2019-04-11 13:19:24

السودان بعد أربعة أشهر على انتفاضته: المرحلة الانتقالية معبر ضروري للتغيير / بقلم المحامي حسن بيان

السودان بعد أربعة أشهر على انتفاضته: المرحلة الانتقالية معبر ضروري للتغيير / بقلم المحامي حسن بيان

السودان بعد أربعة أشهر على انتفاضته: المرحلة الانتقالية معبر ضروري للتغيير / بقلم المحامي حسن بيان

السودان بعد أربعة أشهر على انتفاضته المرحلة الانتقالية معبر ضروري للتغيير

بقلم المحامي حسن بيان

مجلة الشراع 12 نيسان 2019 العدد 1896

 

بعد أربعة أشهر على انطلاق الحراك الشعبي في السودان، ما زال على زخمه وضغطه المتصاعد على البنية السلطوية التي ترفض الاستجابة للمطالب الشعبية التي تتمحور حول القضايا المعيشية والاقتصادية، كما قضايا الحريات العامة.

إن السلطة التي تكابر وتحاول المراهنة على تعب الشعب وعلى احتواء بعض قوى الاعتراض، فشلت حتى الآن في الوصول إلى مبتغاها. فالجماهير لم تتعب بل ارتفعت لديها الحالة التعبوية التي يعبر عنها بالمسيرات المليونية، كما إن إقدام السلطة على توجيه رسائل لمن يشارك في الحراك لاحتواء موقفه عبر سياسة الترغيب التي تمنحه بعض الامتيازات والمغانم السلطوية لم تفلح أيضاً. بل بقي الشارع منشداً  إلى عناوين الخطاب السياسي الذي ظلل الحراك منذ انطلاقته، و انضمام بعض القوى إلى فعالياته بعد فترة من انطلاقه لقطف الثمار بأقل الجهد عبر ركوب الموجة بقي من دون تأثير قوي على القوى المحركة والتي تشكل القوى الوطنية المؤتلفة في إطار قوى الإجماع الوطني وتجمع المهنيين عصبها الأساسي.

بعد أربعة أشهر على الحراك الذي ارتفعت وتيرة تزخيمه، يحاول النظام مرة جديدة احتواء الوضع المأزوم بالدعوة إلى الحوار علماً أنه لم يقارب هذا الموقف سابقاً، بل عمد إلى تغييرات في المفاصل السلطوية من أجل تشديد القبضة الأمنية، عبر سلة من الإجراءات والقرارات كحل حكومات الولايات وتعيين ضباط على رأسها وإعلان حالة الطوارئ.

ولما لم تسفر تلك الإجراءات التي رافقتها حملة اعتقالات واسعة شملت القيادات السياسية الوطنية عن تهدئة الشارع دعا النظام إلى حوار مع قوى يسميها بنفسه ظناً منه، أنه بذلك سيشق الحركة السياسية والشعبية والنقابية التي تدير الحراك وتضبط خطابه السياسي، ولتقدير منه أيضاً أن ذلك إذا ما أسفر عن نتائج سيكون بمثابة تعويم له وبمعنى آخر إعادة إنتاج نفسه  وبما يمكنه من الاستمرار في الحكم على قاعدة سياسته الداخلية والخارجية التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس المالي من جراء التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وهيكلة الاقتصاد الوطني وفق املاءات وتوجيهات البنك الدولي للاستثمار وصندوق النقد الدولي اللذين يضغطان لتحرير السوق الاقتصادية وإخضاعه لقاعدة العرض والطلب وبما يعني رفع الدعم عن سلة الخدمات والضمانات التي توفرها النظم الاقتصادية الوطنية لشرائح شعبية واسعة.

أمام هذا الوضع المأزوم لا بد من خارطة طريق لأجل إنتاج حل سياسي تصان من خلاله المقومات الأساسية للدولة بتوكيد وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، ويحاكي الحاجات الأساسية للمواطن في تحقيق أمنه الحياتي كما أمنه السياسي.أما الأمن الحياتي فهو يتناول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وسلة الخدمات الإنسانية ذات الصلة، وأما الأمن السياسي فيتطلب صياغة مشروع سياسي ينطلق من ثوابت التعددية وديموقراطية الحياة السياسية وتداول السلطة وإنهاء تسلط المنظومة الأمنية على حكم البلاد والعباد التي تحولت إلى مقاول سياسي واقتصادي حول بعض من يتبوأ مواقع أمنية إلى طبقة سياسية تعمل في خدمة رجال أعمال منظورين وغير منظورين عملوا على رهن مقدرات البلاد إلى كارتلات اقتصادية وتجارية خارجية حولت السودان من دولة غنية بمواردها الطبيعية الزراعية والصناعية الغذائية والمائية إلى دولة فقيرة في مستوى الدخل الوطني ودخل الفرد.

اما التحدي الأكبر الذي يواجه رسم معالم خارطة الطريق للتحول السياسي  فيكمن  أولاً، في النظام الذي تأبى طبيعته وتركيبته الانفتاح على المشروع السياسي الوطني، وبالتالي لا إمكانية لذلك بسبب تركيبته الحالية ورموزه كما يكمن ثانياً، في عدم جهوزية المعارضة الوطنية بتكوينها وإمكاناتها لاستلام السلطة ومواجهة صعوبات جمة بعضها مرتبط بمعطى الوضع الداخلي وبعض آخر مرتبط بمعطى وضع الإقليم والذي ينطوي على تعقيدات كثيرة.

من هنا، فإنه أمام مأزق النظام وعدم قدرة المعارضة على استلام السلطة لإنجاز عملية التغيير الوطني الديموقراطي، يبقى المطلوب المرور بمرحلة انتقالية تتوفر فيها الشروط اللازمة للتغيير السياسي وتقوم على أساس إنهاء دور التغول السلطوي الأمني في الحياة السياسية والاجتماعية، ووضع روزنامة زمنية لإعادة بناء سلطة جديدة على قاعدة المخرجات السياسية التي يتم التوافق عليها مع قوى الحراك والتي أثبتت أنها تملك من الحس الوطني والمصداقية الشعبية ما يمنحها مشروعية دور فعال في إعادة إنتاج نظام سياسي جديد.

أما من هي الجهة التي يمكن أن تؤدي هذا الدور الوسيط، الذي يفتح كوة في جدار الانسداد السياسي؟ في ظل الواقع الراهن لا يبدو مهيّاً لذلك سوى الاتجاه الإيجابي لدى الجيش والذي يبدي انفتاحاً على المطالب الشعبية سواء ما تناول منها الجانب المطلبي أو ما تناول منها السياسي. وهذا الاتجاه الإيجابي بالانفتاح على المشروع الوطني بقواه ومضامينه، مؤشراته بادية في تعاطي الجيش مع الحراك الشعبي.

إن مبادرة هذا الاتجاه الإيجابي لدى المؤسسة العسكرية السودانية  لأداء دور في انتاج حل سياسي يجب أن يكون محكوماً بشرطين: الأول، هو أن المرحلة الانتقالية هي فقط  لتحضير أرضية إعادة إنتاج الدول المدنية بنية وممارسة، والشرط الثاني هو العودة إلى الشعب لإعادة هيكلة المؤسسات الدستورية عبر انتخابات حرة ونزيهة وضمن الآليات الدستورية وهذا ما يتطلب بأن يكون الحراك الشعبي بقواه الوطنية والمهنية والنقابية جزءاً من إدارة المرحلة الانتقالية التي تمهد لولادة نظام سياسي جديد. نظام تتوفر فيه شروط المواطنة، وشروط ممارسة السيادة الوطنية على المقدرات، وشروط حماية الخيارات الوطنية في نسج العلاقات مع الخارج. إن شعب السودان الذي ضحى ويضحي يستحق نظاماً وطنياً ديموقراطياً، وهذه ليست منة تمنح له بل هو استحقاق جدير به لأنه بانتفاضته السلمية، لم يبرز حيوية هذا الشعب وجذرية وطنيته وحسب بل أعاد الاعتبار للحراك الشعبي العربي مستفيداً من الدروس ومقدماً الدرس الذي يجب أن يحتذى به لأجل إنتاج النظم السياسية التي تدير دولة مدنية على قاعدة المساواة في المواطنة، وعلى أساس تداول السلطة وهو الذي يضع حداً لكل أشكال التمديد والتأييد والتوريث السلطوي وحكم المنظومات الأمنية.