كما تحدث عنه شقيقه عادل:عبدالناصر الانسان والأب والقيادي

كما تحدث عنه شقيقه عادل:عبدالناصر الانسان والأب والقيادي

*القراءة كانت من أبرز هواياته وتأثر كثيراً برواية ((عودة الروح)) لتوفيق الحكيم
*لم يرغب في مظاهر الثراء لدى توليه الرئاسة وكان يشتري أدويته من جيبه الخاص
*كان يرفض سيارات الرئاسة والمرافقين مع أفراد عائلته
*عبدالناصر كان مسلماً ملتزماً يحرص على أداء الصلوات وأدى فريضة الحج مرتين
*علاقات شخصية ربطته بكبار الفنانين ويحب الاستماع إلى أغانيهم

نعرف جميعاً جمال عبدالناصر كزعيم وقائد وسياسي محنك شارك في رسم ملامح مرحلة من أهم مراحل المنطقة العربية في العصر الحديث. لكن ماذا عن عبد الناصر الإنسان طفلاً وتلميذاً وشاباً صغيراً ثائراً ضد الإنكليز ثم ضابطاً ورب أسرة وأباً ورئيساً.
كان عبدالناصر واحداً من قادة ثورة 23 تموز/يوليو 1952 التي أنهت النظام الملكي في مصر. وكان ملهماً للأفكار القومية العربي.
ولكن ماذا عن حياته الشخصية؟ يروي الشقيق الأصغر للزعيم الراحل، الدكتور عادل عبدالناصر، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الإسكندرية، كواليس حياة ((سيدي جمال)).
في 15 كانون الثاني/يناير 1918، أنجبت السيدة فهيمة، المرأة الصعيدية الجذور من محافظة المنيا، ابنها الأول جمال، بعد زواجها من عبدالناصر ذي الأصول الصعيدية أيضاً، من محافظة أسيوط، والذي كان يعمل موظفاً في هيئة البريد.
عاش عبدالناصر طفولته وسط أسرة من الطبقة المتوسطة، وظل أول ثلاث سنوات من عمره في عروس البحر الأبيض المتوسط، الإسكندرية، حيث وُلد، ثم انتقل من محافظة إلى أخرى بسبب ظروف عمل والده.
نشأة ((سي جمال))
جاء الحدث الأكبر بالنسبة للطفل جمال، وكان عمره 8 سنوات، حين توفيت والدته عقب ولادتها لشقيقه الثالث الليثي، عام 1926، ما تسبب في حزن عميق له وصفه خلال حوار له مع جريدة ((الصنداي تايمز)) عام 1962، بقوله: ((كانت صدمة تركت بداخلي شعوراً لا يمحوه الزمن)).
استعان والد عبدالناصر بشقيقته (دهب) لرعاية أولاده الصغار مدة خمس سنوات، ثم قرر بعدها الزواج من سيدة أخرى أنجبت منه سبعة آخرين آخرهم عادل الشقيق الأصغر لجمال.
يقول عادل عبدالناصر: ((ردد البعض أن علاقة والدتي بالرئيس الراحل لم تكن على ما يرام، ولكن هذا الأمر عار من الصحة، فهي كانت تحترمه بشدة ولم تكن تناديه سوى بلقب ((سي جمال))، وقالت قبل وفاتها إن مصر لن تُنجب مرة أخرى شخصاً مثله)).
كان جمال عبدالناصر يتمتع بشخصية قيادية منذ نعومة أظافره، حتى أن أحداً من أشقائه لم يكن يجرؤ على أن يناديه سوى بلقب ((سيدي جمال)). كان قليل الكلام والمزاح، وكان ينفرد بغرفة له وحده من بين ثلاث غرف في منزلهم بمنطقة الظاهر بالعاصمة عقب انتقال والده للعمل هناك عام 1933.
منذ صغره وهو يعرف طريقه، فلم يكن أحد يطلب منه الدراسة. كان يتوجه إلى المدرسة ويعود ليغلق غرفته ويدرس، وإذا ارتفع صوت أحد أشقائه وتسبب في إزعاج له، كان يكتفي بالصياح قائلاً: ((اسكت يا ولد))، فيستجاب له على الفور.
القراءة كانت من أبرز هوايات جمال عبدالناصر. كان يقرأ عن الإسلام، فقرأ كتباً عن الرسول وعن عمر بن الخطاب وحياة الصحابة، وساعده في ذلك الأمر أنه كان يعيش بالقرب من دار الكتب والوثائق القومية. كما قرأ العديد من السير الذاتية للزعماء القوميين مثل نابليون وأتاتورك وبسمارك.
وتأثر عبدالناصر كثيراً برواية ((عودة الروح)) للكاتب توفيق الحكيم، والتي قال فيها إن الشعب المصري بحاجة إلى رمز يمثل رغباته، وساهمت تلك الكتب في تشكيل وعيه السياسي.
كان يحب أيضاً التمثيل، ومثّل في عدة مسرحيات مدرسية، وكان يكتب المقالات في مجلة المدرسة.
اهتم عبدالناصر بالحياة السياسية منذ أن كان عمره 14 عاماً، وشارك في العديد من التظاهرات ضد الحكم البريطاني، وفي إحداها أصيب بجرح بسبب رصاص الإنكليز، وقُبض عليه وسُلّم إلى قسم الشرطة، واستلمه والده من هناك.
حاول الشاب الالتحاق بالكلية الحربية، ورُفض، فاضطر للالتحاق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة التي درس فيها فصلاً دراسياً واحداً، ثم طلب بعدها مساعدة وزير الحربية في ذلك الوقت إبراهيم خيري باشا، فقُبل في الكلية الحربية عام 1937.شخصية عبدالناصر القوية ساعدته على أن يتولى منصب رئيس اتحاد الطلاب في المرحلة الثانوية.
كان عبدالناصر شخصية قيادية. كان أفراد عائلته يأخذون مشورته في العديد من الأشياء التي تخصهم. وطبيعة شخصيته ساعدته ليكون أحد قادة ثورة 23 يوليو 1952 ومن ثم رئيساً لمصر عام 1956.
عند توليه الرئاسة، لم يرغب في مظاهر الثراء. كان يكتفي بعدد قليل من الخدم، فكان هناك ((الصول حامد)) الذي يشتري الطعام ويسلمه إلى الفتاة الريفية ((مبروكة)) لطهوه، وكان يساعدها في باقي شؤون المنزل ثلاث فتيات أخريات، بالإضافة إلى السفرجي الذي كان يقدم له وجبة الإفطار عقب استيقاظه ويسلمه يومياً التقارير الأمنية والاقتصادية عن حالة البلاد، والمعدة من قِبل الوزراء والمسؤولين المختصين.
كانت علاقته بالخدم لديه طيبة. كان متواضعاً، وهو ما تبرزه قصة أم جودة التي كانت تعمل خادمة في بيت والده بالقاهرة، واضطرت لترك العمل والعودة إلى بلدة منشئها بالصعيد بسبب ظروف خاصة. وبعد عدة سنوات ضاقت ظروفها المادية وحينما علمت بتولي عبدالناصر رئاسة مصر، قررت مراسلته، واستجاب لها وخصّها بمعاش استثنائي قدره 15 جنيهاً، بحسب شقيقه.
ذات مرة، وكان حينها رئيساً وكان في قطار الصعيد لتفقد أحوال الناس، فوجئ بأحد الأشخاص يقذفه بلفافة قماش، ما أدى إلى ذعر أفراد الحراسة الذين كانوا بصحبته، إلا أنهم بفتح اللفافة وجدوا بداخلها خبزاً وبصلاً، وهو الأمر الذي فسّره عبدالناصر بأنها رسالة من مواطن بسيط عن معاناة الفقراء.

جمال عبد الناصر مع حفيده

لم يغضب، بحسب عادل عبدالناصر، بل شعر بمسؤولية تجاه تلك البلدة، وأصدر توجيهاته إلى الوزراء المسؤولين بتفقد أحوال الناس هناك وتوفير المواد الغذائية لهم، وتحسين الخدمات الطبية في البلدة، بالإضافة إلى إلغاء نظام السخرة لعمال التراحيل (العمال الذين لا يمتلكون عملاً ثابتاً).
عاش عبدالناصر حياة بسيطة. كان والده يتقاضى راتباً قدره 20 جنيهاً يكفي بصعوبة للإنفاق على أسرته، وهو ما جعل الرئيس الراحل يشعر بالفقراء وينحاز لهم في كل قراراته عقب توليه رئاسة مصر.
وعقب توليه الرئاسة لم يعش ببذخ، وظل بسيطاً يشتري قماش ألبسته من محافظة المحلة ويتوجه به إلى ((ترزي)) بالقاهرة لتفصيلها.
كان يأكل طعام الطبقة المتوسطة في مصر: وجبة غداء من أرز وخضروات مثل الكوسا أو البامية، وكان يتناول اللحوم والأسماك. كان مدخناً شرهاً ويفضل تناول القهوة.
يخبر شقيق عبدالناصر أن الأخير عقب توليه الرئاسة، ألحّ والده عليه لشراء سيارة له، فاستجاب واشترى سيارة بالتقسيط لإرضائه، إذ لم يكن معه ما يكفي لشراء سيارة، حتى أن والده كان يواجه صعوبة في شراء البنزين، فقال له ذات مرة مازحاً: ((انت كإنك اديتني بقرة من غير برسيم)).
وكان عبدالناصر يرفض إرسال السيارات المخصصة للرئاسة لتوصيل أي من أفراد عائلته. رفض استخدام أي شيء مخصص للدولة أو للعاملين برئاسة الجمهورية، لخدمة أهله. كان لا يقبل بأن يستخدم إحدى الصيدليات المخصصة لصرف الدواء للعاملين بالرئاسة، وكان يشتري الأدوية لوالده من جيبه الخاص.
وبالرغم من إمكانياته المادية المحدودة، كان كريماً، فيحرص على شراء الهدايا لوالده من حين لآخر مثل القماش وربطة العنق وراديو أو تلفزيون.

جمال عبد النصر مع اولاده

محاولات اغتياله
عندما كان يلقي خطاباً في الإسكندرية للإحتفال بالانسحاب العسكري البريطاني، في 26 ت1/أكتوبر 1954، تعرّض عبدالناصر لمحاولة اغتيال نفذها أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ولكن ثباته وكلماته للجمهور الذي انتابته حالة من الذعر الشديد، كانتا خير دليل على شجاعته، بحسب عادل.
فعقب إطلاق عدد من الطلقات النارية نحوه، لم تصبْه، صاح مكرراً عدة مرات ((فليبق كل في مكانه أيها الرجال))، وأضاف: ((حياتي فداء لكم، دمي فداء لكم، سأعيش من أجلكم، وأموت من أجل حريتكم وشرفكم)).
ويؤكد شقيق عبدالناصر أنه كان يرفض ارتداء واقٍ من الرصاص، وكان يخرج من سيارته ليحيي الجماهير في المناسبات المختلفة، غير مكترث بنصائح المقربين منه بضرورة توخي الحذر خوفاً من تكرار محاولات اغتياله.

كان عبدالناصر مسلماً ملتزماً يحرص على أداء الصلوات، وأدى فريضة الحج مرتين. وفي أحد التسجيلات، قال والده: ((نشأ في عائلة متدينة وشب هادئ النفس مستقر الفؤاد، ولم أتذكر أنني حاولت مرة أن أحثه على شيء من فروض الدين. كانت روحه بطبيعتها نزّاعة إلى الدين والتأمل، وكان كثيراً ما يخلو بنفسه ويفكر في الكون ومدبره الأعظم)).
تزوج عبد الناصر في سن السادسة والعشرين بالسيدة تحيّة كاظم، وكان يكبرها بأربعة أعوام بعد أن تعرف عليها من خلال أحد أصدقائه، شقيقها عبدالحميد كاظم.
كان لا يحب التحدث عن أمور السياسة في منزله. وكان يحب الاستماع إلى أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وكانت تربطه علاقات شخصية ببعضهم ويحرص على دعوتهم كضيوف في حفلات زفاف أبنائه.
أنجب خمسة أبناء، هم هدى، منى، خالد، عبدالحميد وعبدالحكيم، وأطلق اسم خالد حباً بخالد محيي الدين أحد الضباط الأحرار، وعبدالحميد حباً بصديقه وشقيق زوجه في الوقت نفسه، وعبدالحكيم حباً بعبدالحكيم عامر، أحد قادة ثورة 23 تموز/يوليو وأحد أصدقائه المقربين.
كان عبدالناصر يحرص على بث صفة التواضع في أبنائه. يقول عادل: ((ذات مرة حاول ابنه عبدالحكيم التوجه إلى النادي حاملاً حقيبة تبدو باهظة الثمن، فرفض خروجه بها لكي يشعره بضرورة التساوي بزملائه، كما كان يحثهم على الإهتمام بالدراسة والتفوق بها خاصةً خالد وهدى اللذين كانا من الأوائل)).
كان عبدالناصر مريضاً بالسكري، ويُرجع شقيقه ذلك الأمر إلى حزنه على الانفصال بين مصر وسورية عام 1961. وكان قلبه تعباً نتيجة شراهته في التدخين. توفي عام 1970 متأثراً بأزمة قلبية، وتم توديعه في جنازة حضرها أغلبية رؤساء العالم العربي، بالإضافة إلى حضور شعبي ضخم بلغ قرابة سبعة ملايين مواطن.

تحقيق: عبير عبدالله

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *