2018-06-29 15:16:52

تبرئة نبي الله يوسف عليه السلام بقلم: الشيخ أسامة السيد

تبرئة نبي الله يوسف عليه السلام بقلم: الشيخ أسامة السيد

تبرئة نبي الله يوسف عليه السلام بقلم: الشيخ أسامة السيد

تبرئة نبي الله يوسف عليه السلام

بقلم: الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((لقد كان في يوسف وإخوته ءاياتٌ للسائلين)) سورة يوسف.

 هو نبي الله يوسف بن نبي الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن نبي الله إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وقد أثنى الله عليه ووصفه بالعفة والنزاهة والصبر والاستقامة قال تعالى: ((كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين)) سورة يوسف. كما أثنى عليه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله)) رواه البخاري من طريق ابن عمر.

وهو من أشهر أنبياء بني إسرائيل وقد ذُكرت قصته في القرآن الكريم مفصلة وفيها بيانٌ لحياته ومحنته مع إخوته ومحنته مع امرأة العزيز ودخوله السجن ودعوته فيه لله تعالى ثم تفسيره لرؤيا الملك وخروجه من السجن واستلامه لخزائن أرض مصر ثم مجيء إخوته إلى مصر ودخولهم عليه إلى غير ذلك من إشاراتٍ دقيقةٍ وعظاتٍ بالغة يُستفاد منها من حياة هذا النبي الكريم، ولا أريد أن أدخل في تفاصيل كل ذلك ويكفي من أراد أن يقف على مجريات تلك الأحداث أن يرجع للنظر في سورة يوسف من كتاب الله العزيز، وإنما أردت من خلال هذا المقال أن أنبه على برآءة هذا النبي الطاهر مما نسب إليه حيث زعم بعضهم أنه همَّ بالزنى وأنه قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من زوجته وغير ذلك مما لا يليق به، وأبيِّن للقارئ بعض الحقائق المهمة في هذا الموضوع فنقول وبالله التوفيق:

 

 

عباد الله المخْلَصِين

مما يجب اعتقاده أن الله تعالى قد حفظ نبيه يوسف عليه السلام ونزّهه عن الفاحشة وصانه وحماه عنها  كما حفظ وصان سائر الأنبياء، وقد أجمع علماء الأمة أنه تجب للأنبياء العصمة وهي الحفظ التامُّ بلا انخرام فيستحيل عليهم الرذائل والسفاهة وكل ما يُنفِّر عن قبول الدعوة منهم فإن الله تعالى قد أرسلهم لدعوة الناس ليُقبل عليهم الناس فيستفيدوا منهم بإرشادهم إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة والله حكيم لا يجعل النبوة في السفهاء، فيجب بالتالي تبرئة نبي الله يوسف عليه السلام من الفاحشة ومن الهمِّ بها وحيث إن الزنى لا يليق بأدنى مؤمن ويستحق العقوبة عليه فكيف يسوغ لإنسانٍ أن ينسب مثل ذلك إلى نبي طاهر قال فيه ربه: ((إنه من عبادنا المخلصين)) سورة يوسف. ومعلومٌ أن إبليس لا سلطان له على عباد الله المخلصين فقد جاء في القرآن الكريم إخبارًا عن إبليس اللعين: ((قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)) سورة ص. وفي كتاب الله إخبارًا عن إبليس أيضًا: ((قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراطٌ عليَّ مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتبعك من الغاوين)) سورة الحجر.

وحيث إن يوسف عليه السلام من عباد الله المخلصين بلا ريب وليس لإبليس سبيلٌ على المخلصين دلَّ هذا على براءته وهذا من أقوى الأدلة على نزاهته، فلا يُخالجن قلبك الشك في ذلك فليس حال أنبياء الله كأحوال عوامِّ الناس، وقد قال تعالى بعد ذكر عدد منهم في كتابه: ((وكُلاّ فضَّلنا على العالمين)) سورة الأنعام، ولا تليق الرذائل بمن فضَّلهم الله هذا التفضيل فليُعلم ذلك.

 

 

 

وشهد شاهدٌ من أهلها

وخلاصة الكلام أن يوسف عليه السلام أقام في بيت عزيز مصر ووزيرها مُكرَّمًا، وكان فائق الحسن والجمال فلما شبَّ أحبته امرأة العزيز حبًا جمًا وشغفها حبه لما رأت من محاسنه وبهائه، وكانت امرأةً في غاية الجمال والمنصب والشباب فأرادت يومًا أن تحمله على جماعها عنوةً فعملت حيلةً لتختلي به وغلَّقت الأبواب وتهيأت ولبست أفخر ثيابها ودعته إلى نفسها صراحةً من غير حياء وطلبت منه ما لا يليق بمقامه عليه السلام وحرصت على ذلك أشد الحرص، ولكن هيهات هيهات وهو النبي العفيف الطاهر المعصوم عن مثل تلك السفاهات والفواحش، فأبى وامتنع أشد الامتناع واستعاذ بالله من فعل تلك الخطيئة، قال تعالى: ((وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلَّقت الأبواب وقالت هَيْتَ لك قال معاذ الله)) سورة يوسف. وأمام هذا الإباء أصرت هي على اقتراف الفاحشة فأمسكت به تريد إجباره على ذلك فأفلت من يدها وأمسكت ثوبه من خلف فتمزق قميصه ولحقته فركض إلى الباب وكان قد وصل زوجها في تلك اللحظات فكذبت ونسبت إلى يوسف عليه السلام محاولة إغوائها وبرّأت نفسها، قال تعالى: ((واستبقا الباب وقدَّت قميصه من دبرٍ وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذابٌ أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهدٌ من أهلها إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدَّ من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين)) سورة يوسف. وقد اختُلف في الشاهد هذا من هو على أقوالٍ وفي تفسير الطبري ما نصه: ((والصواب من القول في ذلك قول من قال: كان صبيًا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر من تكلم في المهد فذكر أن أحدهم صاحب يوسف)).

قال تعالى: ((فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبُرٍ قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم)) سورة يوسف، أي لما رأى زوجها ذلك قال ما قال وعرف أنه من كيدهن ثم قال زوجها بعد ذلك كما جاء في سورة يوسف: ((يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنتِ من الخاطئين)) وهذا دليلٌ آخر على براءته عليه السلام، وأمام قيام الدليل الساطع على نزاهته لم يسع امرأة العزيز إلا أن تُقرَّ بعفته، قال تعالى: ((قالت امرأة العزيز الأن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)) سورة يوسف. ويكفي في براءة هذا النبي الكريم أن قد برَّأ نفسه هو كما شهد به كتاب الله بقوله ((هي راودتني عن نفسي)) ولا شك في صدقه وعصمته كسائر الأنبياء من الكذب والبهتان.

 

تنبيهٌ مهم

وإذا ما قال قائلٌ بعد هذا البيان: إذًا ما معنى قول الله تعالى: ((ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المُخلصين)) الآية سورة يوسف، فالجواب ما يلي: إن أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية أن جواب لولا محذوف يدل عليه ما قبله أي لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها وهو على التقديم والتأخير، معناه: ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها فلم يحصل منه همٌ للزنى لأن الله أراه برهانه، والبرهان العصمة أي الحفظ التام بلا انخرام. وقد ذكر هذا المعنى القرطبي في ((جامعه)) وغيره.

وقال بعض المفسرين: إن معنى ((وهمَّ به)) أي همَّ بدفعها، ومعنى ((لولا أن رأى برهان ربه)) أن الله أعلمه البرهان أنك يا يوسف لو دفعتها لقالت لزوجها: دفعني ليجبرني على الفاحشة فلم يدفعها بل أدار لها ظهره ذاهبًا فشقت قميصه من الخلف فكان الدليل عليها. وهذا المعنى ذكره ابن الجوزي الحنبلي في ((زاد المسير)) وغيره.

وقال الفخر الرازي في ((التفسير الكبير)) في قوله تعالى ((كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)): ((ذلك يدل على أن ماهية السوء مصروفة عنه)) وفيه أيضًا ((إن يوسف عليه السلام كان بريئًا عن العمل الباطل والهمِّ المحرَّم وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذُبّ)).

ومما يصح الاستدلال به أيضًا على تبرئة يوسف عليه السلام من الهمِّ بالزنى جواز الوقف في تلاوة الآية فيقرأ القارىء مثلاً ((ولقد همّـت به)) ثم يقف قليلاً ثم يُكمل ((وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه)) وفيه إشعارٌ بالفرق بين الهمين كما قال النسفي في ((تفسيره)) أي أن فائدة الوقف بيان أن الهمَّ منها ليس من جنس الهمِّ الذي كان منه، فقد همت بشيء وهمَّ عليه السلام بشيء آخر.

وبذلك تظهر لك براءة يوسف الصدِّيق عليه السلام كظهور الشمس في وَضَح النهار. وإذا ما عُلم هذا فالحذر الحذر من اعتقاد أن يوسف عليه السلام همَّ بالزنى وحلَّ سرواله وقعد منها مقعد الرجل من زوجته ولا تغترَّ بوجود مثل هذا في بعض الكتب فاعتقاد هذا ضلالٌ مبين وخروج عن ملة المؤمنين وقد ردَّ هذا الإفك ابن الجوزي في زاد المسير وغيره الكثير فكن على حذر.

 والحمد لله أولاً وآخراً.