هل وصل المستر((ستينغر)) الى سورية..؟!/ بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟!
هل وصل المستر((ستينغر)) الى سورية..؟!/ بقلم: محمد خليفة
قبل نحو أربعين سنة أرسلت إمبراطورية الاشتراكية الامبريالية جيوشها الجرارة لغزو أفغانستان, إحدى أفقر دول العالم الثالث وأقلها نمواً، وأكثرها عزلة واستقراراً ومسالمة, وحاولت كعادة كل الغزاة إقامة نظام عميل وموالٍ لها في كابول على أنقاض الحكم الملكي الشرعي القائم في البلاد. وتبين أن الغزو ليس وثبة عابرة على جارة ضعيفة, ولكنه جزء من خطة أوسع للتقدم نحو منابع النفط في الخليج, اعتماداً على دول تدور في الفلك السوفياتي, كجمهورية اليمن التقدمية في عدن وأثيوبيا, وجزء من محاولة سوفياتية لمواجهة الخطر الاسلامي المنبعث من ايران الخمينية درءاً لمؤثراتها على الأقوام المسلمة في داخلها.

إسقاط طائرة سوخوي الروسية في ريف إدلب

رفض الشعب الافغاني الاستسلام, وثار على الغزاة التقدميين وعملائهم الداخليين, وتحول شعب صغير فقير ضعيف جيشاً من المجاهدين الكواسر البواسل دفاعاً عن استقلال بلاده, فخاض حرب عصابات بطولية أثارت احترام العالم, ودفعت آلاف المسلمين للإنخراط في الجهاد الافغاني, في أول تجربة من نوعها, ودفعت الولايات المتحدة انطلاقاً من قوانين الصراع المفتوح بين الغرب والشرق, أو بين العالم الحر والعالم الشيوعي لمساعدته وتسليحه .
ومن بين كافة الاسلحة التي قدمها الأميركيون للمجاهدين , كان صاروخ ((ستينغر)) هو الأمضى تأثيراً في مجرى الصراع, والأكثر فتكاً بالسوفيات. صاروخ صغير طوله 1,52 م, ووزنه أقل من 16 كيلو غراماً, يمكن حمله على الكتف بسهولة, ومداه خمسة كيلومترات فقط, ولكن سرعته تفوق سرعة الصوت, ويعمل بالأشعة تحت الحمراء, ويفقد طائرات ((الميغ)) و((السوخوي)) القدرة على الإفلات من لدغاته القاتلة. ولذلك أدى دخوله ساحة الحرب الى تغيير مجراها جذرياً, إذ حيد أهم أسلحة الغزاة وشلّ ذراعهم الطويلة الضاربة, وكشف رؤوس جنودهم وأسلحتهم المدرعة لهجمات المجاهدين, وختم تجربة الغزو السوفياتي بخاتمة مهينة للإمبراطورية العظمى على أيدي مقاتلين أميين وحفاة عراة. وبذلك تبوأ ((ستينغر)) مكانته المرموقة في تاريخ العالم العسكري كبطل للحرب الأفغانية بلا منازع, ومحطم للإمبراطورية السوفياتية التي سقطت من داخلها بعد سنة واحدة من هزيمتها المذلة في أفغانستان عام 1991.

إسقاط طائرة سوخوي الروسية في ريف إدلب

هل يكرر التاريخ نفسه, وتتكرر تجربة الروس المرة في أفغانستان في سورية..؟؟
السؤال يخيم الآن على رؤوس جميع أطراف الصراع الدولي على أرض سورية, كما يخيم على رؤوس المحللين والمراقبين عبر العالم. فالإنجازات العسكرية التي حققها الروس في سورية طوال سنتين ونصف من الحرب المدمرة التي أرادوها منصة انطلاق لاستعادة مكانتهم على قمة العالم بعد هزيمة افغانستان, باتت الآن مهددة بصاروخ صغير يشبه المستر ((ستينغر)) فيقلبها كارثة حقيقية على رؤوس الروس وحلفائهم الأسديين والايرانيين.
في نهاية العام المنصرم لاح في أفق سورية شبح صواريخ من هذا النوع على حين غرة. أطلق مرة باتجاه طائرة للنظام فسقطت فوراً, ومرة أخرى باتجاه طائرة روسية فسقطت أيضاً, وكأن الذين أطلقوهما يجربون نجاعتها, وبعد أيام قليلة أطلق مجهولون ثلاثة صواريخ على حميميم فتمكنت الدفاعات الجوية الروسية من صدها وإسقاطها, ولكن الرسالة وصلت للروس!
لقد وصل الى الثوار السوريين السلاح الذي ظلوا يسعون لامتلاكه منذ عام 2012, والذي حظره الرئيس أوباما عليهم وحرّمه تحريماً مطلقاً لكي لا يقلب المعادلة, وتذرع بالخوف من وصوله الى أيدي الجماعات المتطرفة فتستعمله ضد طائرات مدنية أميركية وغربية.

صاروخ ستينغر

يوم السبت الماضي أعلن الصاروخ القاتل عن وجوده بأوضح صورة إذ كان بالمرصاد للسوخوي الروسية 25 وهي التي تبجح بها صانعوها ووصفوها بالدبابة الطائرة. سقطت فوق ريف ادلب قرب سراقب ومعرة النعمان ومعصران التي أحرقوها بغاراتهم الجوية غير المبررة سوى في رغبتهم بإيقاع أكبر عدد من القتلى المدنيين. وسقط طيارها جثة هامدة, وزعم الروس أنه هبط سالماً لكن الثوار (المتوحشين) لم يحسنوا استقباله, فقتلوه بدل أن يقدموا له الورد الأحمر ويفرشوا له السجاد!
نعم وصل الصاروخ الى أيدي الثوار, ودخل الخدمة فوراً دفاعاً عما بقي من أطفال خان شيخون والمعرة وسراقب وكفرنبل, وما بقي من مقومات للحياة والصمود في هذا البلد المدمر. والجميع يتساءلون الآن عن مصدر الصاروخ الذي سيقلب المعادلة على الارض ويحرم الروس من قطف ثمار عدوانهم الإجرامي الذي تخصص بالمدنيين والمستشفيات أكثر من أي هدف إرهابي لـ((داعش)) أو ((النصرة)) أو ((القاعدة)).
وإذا سأل سائل عن مغزى هذا التحول في تفكير العالم فهو أنه بات مقتنعاً أن الايديولوجية البوتينية أخطر على السلام العالمي وأكثر عدوانية وتطرفاً من الشيوعية السوفياتية, وأن غزو سورية ليس سوى جزء من خطة كونية أشمل, بدأت في اوكرانيا وجورجيا, ثم امتدت الى الشرق الاوسط والخليج, وقد تمتد الى البلطيق والبلقان.. وربما أبعد. ولذلك صار لروسيا أعداء كثر لهم مصلحة مشتركة في كبح جماح بوتين.
ولا شك أن العالم بدأ يتنبه أخيراً إلى أن ثوار سورية ليسوا متطرفين ولا ارهابيين, ولكنهم طلاب حرية وديموقراطية, وكان يجب دعمهم والانتصار لهم منذ عام 2011, لا لأنهم يستحقون الحرية فقط, ولكن دفاعاً عن السلام العالمي كله في وجه نظام همجي توتاليتاري دموي يمثل أحد أركان تحالف الشر في العالم الذي يمتد من روسيا والصين الى كوريا فإيران, وهو تحالف ارهابي يؤمن بالعنف والتوسع للسيطرة, وتقويض الديموقراطية في العالم كله.
ولا شك أن كثيرين في العالم الديموقراطي اكتشفوا أهمية مواجهة الارهاب الروسي في سورية لكي لا يصل اليهم, واكتشفوا أن عشرين صاروخاً فقط من سلالة المستر ((ستينغر)) يمكنها تغيير معالم الصورة في سورية, وقطع الطريق على الارهابيين الحقيقيين في العالم, المهندسين الذين صنعوا ((داعش)) وحموا ((القاعدة)), ويستعدون لإطلاق منتج جديد من النوع نفسه!

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *