رجالات حول عبدالناصر / كتب حسن صبرا

رجالات حول عبدالناصر / كتب حسن صبرا

*لماذا نكث الفريق محمد فوزي وعده ونشر مذكراته في المجلة السعودية.. بعد ان وافق على نشرها في ((الشراع))!
*علي صبري باع منزله في شارع نهرو ليشتري طابقين يسكن في أحدهما وأسرته.. والثاني لإبنه
*ضياء الدين داود المحامي الذي لا يملك مكتباً ولا منزلاً في القاهرة
*محمد فايق.. يعتاش من راتبه التقاعدي كوزير رافضاً بيع منزله
*محمد عروق عاش في الشارقة بدعوة من شيخها سلطان القاسمي ليقدم وثائق عبدالناصر بالصوت والصورة

مجلة الشراع 12 شباط 2018 العدد 1836

كان وجود رجالات مخلصين حول جمال عبدالناصر مؤمنين بمشروعه للنهضة الشاملة وللعروبة طيلة عصره (1952 – 1970) من العوامل الرئيسة التي مكنته من تحقيق الانجازات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب عوامل الادارة السياسية للزعيم، والمواقف القومية الصلبة في مشروعه وإرادته الحاسمة فضلاً عن عامل جوهري أساسي هو علاقته مع الجماهير المصرية خصوصاً والعربية بشكل عام، كان هو يعبر عن طموحاتها وآمالها، وكانت هي ترفده بالتأييد المعنوي الذي كان يرسم له الطريق الصحيح إلى ما تريده، لتنشأ واحدة من أصلب العلاقات وأعمقها وأوسعها رحباً وشمولاً طيلة عصره، بين قائد وشعب، هي كانت تعتبره قائدها وكان رده الحاسم عملياً ان الشعب هو القائد وهو المعلم.

جمال عبدالناصر لم يكن ممكناً له أن ينجح من دون رجالات كبار حوله

نعم
يسجل على جمال تمسكه بعبد الحكيم عامر وهو الشخصية التي أدارت الأمور في أخطر مراحلها، بطريقة عشوائية – ارتجالية يمكن أن تؤدي دوراً في إدارة عشيرة أو قبيلة أو قرية كشيخ عرب، وليس في مسيرة ثورة هدفت إلى تغيير شامل في حياة الوطن والناس، خصوصاً ان التوصيف الذي كان الاعلام وكثير من الناس يطلقونه على القائد العام للقوات المسلحة العربية أي عبد الحكيم عامر انه الرجل الثاني وفي بعض المراحل الرجل الأقوى في النظام الناصري.. وهو الرجل الذي أدى إلى هزيمتين قاسيتين لجمال في مشروعه الوحدوي مع سورية مع قيام الجمهورية العربية المتحدة (1958 – 1961) أولاً ثم في الهزيمة العسكرية القاسية خلال عدوان إسرائيل على مصر وسورية وبقية فلسطين عام 1967 ثانياً.
من دون أن نغفل حق عامر أيضاً في انه ومن موقعه القوي في السلطة، وبثقة جمال الكاملة به أدى دوراً جوهرياً في حماية الثورة وإنجازاتها من تكالب القوى المعادية غربية واخوانية ورجعية محلية وعربية طيلة عقد من الزمان ضدها.. فشل في حماية وحدة مصر وسورية.. بل كان السبب المباشر في ارتكاب هذه الجريمة، لكنه نجح في كشف الكثير من مؤامرات الاخوان المسلمين وإسرائيل وأميركا وبريطانيا والرجعية المحلية والعربية.. قبل أن يكشف عبدالناصر بنفسه ان عامر تآمر عليه بعد النكسة، وراح يغازل الاخوان المسلمين أو قل المناخ الاسلامي المصري والعربي، من خلال الاسقاط على نظام عبدالناصر أو مصر انها سقطت تحت سيطرة الروس!!
نحن سنتجاوز هذا الأمر بعد ان سجل في خانة سلبيات عصر جمال، وهو المسؤول عن كل انسان كان له دور في سلطته فكيف وهو الصديق والأخ والمقرب والشريك لسنوات عديدة في كل أمر من أمور مصر في عصر عبدالناصر.
لذا
سنتحدث مباشرة عن رجال كانت لهم أدوار مجيدة مع الزعيم وحوله، وخصوصاً بعده.

علي صبري أشرف على أنجح خطة خمسية للتنمية.. اعترفت الأمم المتحدة بأرقامها بعد رحيل جمال بست سنوات

علي صبري
أبرز رجالات عبدالناصر هو رئيس وزرائه في أخطر مرحلة مرت بها مصر وهي مرحلة التحول العظيم نحو بناء اقتصاد قوي يحقق مشروع ناصر بالكفاية والعدل.. انه علي صبري الذي وضع وطبق ونجح في الخطة الخمسية الأولى للبناء الاقتصادي المصري، (1961 – 1965) والتي حققت فيها مصر نسبة نمو بلغت 7،6% ولم تعترف الأمم المتحدة بأرقامها إلا عام 1976 بعد رحيل جمال بست سنوات!!

زكريا محيي الدين.. علي صبري لم يكن فوق مستوى الشبهات

ما لا يعرفه الناس عن الرجل الذي تعرض للظلم والتشهير بل والاغتيال السياسي من الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل ان علي صبري ابن العائلة الثرية كان رئيساً للوزراء حين صدرت قرارات تأميم لأراض زراعية ومصانع كبيرة ومتوسطة، وكان الكثير من أقاربه يملكون في الحقلين.. وطبعاً لم يُطلع أياً منهم على هذه القرارات مسبقاً.. وعندما صدرت وطالت خسارتهم في الزراعة وفي الصناعة غضبوا منه غضباً شديداً وقاطعوه لأنه لم يحذرهم قبل صدور هذه القرارات كي يدبروا أمورهم ونقل هذه الممتلكات الى اسماء مختلفة بعد تفتيتها وتوزيعها.

محمد حسنين هيكل حارب علي صبري بشدة

أهمية علي صبري الثانية جاءت بعد رحيل جمال عبدالناصر وانقلاب انور السادات على خطه في 13/5/1971 وزج صبري في السجن عشر سنين, بتهمة الخيانة العظمى. ويوم قتل السادات في 6/10/1981 خرج علي صبري من السجن, عاد الى منزله في شارع نهرو – منطقة روكسي في مصر الجديدة.. لم يستطع تحمل تكاليف المعيشة الجديدة, باع الفيلا الصغيرة التي كانت مسكنه لربع قرن, واشترى شقتين في مبنى حديث قربها, سكن في احداها وقدم الثانية لابنه هشام, وظلت سمعته المالية زي الجنيه الذهب كما يقول المصريون.. حافظ في حياة عبدالناصر على منهجه السياسي وحافط في غياب ناصر على مسلكه الشخصي والسياسي طبعاً.

عبد الحكيم عامر التقى مع هيكل في النقمة على علي صبري

كان جمال عبدالناصر يرد على تمسكه بعلي صبري وتكليفه أصعب المهمات بأن الرجل ثقة كبيرة، ملتزم الاشتراكية ونهج الثورة معبر عنها شفاف، تعرض للطعن من ثلاثة رجال حول عبدالناصر.
الأول زكريا محيي الدين الذي كتب إلى جمال ان علي صبري ليس فوق مستوى الشبهات، وتحدث زكريا الذي اختاره جمال خليفة له في الرئاسة بعد استقالته اثر نكسة 1962 من موقعه في جهاز المحاسبات.
الثاني هو عبد الحكيم عامر الرجل الأقوى في نظام عبدالناصر، وكان يكره دور علي صبري بصفته مسؤول التنظيم الأم الاتحاد الاشتراكي العربي، خصوصاً بعد تأسيس التنظيم الطليعي داخل الاتحاد ومنه منظمة الشباب الاشتراكي.
كره عبد الحكيم علي صبري لأنه يراه مسؤولاً عن قوى شعبية حزبية، سياسية خارج سيطرته على الجيش والاجهزة الأمنية.
الثالث هو محمد حسنين هيكل الذي كان يرى في اشتراكية علي صبري منهجاً مختلفاً عن منهجه الرأسمالي، وكان هيكل وعامر يلتقيان من دون قصد على عدائهما لعلي صبري.. كل لأسبابه المتناقضة.

الفريق اول محمد فوزي

محمد فوزي
لنا مع وزير الحربية الفريق أول محمد فوزي تجربة تكشف حسن سمعته المالية زيادة على كفاءته العسكرية التي اعترف له بها العالم.
كنا في السنة الأولى من إصدار ((الشراع)) في 15/1/1982 نبحث عن مواد صحافية مميزة، قصدنا مدير عام ((صوت العرب)) السابق الخارج من السجن حديثاً محمد عروق، طلبنا مذكرات محمد فوزي، ذهبنا إلى الضابط الكبير السابق وكنا قابلناه لأكثر من مرة في مكتب الصديق وزير اعلام عبدالناصر محمد فايق حدثناه عن المذكرات لنشرها في ((الشراع)).. وافق مرحباً..
لم نتحدث عن المال.. أخبره محمد عروق ان الميزانية التي حددتها ((الشراع)) للمذكرات هي خمسة آلاف دولار.. رحب فوزي وقال انه سيعدها قريباً ويسلمنا إياها حال انتهائها متوقعاً تجهيزها خلال شهر على الأكثر لأنه يضع عليها اللمسات الأخيرة مع الصور والوثائق.

مجلة الشـــراع

عدنا إلى بيروت، وبعد عدة أسابيع كنا نستعد للعودة إلى القاهرة قرأنا صدمة نشر مذكرات الفريق فوزي في مجلة ((المجلة)) السعودية، طرنا إلى القاهرة اتصلنا بأبي يوسف محمد عروق هاتفياً.. بادرني بفطنته: أنا عارف انك زعلان، نتقابل واشرح لك.
في منـزله في شارع الحجاز في المهندسين المتفرع من شارع جامعة الدول العربية وفي الدور الأرضي المتواضع قال لنا محمد عروق: يجب أن تراعي ظروف الرجل المادية.. (أي الفريق فوزي) جاءه أمين عام جامعة الدول العربية السابق محمود رياض قدم له عرضاً من المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق التي تصدر جريدة ((الشرق الأوسط)) اليومية ومجلة ((المجلة)) الاسبوعية وغيرهما لنشر مذكراته مقابل المبلغ الذي يحدده.. وكان رياض نشر مذكراته فيها متحدثاً عن تلقيه عشرات آلاف الدولارات مقابلها، وان الفريق فوزي سينال مثلها.. رفض الفريق فوزي ذلك لأنه أعطى وعداً لمجلة ((الشراع))، وانه كان سعيداً بمبلغ الخمسة آلاف دولار لأنه سيساعده في تجهيز ابنتيه للزواج وهما في حالة خطوبة.. سأله رياض ومن الذي حدثك عن ((الشراع))، رد فوزي بأنه أبو يوسف محمد عروق.
اتصل رياض بعروق وشرح له الأمر.. اقتنع عروق بما طلبه رياض، وتعهد بإقناع ((الشراع)) بترك مذكرات فوزي للمجلة السعودية.
قال لنا محمد عروق: أنتم لا ترضون ان تضيع هذه الفرصة على الفريق فوزي.. فهو لا يملك ما يمكنه من تجهيز البنات، ويريد أن يكون مستوراً ملتزماً تعهداته أمام عائلات العرسان.
محمد فوزي باع مذكراته كي يصرف على تجهيز ابنتيه للفرح.
رحل القائد العسكري الذي بدأ تجهيز جيش مصر للعبور بعد ساعات من عودة عبدالناصر عن استقالته يوم 10/6/1967 حيث استدعاه جمال يوم 11/6/1967، وقال له لقد كلفتك أن تكون قائداً للجيش (وزيراً للحربية الذي يرأس الجيش في مصر حتى الآن) وأنت عليك أن يكون الجيش المظلوم في الحرب اللي ما كانش له فرصة لخوضها.. جاهزاً، ثم رمق جمال بتركيز شديد عيني الفريق فوزي سائلاً إياه بحزم:
– فوزي أدامك أد ايه عشان يكون الجيش جاهزاً للتحرير؟.
فرد فوزي بعد تفكير سريع: خمس سنين يا ريس:
– ثلاث سنين يا فوزي كفاية: احنا دلوقت سنة 67.. سنة 70 لازم نكون عبرنا يا فوزي، الناس مش حتستنى علينا خمس سنين، واحنا لازم ناخد بالثأر بسرعة.
يحدثنا محمد فوزي عام 1982 عن ان جيش مصر كان جاهزاً للعبور في ت2/نوفمبر 1970 أي بعد ثلاث سنوات وخمسة أشهر من النكسة، وان جمال حدد موعدين للعبور الأول في هذا الشهر أي ت2/نوفمبر والثاني في أيار/مايو 1971.
ومن مفارقات القدر ان شهر ت2/نوفمبر كان ذكرى اربعين الزعيم الذي رحل في 28/9/1970، بينما كان شهر أيار/مايو 1971 هو تاريخ انقلاب أنور السادات على خط جمال.. مما أدى إلى تأجيل معركة التحرير والعبور إلى ت1/اكتوبر 1973.
هنا يكشف لنا الفريق فوزي ما نشره فيما بعد في كتاب خاص بالحرب حين قال:
ان جيش مصر كان وصل إلى قمة قدراته واستعداداته للعبور في نهاية 1970.. لكن انقلاب السادات أوقف نمو قدراتنا بحكم مرور الزمن، بعدما طرد الخبراء السوفيات عام 1972.. بينما راح الجيش الصهيوني ينمو خلال فترة الجمود التي لحقت بالجيش المصري في الفترة ما بين 1971 – 1973..
ويكشف لنا فوزي أيضاً ما أكده في كتابه بأن جيش مصر في عهد جمال حفر قناة في الصحراء الغربية على شكل وعرض قناة السويس في المناطق التي يمكن للجيش أن يعبر منها، وان تمرينات العبور تتالت في هذه القناة حتى تأكدت الاستعدادات له في حال بدء المعركة التي لم تنتظرها حياة جمال فرحل ليسرق السادات العبور بجيش بناه جمال عبدالناصر.. وقد أرهق نفسه إشرافاً على كل صغيرة وكبيرة فيه حتى رحل وقلبه مرهق لا يحتمل القدرة على البقاء..

محمد فايق

محمد فايق
خرج محمد فايق من سجن السادات عام 1981، وكان ولداه هشام ومنى في مرحلة الدراسة، حصل على حقوقه كوزير سابق يعتاش منه.. ثم تسلم إدارة دار المستقبل العربي لنشر الكتب القومية التي أنشأتها مجموعة قومية في القاهرة.. واستقبل عشرات الطلبات من سماسرة يريدون شراء منـزله في 34 شارع نهرو خلف حديقة الميريلاند، لكنه رفض بإباء مصمماً على أن يبقى بقية حياته فيه (أطال الله عمره).
يرأس فايق الآن المجلس القومي لحقوق الانسان، وهو نموذج لرجالات عبدالناصر المتمتعين بشفافية عميقة وسمعة كالمسك.

سامي شرف
مدير مكتب جمال عبدالناصر، خرج من سجن السادات بعد اغتياله، ليعود إلى منـزله في إحدى العمارات الكبيرة قرب منـزل جمال عبدالناصر في منشية البكري، يعتاش من الراتب التقاعدي كوزير سابق فضلاً عن وظيفته السابقة في القصر الرئاسي.. كان وفياً إلى أبعد الحدود لخط جمال عبدالناصر، حافظاً سيرته كاتباً عنها، نموذجاً مشرفاً لرجالات بطل العرب.

امين هويدي :رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في عهد جمال عبد الناصر

أمين هويدي
وزير حربية جمال بعد نكسة 1967، مدير الاستخبارات، كان يعتاش من راتبه التقاعدي ومن كتاباته التي كان يتقاضى عنها مخصصات (نشرنا مقالات له في ((الشراع)) لثلاثة أشهر مقابل 3600 دولار، فضلاً عن كتبه التي ألّفها عن عبدالناصر ومنها كتاب ((مع عبدالناصر)) إصدار دار ((المستقبل العربي)).

محمد عروق

محمد عروق
المديرالسابق لإذاعة ((صوت العرب)) خلفاً لأحمد سعيد، خرج من السجن, يعتاش من تقاعده كموظف سابق, سافر الى امارة الشارقة في دولة الامارات, بناء على دعوة من اميرها الشيخ سلطان القاسمي.. قدم له مشروعاً لتوثيق مرحلة ثورة يوليو ورجالها بالصوت والصورة وخطابات جمال عبدالناصر.. عمل في الشارقة وظل يتردد الى القاهرة الى ان رحل عن دنيانا نموذجاً عظيماً من نماذج رجال جمال عبدالناصر بعد ان استودع الاعلام مجموعة كبيرة من تلامذته خصوصاً عمله مديراً لاذاعة ((صوت العرب)).

ضياء الدين داود
عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي العربي (9 بقيادة جمال عبدالناصر) سجنه السادات بعد انقلابه على خط عبدالناصر) خرج من السجن ليمارس مهنته كمحامٍ, يسكن في دمياط بلده.. كان ينزل الى القاهرة لتولي قضايا موكليه امام القضاء، يستريح لفترة يومياً في غرفة في فندق امية القريب من قصر العدل المصري يستقبل فيها موكليه او زواره السياسيين.. عاجزاً عن استئجار شقة في القاهرة فكان يعود آخر كل نهار عمل الى دمياط ليعود ثانية فجر اليوم التالي.
قابلناه في فندق أمية مرة, وفي مرة اخرى اعطانا موعداً في منطقة المنيل الروضة, اكتشفنا انه كان مضطراً للمبيت في القاهرة, فانه كان يحل ضيفاً عند شقيقته المتزوجة في هذه المنطقة.
هذه هي أحوال رجالات عبدالناصر بعد رحيله.. ومنهم عبدالمحسن ابو النور, فتحي الديب, لبيب شقير.. عاشوا شرفاء الى جانبه. وبعد رحيله.. ظلوا على اخلاقياتهم العالية وسلوكياتهم النموذجية أوفياء لأنفسهم وللرجل الذي اختارهم ليكونوا شهداء على عصره.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *