نتنياهو يشارك في ((سوتشي))! / بقلم محمد خليفة

نتنياهو يشارك في ((سوتشي))! / بقلم محمد خليفة

بينما كان وفد نظام الأسد, والأحرى حشد المشجعين البالغ أكثر من ألف وخمسمائة شخص يحل في مدينة سوتشي كانت طائرة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو تحط على مدرج مطار موسكو, وينتقل فوراً الى الكرملين للإجتماع مع الرئيس فلاديمير بوتين.
الزيارة هي التاسعة لنتنياهو الى روسيا منذ تدخلها العسكري في سورية!
هل وصول نتنياهو الى موسكو في يوم انعقاد مؤتمر سوتشي مجرد مصادفة..؟
لا طبعاً, فالزائر ذهب بناء على موعد محدد وفق برنامج معد من الجانبين, فالمسؤولون على هذا المستوى لا وقت لديهم للصدف. فما دام مؤتمر ((سوتشي)) مبادرة روسية يرعاها الرئيس لإدارة حوار بين رعاياه السوريين سبيلاً للإتفاق على حل سياسي للصراع في سورية, فمن البديهي أن يكون لإسرائيل كلمتها المسموعة في مصير ((سورية الجديدة)) التي يصممها الروس.
الرئيس بوتين رحب بضيفه وأكد أن زيارته تتيح لهما فرصة البحث في أوضاع الشرق الأوسط.
أما مساعد بوتين يوري أوشاكوف فكان أكثر وضوحاً وتحديداً: نتنياهو جاء لبحث ((التسوية في سورية))!
ونقلت قناة ((الجزيرة)) عن مسؤول روسي قوله: بوتين ونتنياهو تناولا في محادثاتهما مؤتمر سوتشي للحوار السوري.
وأما نتنياهو فوصف بعد محادثاته في الكرملين المحادثات بأنها كانت ((جيدة جداً))!
وذكر معلق روسي لـ((الجزيرة)) أن رئيس الحكومة الاسرائيلية طلب من القادة الروس أن تتفهم قلق بلاده من الوجود الايراني في الأراضي السورية.
وأضاف المعلق أن بوتين طالب ضيفه بالمقابل بأن لا تعيق إسرائيل الحل السياسي في سورية.
هذه المعلومات المتجانسة في مضمونها تبين مدى التعاون الروسي – الاسرائيلي لا في المجالات العسكرية والامنية فقط في سورية, بل وفي المجالات السياسية أيضاً, وتظهر عمق التفاهمات بين الطرفين, بعد أن أصبحت روسيا هي المتحكمة الفعلية بشؤون سورية, ولها أن تسمح أو لا تسمح لإسرائيل بالقيام بعملياتها العسكرية في البلد المنكوب. وهي عمليات بلغ عددها منذ بداية الثورة حتى اليوم 24 عملية استهدفت قواعد ومخازن أسلحة, لحزب الله أو لإيران بشكل رئيسي, وأقل عدد منها طاول أهدافاً لنظام الممانعة!

نتنياهو مجتمعا مع بوتين في روسيا

لم يعد سراً في الواقع أن روسيا سمحت وما زالت تسمح لإسرائيل بضرب الاهداف المذكورة, بدليل أن عدد هذه الضربات قد زاد ولم ينقص بعد بسط الروس هيمنتهم ووصايتهم على سورية, ناهيكم عن أن موسكو لم تحتج مرة واحدة على هذه الضربات التي تستهدف أطرافاً يفترض أنهم حلفاء لها, ولا سيما الحليف الايراني الذي لا يمكنها الاستغناء عن دوره على الارض لتنجح مهمتها الاستراتيجية في سورية, وتحقق نتائجها المطلوبة.
لا جديد في كل هذه المعطيات, لأنها معروفة بالبداهة واليقين للمحللين في العالم, فروسيا التي أمكنها ((قطع)) أيدي تركيا في سورية بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 ومنعها من الاقتراب من الأجواء السورية لا تبدي أي اعتراض على عمليات إسرائيل المتكررة, وكأن ما تقوم به شيء روتيني أو شأن من شؤونها الخاصة. الجديد هو أن علاقة التعاون الخاصة جداً بين موسكو وتل أبيب, لم تعد مقتصرة على الضروريات الأمنية بينهما, بل أصبحت تشمل أيضاً الجوانب السياسية التي تشمل مستقبل ومصير نظام الأسد, وعلاقاته الخارجية. والرئيس بوتين الذي يسيطر على الملف السوري يرجو نتنياهو أن يتعاون معه, وألا يعيق مسيرة الحل السياسي, وهو رجاء يخلو من العجرفة القيصرية المعتادة, بما فيها عجرفته المهينة مع ضيفه بشار الاسد في قاعدة حميميم!
أجواء سورية ليست وحدها ملعباً مفتوحاً بحرية أمام طيران إسرائيل الحربي, ولكن فضاءها السياسي مفتوح أيضاً بموافقة القيصر, والأرجح أنها باتت باعتراف غير مباشر من بوتين طرفاً رئيسياً في صياغة الحل السياسي الآن. وكما يرحب بوتين بوفود ايران وتركيا في سوتشي, ويستدعي وفد النظام ووفد المعارضة, فهو يستقبل نتنياهو في اليوم نفسه وللغرض نفسه. وكما يقوم بوتين بتنظيم حركة الملاحة الجوية في أجواء دمشق, فهو ينظم وينسق بين الدول والاطراف المذكورة في صياغة الحل السياسي.. وإلا فإن نتنياهو يستطيع إعاقة الحل.. !
كان بإمكان بوتين ونتنياهو التشاور والتفاهم عبر الاتصالات السرية والقنوات الديبلوماسية ولكن نتنياهو ومضيفه أرادا وضع الجميع أمام الأمر الواقع, وتعويدهما على القبول بمشاركة إسرائيل في تقرير مصير دولة الصمود والتصدي الأولى في العالم العربي!
الجديد إذن هو مشاركة نتنياهو في مؤتمر سوتشي علانية, وإن على انفراد, ونقل هذا التطور الجوهري في الشرق الاوسط الروسي من الغرف المغلقة والقنوات السرية الى السطح والعلن, وتجاوز الشرق الاوسط القديم.. ونحن لا نعتقد أن روسيا أقدمت على ذلك بدون اكتراث برد فعل الحليف الايراني, أو حزب الله فضلاً عن الأسد. فالأرجح أن بوتين يقوم بمهمة تاريخية في نزع فتيل التوتر والاحتقان بين طهران وتل ابيب, ودفع الجميع للتطبيع بهدوء والتعاون في الساحة السورية كمقدمة لتطورات أوسع وأعمق بين الجميع!.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *