ما هي الضرورات والأحوال التي تبيح الغيبة (2/2) – بقلم الشيخ أسامة السيد

ما هي الضرورات والأحوال التي تبيح الغيبة (2/2) – بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى:{ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله توّابٌ رحيم} سورة الحجرات.
كنا قد تكلمنا في مقالنا السابق عن الغيبة وتعريفها وحكمها وحكم الاستماع إليها وعظيم ضررها واستحقاق مرتكبها لعقوبة الله وكيفية التوبة منها في بحثٍ عظيم النفع جليل الفائدة فلينظره مريد الاستفادة ليكون على علمٍ بما ينبغي علمه حذرًا من الوقوع فيما نهى الله تعالى عنه.
وقد رأينا أن نُتبع ذلك بمقال نتكلم فيه عن الأحوال التي تُباح فيها الغيبة تعليمًا وتنبيهًا، فإن كثيرًا من الناس يخلطون في هذا الموضوع فترى الواحد منهم مثلاً يُحجم عن النصيحة الشرعية التي يُثاب فاعلها ظنًا منه أنها غيبةٌ محرمة، أو يترك واجبًا لاعتقاده أنه غيبةٌ منهيٌ عنها، وتراه بالمقابل يقع في الغيبة المحرمة لظنه أنها مباحة وأنه لا بأس بما يقول فيهلك من حيث ظن أنه اهتدى، ولربما قيل للذي يغتاب: اتق الله في إخوانك وإياك وغيبة المؤمنين، فيجيب متعجرفًا: أنا أقول هذا في وجهه، والحقيقة أن ذلك جهلٌ وغيٌ وفسادٌ ساق إليه إبليس كثيرًا من الناس، فإن مواجهة المؤمن أي مقابلته بما يكسر قلبه حرامٌ فليُعلم ذلك.

فضيلة الشيخ اسامة السيد

متى تُباح الغيبة
لقد استثنى العلماء أحوالاً قالوا: تُباح الغيبة في حالات وهي ستةٌ وقد جمعها بعضهم في بيت شعر فقال:
تظلَّمْ واستعنْ واستفتِ حذِّرْ وعرِّفْ واذكرنْ فسقَ المجاهر
فأما الحالة الأولى

فهي التظَلُّم فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم أي أن يرفع ظلامته إلى الحاكم أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية أو قدرةٌ على إنصافه من ظالمه فيقول مثلاً: ظلمني فلانٌ بكذا، والمراد من هذا التوصُّلُ إلى العدل وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فقد أعطى الشرع لكل ذي حقٍ حقه وبالتالي لا بأس من ذكر الظالم بما فيه مراعاة للمصلحة المطلوبة وإلا تفشى الظلم وكثُر البغي وقد نهى الله تعالى عن الظلم والبغي.

الحالة الثانية
الحالة الثانية هي الاستعانة على تغيير المنكر وردِّ العاصي إلى الصواب، فلو أن إنسانًا عَرَفَ أن فلانًا يعصي الله وكان يعرف أنه إن نصحه بترك المعصية لا يقبل منه ولكن لو كلَّمه فلانٌ في ترك الإثم لقَبِل منه فيجوز له عندئذٍ أن يقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلانٌ يفعل كذا فانصحه ونحو ذلك، ويكون مقصودُه التوصل إلى إزالة المنكر.

الحالة الثالثة
أما الحالة الثالثة فهي الاستفتاء وذلك كأن يقصد الشخص مُفتيَّا معتبرًا ليعرف حكم مسألة يحتاجها فيقول مثلاً: ظلمني أخي بكذا، أو تقول الزوجة: ظلمني زوجي بكذا، فعَلَ معي كذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك فهذا جائزٌ للحاجة ولكن الأحوط والأفضل في هذه الحالة أن يقول مثلاً ما تقول في رجل أو شخصٍ أو زوجٍ كان من أمره كذا وكذا، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ومع ذلك فالتعيين جائزٌ لا حَرَج فيه.

الحالة الرابعة
والحالة الرابعة هي تحذير الناس من الشر ونصيحتهم وذلك جائزٌ من وجوهٍ منها جَرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين بل واجبٌ للحاجة وإلا لقال من شاء ما شاء، ولضاعت الحقوق وانتهكت الحُرمات.
ومنها التحذيرُ ممن يغُش الناس في دينهم فيفتي بفتاوى باطلة ما أنزل الله بها من سلطان فقد روى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أظن أن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئاً)) أي سمَّاهُما باسمهما. وفي ((صحيح مسلم)) عن عدي بن حاتم أن رجلاً خطب فقال: ((من يُطع اللهَ ورسولَه فقد رَشَدَ ومن يعصهما فقد غَوىَ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله)).
فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يسكت لهذا الخطيب مع أنه لم يقع في حرام بل قال ما هو خلاف الأولى وكان الأجدرُ به أن لا يجمع بين الله ورسوله في ضميرٍ واحد فكيف يُسكَتُ عمن يغُشُ الناس في دينهم؟!!! بل لم يسكت النبي صلوات الله وسلامه عليه عمن يغش الناسَ في الطعام فكيف بما هو أشد. وقد روى أحمد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بطعامٍ قد حَسَّنَهُ صاحبُه فأدخل عليه الصلاة والسلام يده فيه فإذا هو طعام رديء فقال: ((بِعْ هذا على حِدَه وهذا على حِدَه فمن غشنا فليس منا)) ومعنى ((ليس منا)) ليس على طريقتنا أي ليس كامل الإيمان. وقد جرت عادة الفقهاء على تغليط بعضهم بعضًا إذا غَلط حتى إن إمام الحرمين أبا المعالي عبد الملك الجويني غلَّط أباه في غير مسألة وأبوه من كبار أئمة الشافعية، وحذَّر الشافعي من شخص اسمه حرام بن عثمان وكان يكذب في الحديث فقال: الرواية عن حرامٍ حرامٌ، والأمثلة والروايات في هذا الباب كثيرةٌ وفيما أوردناه مَقنَعٌ لمن يتوخّى الحق.
ومن وجوه التحذير من الشر أيضاً أن يَصْدُق القول من استشاره، فمن شاور إنساناً في مصاهرة إنسانٍ أو مشاركته بتجارة أو معاملته أو مجاورته أو غير ذلك وَجَب على المشاوَر أن لا يُخفي حاله بل يذكر مساوئه بنية النصيحة إن اقتضت النصيحة ذلك، فقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المستشار مؤتمن))، وهذا بخلاف ما عليه كثيرٌ من الناس اليوم حيث يُستشار الواحد منهم في معاملة إنسانٍ يعرفه لصًا خائنًا مثلاً فيسكت عن بيان حاله ويقول: ما لي وله فإن قطع الأرزاق من قطع الأعناق أو غير ذلك من الكلام الدَّال على جهل قائله وأنه لا يُفرِّق بين الخيانة والنصحية ولا بين الغيبة والمصلحة الشرعية، وهذا من الطامات والبليات وما أكثرها انتشارًا في مجتمعاتنا.
ومن وجوه النصيحة كذلك أن يكون لشخص ولايةٌ لا يقوم بها على وجهها بأن يكون فاسقًا أو مُغفَّلاً أو نحو ذلك فيجب ذكر ذلك لمن له ولايةٌ عامة ليزيله ويولِّي من يصلُح لهذه المَهَمة لأن حفظ مصالح المؤمنين أمانة، فعن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته الإمامُ راعٍ ومسئولٌ عن رعيته والرجلُ راعٍ في أهله وهو مسئولٌ عن رعيته والمرأةُ راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها والخادمُ راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته)) رواه البخاري.

الحالة الخامسة
والحالة الخامسة هي التعريف فلو كان في الناحية إنسانٌ قد عُرف بلقبٍ كالأعرج أو الأعمش أو الأعمى أو الأصم أو غير ذلك فإنه يحصل أحيانًا أن يغلب اللقب على اسم الشخص فلا يُعرَف بعد ذلك إلا بلقبه فيجوز تعريفه بذلك بشرط أن لا يكون إطلاقه على جهة التنقيص، وقد عُرّف الإمام الكبير سليمان بن مَهران بالأعمش حتى غلب لقبه على اسمه فيكاد لا يُعرَف إلا به، وذكرُه في كتب الحديث والفقه وغيرها بلقبه مشهور ومعروف من غير نكير، فكثيرًا ما نسمع أو نقرأ قال الأعمش وحدّثنا الأعمش، والعَمَشُ هو ضعفٌ في العين مع سيلان دمعها في مُعظم الأوقات.

الحالة السادسة
وأما الحالة السادسة فهي أن يكون الشخصُ مُجاهرًا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر أو أكل الربا أو مُصادرة أموال الناس وجباية الأموال ظُلمًا فيجوز ذكره بما يُجاهر به، ويحرم ذكره بغير ذلك من العيوب إلا أن يكون لجوازه سببٌ آخر مما ذكرناه، وفي جواز ذكر فسق المجاهر تنبيهٌ للناس من أمثاله وزجرٌ له عن القبائح ليرعوي فيتوب إلى الله تعالى.
فهذه أحوالٌ ستةٌ تُباح فيها الغيبة قد ذكرناها فينبغي أن تُعلم ليُميز المؤمن بين ما يحلُّ وما يحرم ويكون على بصيرة من أمره.
وأختم بالقول إن الغيبة مرضٌ هدَّام يخرب البيوت والمجتمعات وندعو الناس إلى التفقه والتَّعلم للتمييز بين الغيبة والنصيحة.
والحمد لله أولاً وآخراً.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *