محاسن صلة الأرحام/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

محاسن صلة الأرحام/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجَها وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} سورة النساء.
لقد حثنا الشرع الشريف على خصال عظيمة ومكارم كريمة عالية وجعلها سببًا لنيل الثواب العظيم في الآخرة، ففي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة أنه قال: ((يا رسول الله أخبرني بشيء إذا عملت به دخلتُ الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: أطعم الطعام وأفش السلام وصِلِ الأرحام وقُم بالليل والناس نيام تَدْخُلِ الجنة بسلام)).
ففي هذا الحديث حضٌ على جُملةٍ من خصال الخير التي تُقرِّبُ العبدَ المؤمنَ من ربه عزّ وجل فيُؤجر بها فضلاً من الله ومِنَّةً على عباده المؤمنين، ومن ذلك صلة الأرحام كما هو واضح في الرواية وفي الآية أعلاه.
فقوله تعالى: {واتقوا الله الذي تسآءلون به} كرر الأمر الوارد بالتقوى أول الآية تأكيدًا، أي وأطيعوا الله الذي تتساءلون به فيسأل بعضكم بعضًا به على سبيل الاستعطاف كقول الشخص لغيره: بالله افعل لي كذا، أو أسألك بالله أن تُعينني بكذا. وقوله {والأرحام} أي واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها، وهذا تحذيرٌ شديدٌ حيث إن قطع الرحم من كبائر الذنوب بإجماع المؤمنين كما يدُلُّ على ذلك قوله تعالى في سورة محمد: {فهل عسيتُم إن توليتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطِّعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم}.
والأرحام هم أقارب الشخص سواء كانوا من جهة الأب أم من جهة الأم كالأعمام والأخوال وأولادهم والخالات والعمَّات وأولادهن. وتحصل القطيعة بإيحاش قلوبهم وتنفيرها إما بترك الإحسان إليهم في حال الحاجة النازلة بهم أو ترك الزيارة بلا عذر، فلو نزل بمن هو من أرحام الشخص نازلةٌ فلم يجد ما يأكل أو يلبس أو يسكن مثلاً فتركه مع ما هو فيه من هذه الحال ولم يُحسن إليه مع قدرته على مساعدته فقد عصى الله.
ومن قطيعة الأرحام أيضًا ترك زيارتهم إلى حدٍّ يحصل بسببه إيحاشٌ ونفور، والضابط في هذه المسألة العُرف فإن كان لو وصلهم بالزيارة في الأفراح والأعياد وفي الأحزان ونزول المصائب كالوفاة وغير ذلك لا يحصل نفورٌ فيكفي، وإن اقتضى الأمر أن يزورهم أكثر من ذلك فعل، وإن كان الرحم غائبًا كأن كان يعيش في بلادٍ بعيدةٍ فلا يتمكن من زيارته مثلاً فإنه يصله برسالةٍ أو يتصل به بواسطة التلفون مثلاً.
وقوله {إن الله كان عليكم رقيبًا} أي حفيظًا مُحصيًا عليكم أعمالكم عالما برعايتكم حرمة أرحامكم وصلتكم إيَّاها أو قطعكم لها وتضييعكم حرمتها.

فضيلة الشيخ اسامة السيد

أعذارٌ تبيح الهجر
إن ترْك صلة الرحم لغير عذر ذنب عظيم والعذر في ترْك الزيارة أن يكون ذلك الرحم مثلاً لا يُحب دُخول هذا القريب إلى بيته كأن قال له: ((لا تأتِ إليَّ ولا تدخل بيتي)) فلا تجب زيارته عندئذٍ، أو كان قريبه فاسقًا يشرب الخمر أو يترك الصلاة أو يزني أو يشهد زورًا فهجره لزجره بعدما أَعلمه لأنه لا بد من إعلامه حتى تتحقق المصلحة، أي حتى يعرف أن قريبه قد هجره لكذا فيرتدع عن معصيته كأن يقول له: ((لا أزورك حتى تتوب إلى الله من كذا)) فيجوز ذلك، أما حيث لا يوجد عذر لترك صلته فحرام قطعه. ولا ينبغي قطع الرحم لمجرد أن قريبه لم يزره في المناسبة الفلانية أو لأنه قليل الزيارة له. وحال كثير من الناس اليوم أن أحدهم يصل قريبه من باب المكافأة فقط أي يرد الزيارة بزيارة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الواصل بالمكافىء ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وَصَلَها)). ففي الحديث إيذانٌ بأن صلة الرحم التي لا تصلك أفضلُ من صلتك الرحم التي تصلك لأن ذلك من حسن الخلق الذي حضّ عليه الشرع وفيه مجاهدةٌ للنفس وحملٌ لها على الخير.

صلة الرحم بركةٌ في العمر
ومن أراد زيادة البركة في عُمره والخير في عمله فليحرص على صلة الرحم فقد روى البيهقي عن سيدنا عليٍ عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سرَّه أن يَمُدَّ الله في عُمره ويُوسِّع له رزقه ويَدفَع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه)) ومعنى الحديث أن عمره يطول من حيث المعنى، أي يُبارك الله له فيه وذلك بتوفيقه للعمل الصالح فيُبالغ في فعل الخير فكأنه قد زِيد في عمره ففعل كل هذه الطاعات، وليس المعنى أن تقدير الله يتغيَّر، فمن شاء الله له أن يموت في سنِّ كذا مات في الوقت الذي أراده الله كما قال تعالى: {ولكل أمةٍ أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} سورة الأعراف.
وأما حديث الطبراني في المعجم الأوسط والقُضاعي في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلة الرحم تزيد في العمر)) فمعناه أنه كان في علم الله تعالى أنه لولا هذه الصلة كان عمره كذا ولكن الله علم بعلمه الأزلي أنه يصل رحمه فيكون عمره أزيد من ذلك بمشيئة الله فيكون المعلوم المحكوم أنه يصلُ رحمه فيعيش إلى هذه المدة فلا يُنافي ذلك اعتقاد أن مشيئة الله لا تتغير، قال تعالى: {ما يُبدّل القول لدي} سورة ق، أي ما شاء الله حصوله لا يتغير، وفي ((جامع الطبري)) عن مجاهد في تفسيرها: ((قد قضيتُ ما أنا قاض))، أي أن الله شاء بمشيئته الأزلية ما شاء حصوله فلا تتبدل ولا تتغير مشيئته.
وإذا ما عُلم هذا فما بالُ أناسٍ يُقصرون في صلة أرحامهم ولربما مر الشهر والشهران أو السنة والسنتان ولا يصلهم بشيء، بل ترى بعض الأرحام لا يعرفون بعضهم فربما لا يعرف الواحدُ ابنَ عمه أو ابنَ خاله بسبب الإهمالِ والبعد عن معرفة أحكام الدين، ولا شك أن هذا من أسباب تفكك وتشرذم الأُسر فيصير الأقاربُ كالغرباء والإخوانُ كالأعداء فيقل التعاون على البر والتقوى وتتقطع أواصر المحبة بين الناس وهذا ما يُوسوس به الشيطان وما يشتهيه أعداءُ أمة سيد السادات محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن اتبع تعاليم الشرع الشريف أدرك خُطورة ذلك فالتزم التوجيهات الواردة عن أشرف الخلق فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)) رواه البخاري. وعن جُبير بن مُطعم أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يدخل الجنةَ قاطعُ رحم)) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)). والمعنى أن قاطع الرحم لا يدخل الجنة مع الأولين إنما يدخلها مع الآخرين فهو مستحقٌ للعذاب الشديد بل إن قطيعة الرحم من أسباب تعجيل العذاب في الدنيا قبل الآخرة فقد روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجَّلَ لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)) والبغي هو الاعتداء على الناس.

تأكيد الإعتناء بصلة الرحم
فمن علم هذا فليتق الله في رحمه وليصل ما أمر الله بصلته فقد قال ربنا تعالى في سورة الرعد: {والذين ينقُضُون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويُفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}. وروى مسلم عن السيدة عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرَّحم مُعلَّقةٌ بالعرش تقول: من وصلني وصله اللهُ ومن قطعني قطعه الله)) فإن قيل: ما معنى ((وصله الله)) وما معنى ((قطعه الله)) فالجواب ما يلي: ((قال النووي في شرحه على صحيح مسلم)): قال القاضي عياض: ((الرحم التي تُوصَلُ وتُقطَعُ وتُبَرُّ إنما هي معنًى من المعاني ليست بجسم، وإنما هي قَرابةٌ ونَسبٌ تجمعه رحم والدةٍ ويتصل بعضه ببعضٍ فسُمي ذلك الاتصالُ رحمًا، والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام، فيكون ذكرُ قيامِها هنا وتعلقها ضربَ مثلٍ وحُسنَ استعارةٍ على عادة العرب في استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم، لهذا سُمي العقوقُ قطعًا والعَقُّ الشَّق كأنه قَطَع ذلك السبب المتصل به)).
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على العناية بالرحم تأكيدًا عظيمًا فقال: ((إنكم ستفتحون مصر وهي أرضٌ يُسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمةً ورَحِما)). قال النووي: ((قال العلماء: ((الرحم التي لهم كون هاجرُ أم إسماعيل منهم وكونُ مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم)) فتأمل هذه الرعاية البالغة.
والحمد لله أولاً وآخراً.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *