2019-04-04 14:41:56

احذروا هذه الصفات البغيضة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

احذروا هذه الصفات البغيضة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

احذروا هذه الصفات البغيضة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

احذروا هذه الصفات البغيضة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 5 نيسان 2019 العدد 1895

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((وإنَّ ربك لذو فضلٍ على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون)) سورة النمل.

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يبغض كل جعظريٍ جواظٍ سخَّابٍ بالأسواق جيفةٍ بالليل حمارٍ بالنهار عالمٍ بأمر الدنيا جاهلٍ بأمر الآخرة)) رواه ابن حبَّان.

مما لا يختلف فيه مؤمنان أن الله جعل الآخرة منتهى الأمر ولم يجعل الدنيا منتهى الأمر وإنما الدنيا مزرعة الآخرة، ولذلك فإن الرجل الحكيم هو من حمل نفسه على الاستقامة، وفي الحديث المذكور تحذيرٌ من بعض الصفات القبيحة التي يبغضها الله ونحن نبيّن خطرها ليحذرها الناس فقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من صفات يبغضها الله ليجتنبها مريد السلامة.

فمن ذلك أن يكون المرء جعظريًا وهو الرجل المتكبر، قال ابن منظور في ((لسان العرب)): ((وقال ثعلب: الجعظري المتكبر الجافي عن الموعظة)). ولا يخفى أن التكبر داءٌ وشرٌ مستطير يحمل صاحبه على الوزر والفساد، وقد جاء تعريف الكبر في قول نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((الكِبرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمطُ الناس)) رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود. ومعنى ((بطر الحق)) رده على قائله و((غمط الناس)) استحقارهم. فالحذر الحذر من هذه الخصلة القبيحة قال تعالى: ((ولا تمشِ في الأرض مَرَحًا إنك لن تخرِقَ الأرض ولن تبلُغ الجبال طولا)) سورة الإسراء. قال الطبري في ((تفسيره)): ((لا تمش في الأرض فخرًا وكبرًا فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال ولا تخرق الأرض بكبرك وفخرك)).

المال وحب الدنيا

ومما يُحذر منه أن يكون المرء جوَّاظًا، قال ابن منظور في ((لسان العرب)):  ((والجوَّاظ الجَمُوعُ المنُوع الذي جمع ومَنع)). أي هو الذي يحرص على جمع المال بنيةٍ فاسدةٍ وذلك أن يكون جمعه للمال مثلاً لحبه المال من حيث ذاته فلا يبالي أجمع من حلالٍ أم من حرام، ثم يصرفُ كل همَّته ليتوصل به إلى إشباع شهواته المحرَّمة وتراه مع ذلك يمنع ما تعلَّق بذمته من حقوقٍ في هذا المال فلا يُخرج الزكاة للمستحقين ولا يُعطي الأُجَراءَ حقوقهم وهذا حال المفتون بالدنيا الذي يأكل ولا يشبع، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((إن لكل أمةٍ فتنة وفتنة أمتي المال)) رواه الترمذي عن كعب بن عياض.

ويُناسب هنا أن نُنبه على أمرٍ فنقول: لم يذم رسول الله صلى الله عليه وسلم المال ذمًّا مطلقًا ولا مدحه مدحًا مُطلقًا فالمال منه ما يُذم ومنه ما يُمدح، فما جمعه المؤمن من حلالٍ بنية أن ينفع به نفسه أو غيره أو ينفقه على والديه أو على زوجته وأولاده أو غير ذلك من النوايا الحسنة كان عملاً طيبًا، وما جمعه على خلاف الشريعة أو صرفه فيما حرَّم الله كان عملاً فاسدًا. فعن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلوةٌ فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع)) رواه البخاري ومسلم.

وقال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ((إن هذا المال خَضِرةٌ حلوةٌ شبّهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحُلوة المستلذة، فإن الأخضر مرغوبٌ فيه على انفراده والحلو كذلك على انفراده فاجتماعهما أشد، وفيه إشارةٌ إلى عدم بقائه لأن الخضروات لا تبقى ولا تُراد للبقاء)).

وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ((وضرب لهم المثل بما يعهدون فالآكل إنما يأكل ليشبع فإذا أكل ولم يشبع كان عناءً في حقه بغير فائدة، وكذلك المال فليست الفائدة في عينه وإنما هي لما يتحصَّل به من المنافع فإذا كثُر عند المرء بغير تحصيل منفعةٍ كان وجوده كالعدم)).

ومما يُحذر منه أن يكون المرء سخَّابًا بالأسواق أي أنه من شدة حرصه على المال يكثر الكلام في سبيل جمع المال ولو بطريق الصياح والحلف الكاذب ليتوصل بذلك إلى بيع سلعته بالثمن الذي يريده، قال ابن منظور في ((اللسان)): ((والسَّخب والصَّخب بمعنى الصياح)) وذلك كما هو حال كثير من الباعة الذين يرتادون الأسواق وترى الواحد منهم يحلف بالله كذبًا أن رأس مال السلعة كذا، ويصيح ويُخاصم في ذلك ليغُرّ المشتري فيُهلك نفسه بمعصية الله ليحوز بضعة دراهم أو دنانير وهكذا يفعل الطمع بأصحابه، وهكذا تجرُّ الدنيا طلابها بحبالها إلى المهالك وقد روى البيهقي في ((الزهد الكبير)) عن بشر بن الحارث أن نبي الله عيسى عليه السلام قال: ((رأس كل خطيئةٍ حبُّ الدنيا)).

  اغتنم ليلك

فمن وجدت فيه خصلةٌ من هذه الخصال المذكورة فليعلم أن فيه خصلةً يُبغضها الله فإن اجتمعت فيه الخصال الثلاث كان شرُّه أكبر، فإن جمع في نفسه كل الخصال المذكورة في الحديث بأن كان جيفةً بالليل حمارًا بالنهار عارفًا بأمر الدنيا جاهلاً بأمر الآخرة فقد أغرق نفسه في لجج الردى، ومعنى ذلك أنه يستغرق ليله كله بالنوم ولا يهتم أن يكسب في ليله الصلوات بل يستغرق كل ليله في النوم لينشط في النهار بأمر الدنيا كالحمار، همه التفنن بالأكل والشرب والإكثار من الملذات ويشغله ذلك عن القيام بما افترضه الله عليه قال الشاعر كُشاجم:

 

وليلك نصف عُمرك فاغتنمه                        ولا تذهب بنصف العمر نوما

وهو مع كل هذا عارفٌ بأمر الدنيا وطُرق تحصيل المستلذات المحرمة جاهلٌ بأمر الآخرة لأنه لم يتعلم ما افترض الله عليه وتلك هي المصيبة الكبرى، فإن المؤمن إن ابتلي في دنياه بالفقر وغيره فصبر كان مأجورًا، أما من ابتلي في دينه بمثل هذه الصفات فقد خسر خُسرانًا مبيناً، وقد روي عن الإمام الجليل عبد الله بن المبارك أنه قال:

العلم زينٌ للرجال مروءةٌ                     والعلم أنفع من كنوز الجوهر

أَأُخي إن من الرجال بهيمةً                  في صورة الرجل السميع المبصر

فطنٌ لكل مصيبةٍ في ماله                   وإذا يُصاب بدينه لم يشعر

 

والحمد لله أولاً وآخراً.