الأمد التي تهدف الى إنهاء الفاشية العلمانية في تركيا بشكل نهائي وذلك عن طريق الخطوات التالية.

أولاً:  كسب مزيد  من أصوات الشعب التركي من المعسكر العلماني الى المعسكر الإسلامي عن طريق رفع مستوى المعيشة للمواطن التركي والعمل على إزدهار إقتصاد الدولة فتضاعف مستوى المعيشة للفرد التركي أربع مرات الى أحد عشر ألف دولار في السنة للفرد الواحد ونقل أردوغان تركيا إقتصادياً من الترتيب مئة وأحد عشر الى الترتيب السادس عشر على مستوى العالم هذا من الناحية الإقتصادية.

أما التعليم والصحة فقد تضاعفت ميزانيتهما بشكل كبير وافتتحت في تلك الفترة مئة وخمسة وعشرون جامعة جديدة.

نجح أردوغان وحزبه بخفض نسبة البطالة من ثمانية وثلاثين الى إثنين في المئة فقط وتم إنشاء العديد من المشاريع الضخمة إضافة لعشرات الآلاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة في منطقة الأناضول والتي حققت معجزة إقتصادية عرفت عالمياً بنمور الأناضول وبذلك أصبح لدى العثمانيين الجدد قاعدة شعبية كبيرة صارت بمثابة الدرع الواقي لأي تحرك عسكري محتمل من الجيش العلماني وهذا ما رأيناه يتحقق بالفعل في محاولة الإنقلاب الأخيرة.

ثانياً: عمل أردوغان وحزبه بشكل تدريجي على سحب صلاحيات دستورية كثيرة من الجيش التركي فقاموا بتغييرات دستورية واستفتاءات شعبية حجمت من دور الجيش في الحياة السياسية التركية.

ثالثاً: عمل أردوغان ورفاقه بشكل تدريجي على رفع الظلم والإرعاب الذي فرضه المتطرفون العلمانيون على الشعب التركي المسلم فبعد أن كانت الفتاة التركية تخير بين ترك التعليم أو خلع حجابها استطاع أردوغان لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث إعطاء الحرية الشخصية للفتاة التركية لكي تختار هي ما يناسب إعتقادها بدل أن يختار لها ذلك رجل يعمل كجنرال في الجيش.

فمثلاً هناك قصة الفتاة توحيدة التي فازت بجائزة أفضل مقال في منطقتها وفي المقابل نجد حجم الظلم الذي تعرضت له بسبب حجابها ولكن السؤال الذي يتبادر الى مخيلة الكثيرين لماذا لم يمنع أردوغان وحزبه في تركيا الكثير من المظاهر التي لا تتناسب مع ثقافة الشعب التركي مثل الخمور والبغاء وغيرها من الأمور التي تحط بالدرجة الأولى من قيمة الإنسان والمرأة بشكل خاص وتجعلها سلعة تباع وتشترى.

الحقيقة أن الإجابة على هذا الأمر تنقسم الى شقين: أحدهما شرعي والآخر سياسي، فالشعب التركي فرض عليه من قبل المتطرفين العلمانيين بقوة السلاح لما يقرب من مئة عام كثير من المحرمات التي تخالف ثقافته ودينه مما جعل تلك الأمور شائعة بشكل كبير بين أبناء الشعب التركي مما يجعل من فرض نوع جديد من القيود عليهم مرة واحدة أمراً خطيراً قد يحدث هزة ثقافية من شأنها أن تنعكس بشكل سلبي على المجتمع.

بقلم/ عبد الهادي محيسن

                                      رئيس جمعية المؤسسات التجارية والصناعية في سوق المصيطبة ومتفرعاته