انتخابات على حافة الهاوية / كتب المحرر السياسي لـ” الشراع”

انتخابات على حافة الهاوية / كتب المحرر السياسي لـ” الشراع”

*الانتخابات مسيحياً تتسم بأنها حرب تحجيم أدوار وليست حرب تقاسم أدوار
*في كل حزب وتيار اكثر من ماكينة انتخابية باستثناء حزب الله والقوات
*ماكينة مراقبة لعون موازية لماكينة التيار وماكينة باسيل لضمان الصوت التفضيلي
*باسيل يتحرك كمن يسير على حبل سيرك وليس مضموناً ما اذا كان سيصل او انه سيتعرض للسقوط
*برود دولي واقليمي ازاء الانتخابات لوجود قناعة بأنها لن تؤدي الى تغييرات في الحكومة
*واشنطن تريد ان تتم الانتخابات من دون انزلاق البلد من حافة الهاوية الى اسفلها
*”امل” اعادت تأكيد حضورها كتنظيم مؤسس لكل ما اعقب 6 شباط 84
*تشظيات داخلية في الساحة السنية وغموض على مستوى علاقاتها
*جنبلاط يواجه مشروع حصر زعامة الجبل بالدروز فقط

مجلة الشراع 12 شباط 2018 العدد 1836

موسم الانتخابات النيابية لهذا العام يحفل بكثير من المؤشرات السياسية غير المسبوقة، فطبيعة الحملة الانتخابية السائدة راهناً ، هي غيرها قياساً بحملات الانتخابات النيابية السابقة، والموقف الاقليمي والدولي من هذه الانتخابات ايضاً غير مسبوق لجهة طبيعته، أضف الى ذلك قانون الانتخاب الجديد الذي ادخل لبنان لاول مرة منذ استقلاله بتجربة النسبية، ولو بشكلها المجتزأ، الخ..
وبتفصيل كل هذه الملامح والمؤشرات الجديدة لانتخابات 2018، لا بد من تسجيل الملاحظات التالية:

  عون: ماكينة مراقبة

أولاً– تتسم الحملة الانتخابية لانتخابات هذا العام بالكثير من التصعيد السياسي والشخصي ، ويلاحظ أن معظم الأطراف السياسية يخوضها، انطلاقاً من ان نتائجها ستترك انعكاسات ” وجودية ” على مستقبلهم السياسي سواء داخل بيئاتهم السياسية وأيضاً بمقابل خصومهم السياسيين. فالحملة الانتخابية داخل الساحة المسيحية لكل من ((التيار الوطني الحر)) و((القوات اللبنانية)) و((الكتائب))، وحتى المردة تتسم بأنها حرب تحجيم أدوار وليست حرب تقاسم ادوار. حتى داخل اللائحة الواحدة للتيار او الحزب الواحد او للمتحالفين توجد معركة تحجيم متبادلة بين مرشحيها.

التيار الوطني الحر: تعدد ماكيناته الانتخابية

داخل التيار العوني هناك معركة جبران باسيل لنيل مقعد نيابي هذه المرة في البترون، وطي صفحة خسارته المستمرة لتمثيل مسقط رأسه في البرلمان. بمقابل ذلك يتحشد فريق من الخصوم على رأسهم القوات والمردة والكتائب اضافة الى المستقلين المسيحيين وفي مقدمتهم النائب بطرس حرب لحرمان باسيل من هذه الفرصة ، وذلك انطلاقاً من قناعتهم بأن معركة البترون هي مؤشر على معركة رئاسة الجمهورية القادمة. وفي المتن هناك حرب أحجام ايضاً بين الاحزاب المسيحية الرئيسية، فالكتائب تخوض معركة معارضة العهد انطلاقاً من المتن، والقوات تخوض معركة إثبات وجودها داخل معادلة العهد انطلاقاً من المتن، والتيار الوطني الحر يخوض معركة المتن بوصفها أم معاركه داخل المعادلة المارونية . وحتى داخل لائحة عون يوجد معركة التنافس على الاحجام بين مرشحي التيار البرتقالي. ابراهيم كنعان هو أكثر الباحثين عن تأكيد تصنيفه الاول بين قيادات العونيين في المتن. واذا استحق للمرة الثانية هذا التصنيف فإن ذلك يحجز له مقعداً كنائب برتبة مرشح لزعامة الحالة العونية . ثمة معلومات تتحدث عن وجود عدة ماكينات داخل التيار العوني ، فبالاضافة للماكينة المركزية هناك ماكينة موازية يقودها الرئيس ميشال عون، وهي ماكينة مراقبة للسلوك الانتخابي لمرشحي التيار، وهناك ماكينة جبران باسيل التي تعمل على ضمان الصوت التفضيلي له في البترون ومنطقتها الانتخابية، وماكينة ابراهيم كنعان التي تسعى لابقائه أولاً في المتن.

بري : أعاد تأكيد الطابع المؤسس لـ “امل”

والواقع ان هذه الحالة التي تسود لدى التيار الوطني الحر، باتت موجودة في اكثر الاحزاب الاخرى، حيث يقوم مرشحوها بإعداد ماكينات خاصة بهم لنيل الاصوات التفضيلية تعمل بموازاة الماكينات المركزية لاحزابهم.
وتلحظ هذه المعلومات ان هناك حزبين اثنين فقط يحافظان على ماكيناتهما المركزية بحيث تقوم دون غيرهما بإدارة كل معركتهما الانتخابية ، وهما حزب الله والقوات اللبنانية.

جعجع: مركزية في ماكينة ((القوات )) مثل ((حزب الله))

الملاحظة الثانية هي ان هذه الانتخابات تواجه نوعاً من البرود الدولي والاقليمي نحوها. ولا يعني هذا البرود عدم وجود اهتمام بنتائجها، بل بوجود قناعة لدى الاخيرين تفيد بأنها لن تسفر عن نتائج تستولد تغييرات جذرية في الحكومة التي ستنتج عنها. وعليه فإن هذه الدول ترى ان مهمتها الاساسية هي مراقبة هذه الانتخابات أكثر مما هي التدخل بها. فبالنسبة لواشنطن فإن هذه الانتخابات تجري على حافة الهاوية الداخلية والاقليمية وما هو مطلوب ان تتم من دون انزلاق البلد من حافة الهاوية الى اسفلها. بالنسبة للمحاور الاقليمية فالمطلوب هو ان لا تحدث الانتخابات واحدة من مفاجأتين، ان يحصل حزب الله على اغلبية غير محسوبة، والثانية أن لا تسفر الانتخابات عن ((ستاتيكو)) معرقل للحياة السياسية في البلد خلال المرحلة المقبلة، اي كتل نيابية يؤدي اختلاطها وتشظيها الى تعطيل الحكم.

باسيل : هل يفوز بمقعد نيابي هذه المرة؟

الملاحظة الثالثة تتعلق ببروز اتجاهات جديدة في هذه الانتخابات تتمثل بالمجتمع المدني. صحيح ان هذه الاتجاهات لا تزال غير موحدة وغير واضحة الملامح السياسية ولا حتى الاجتماعية، الا ان مجرد وجودها كعنصر ساع لخوض الانتخابات يشي بأن هذا الضيف الجديد سيصبح عاملاً من عوامل النادي الانتخابي والسياسي اللبناني.
هناك في الواقع عشرات الجمعيات والاطر التي يتشكل منها المجتمع المدني، وكل هذه الاطر تعيش حالة ((مراهقة)) انتخابية لنقص تجربتها في هذا الاطار. ليس واضحاً خصوصاً في ظل غموض القانون الانتخابي الجديد، ما اذا كان المجتمع المدني سيسجل مفاجأة انتخابية ام انه سيثبت فقط حضوره في هذه الانتخابات، ما يؤشر الى مستقبل له وان كان يعني انه لن يكون له حاضر.

الملاحظة الرابعة تتعلق بظاهرة جبران باسيل، فهو يخوض اكثر من حملة انتخابية، بل يعتبر مؤشراً لنوعية الحملات الانتخابية التي يتم خوضها على حافة الهاوية. يمارس باسيل نصف حرب اهلية ونصف انقلاب في حملته الانتخابية وكل ذلك لكي يرضي عصبية شعبية يريد نيل أصواتها في ظل منافسة القوات اللبنانية له عليها، ويريد أيضاً توجيه رسائل للخارج بأنه خامة رئيس جمهورية براغماتي ويمكن الاعتماد عليه في رسم خط بين مواقف الرئيس عون وبين مواقفه. اللعبة بالنسبة لباسيل بمناسبة الانتخابات النيابية مركبة، وفيها الكثير من الظلال والسير على حبل سيرك رفيع، وليس مضموناً انه سيصل الى نهايته ام انه سيتعرض للسقوط.
أيضاً سامي الجميل يمثل نموذجاً بخصوص نوعية حملته الانتخابية، فهو يمزج بين تقليدية عريقة في خوض الانتخابات يمثلها موقع بيته السياسي في بكفيا وبين أنه شاب يريد دفع دم جديد في جسد حزبه يلائم شخصيته كقيادي شاب لحزب هرم. ومن هنا يتوسل ((الميديا )) الحديثة لنشر افكاره ويتوسل الصدمة في اعلان مواقفه ومتابعة خطوات حملته. وايضاً ليس مضموناً ان يكون سامي الجميل مقنعاً للجيل الجديد من القاعدة الانتخابية المسيحية، والأهم من ذلك ليس مضموناً ما اذا كان سينجح في تقديم نفسه وحزبه بوصفهما البديل او المعارضة المسيحية الجديدة .

سامي الجميل :تجديد الكتائب

الرئيس نبيه بري ومن خلال الاحداث الاخيرة التي حصلت في 29 ك2- يناير الماضي يبدو نموذجاً لجهة ان حركة ا((مل)) بظرف 48 ساعة اعادت تأكيد حضورها ليس كمجرد تنظيم بل كتيار له ثقله ودائرته الشعبية الواسعة، وهي موجودة على هذا الاساس وايضاً كتنظيم سياسي مؤسس لكل الاوضاع التي نشأت بعد السادس من شباط– فبراير 1984.
الملاحظة الخامسة تتعلق بالساحة السنية التي استولدت الانتخابات فيها نوعاً من التشظيات الداخلية فوقها وغموضاً على مستوى علاقة مكوناتها السياسية الاساسية بأبعادها التقليدية الاقليمية.
الانتخابات النيابية تشكل بالنسبة للساحة السنية مناسبة لمعرفة خارطتها الجديدة ونوعية التوزيعة التي ستشهدها ونسب احجامها.

جنبلاط: زعامة الجبل

اما بالنسبة للساحة الدرزية فهناك اختبار يجري لأول مرة على مستوى زعامتها. فوليد جنبلاط الذي يحرص على بقاء المختارة مظلة لكل منطقتي الشوف وعاليه بسكانها الدروز والمسيحيين يواجه هذه المرة منطقاً مسيحياً يمثله الرئيس عون يقول أن الجبل يجب ان تكون له زعامتان واحدة درزية واخرى مسيحية. طبعاً هذا الطرح يبقي جنبلاط زعيماً للدروز في الجبل، بينما ما كانت المختارة تريد وما زالت كذلك ان تكون فقط زعيمة للجبل واقطاعية للدروز.
انتخابات العام 2018 هي اكثر من انتخابات عادية. وحتى لو أن نتائجها لم تسفر عن تغيرات في اعداد المقاعد، الا ان منطق اجرائها سيتم بأسلوب يسفر عن تبدل احجام وتوازنات وسيدخل على الحياة السياسية ضيوفاً جدداً من المجتمع ، وأيضاً سيدخل معادلات جديدة على مستوى ما هو مألوف في التوزانات الميثاقية في البلد.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *