ما بعد 29 كانون الثاني ليس كما قبله: جبران باسيل وعبرة سليم الخوري

ما بعد 29 كانون الثاني ليس كما قبله: جبران باسيل وعبرة سليم الخوري

*أكثر ما يهدد عهد عون هو اتهامات السياسيين لصهره بأداء دور سليم الخوري في عهد شقيقه بشارة
*أحداث 29 كانون2 تشبه 6 شباط 1984 والخطر في حماقات تفجر برميل البارود الكامن تحت قشرة الاستقرار
*البلد يعيش أزمة تفسير الطائف ومحاولات تكريس أعراف جديدة لاستعادة صلاحيات من جمهورية 43
*الأزمة مفتوحة والأخطر هو تعرض ستاتيكو الاستقرار لهزات قاسية وصعبة
*سقوط مصطلح حليف الحليف وحزب الله لم يعد قادراً على النأي بنفسه عن خلاف حليفيه

تظاهرات حركة امل ردا على تصريح جبران باسيل – احتجاجات 29 كانون الثاني: رسائل من العيار الثقيل

المأساة تكمن في ان التجارب تكرر الناس وليس العكس. وأقرب تفسير للعقل لهذه المقولة هو ان البلد لا يقرأ. لقد ترك عهد بشارة الخوري وراءه عبرة للعهود الرئاسية المارونية التالية، وهذه الأخيرة التزمت بمراعاة هذه العبرة بشكل حرفي. وتقول هذه العبرة ان سليم خوري خرب عهد شقيقه بشارة الخوري. لقد اتهم سليم بأنه استغل سلطة رئاسة الجمهورية، وانه استعمل اسم فخامة الرئيس بشارة الخوري من أجل مصالحه الخاصة.
جاء بعد عهد بشارة الخوري ثلاثة عهود رئاسية، والمشترك بينها ان فخامة الرئيس ليس له قريب أو إبن يسي الى عهده ويستغل مقعد الرئاسة الأول. كميل شمعون لم يسمح لأحد من أقربائه بأن يتدخل بشؤون القصر أو أن يستغل مقام الرئاسة الاولى. وفؤاد شهاب والياس سركيس لم يكن لهما ولد ولا تلد.

الرئيس نبيه بري: رفض العودة لجمهورية الـ43

أكثر ما يهدد عهد الرئيس ميشال عون اليوم هو ان طيفاً كبيراً من السياسيين وحتى من القوى السياسية يتهم صهره الوزير جبران باسيل بأنه يؤدي داخل عهده، دور سليم خوري في عهد شقيقه بشارة الخوري. وأن باسيل يتصرف بوصفه الرئيس الظل، وان نبوءة الرئيس نبيه بري تحققت حينما قال لعون عندما جاء يطلب تأييد ترشيحه لرئاسة الجمهورية: هل تريد مني ان أؤيد مرشحَيْن لرئاسة الجمهورية. أي ميشال عون وجبران باسيل!!.
لا شك ان نهايات عهد بشارة الخوري توشك ان تصبح في وقائعها بدايات عهد الرئيس ميشال عون. وهناك من السياسيين المخضرمين من يعتقد ان بدايات عهد ((الرئيس القوي)) تشبه نهايات عهد الرئيس كميل شمعون، التي قادت البلد لأزمة العام 58.
وبغض النظر عن الأسباب التي قادت الى أحداث يوم 29 كانون الثاني/يناير الماضي، إلا انها أعادت أجواء البلد الى حدثين اثنين لهما ذاكرة عميقة في تاريخ السلم البارد اللبناني: الحدث الأول هو أحداث 6 شباط/فبراير عام 1984 حينما انتفض الشارع الاسلامي على الرئيس أمين الجميل.
والحدث الثاني هو ((بوسطة عين الرمانة)) عام 1975، التي أدت حماقة لتفجير برميل البارود الكامن تحت قشرة صغيرة من الاستقرار النسبي.
لم يعد يجدي الاختباء وراء أصبع انه لا يوجد خلاف عميق في البلد بين العهد وبواجهته صهر قصر بعبدا، وبين قصر عين التينة الذي بناه الرئيس حسين الحسيني حتى يصبح للرئيس الشيعي الثاني مقره بالتوازي مع مقري الرئيسين الأول الماروني والثالث السني.

الرئيس عون: بين بدايات عهده ونهايات عهد شمعون

ومن الواضح ان الرئيس بري يرى ان باسيل ينجرف في لعبة وهم استعادة المارونية السياسية للمسيحيين وليس استعادة حقوق تم انتقاصها للمسيحيين. وباسيل من جهته يعتقد ان رئيس المجلس النيابي هو حجر عثرة أمام حلمه الشخصي بالوصول الى رئاسة الجمهورية.
وفي ذهن باسيل ان مصطلح الرئيس القوي سيترك انطباعاً لدى اللبنانيين بأن العهد العوني هو سلالة رئاسية له ولأشخاص ستكمل نهجه، تماماً كما ان فؤاد شهاب صنع خلال عهده سلالة من الرؤساء الشهابيين اتصلت منه الى شارل حلو فالياس سركيس.
والواقع ان كل المشكلة الراهنة تكمن في أن البلد يعيش مناخ أزمة تفسير الطائف، مما يجعله يتفاعل سياسياً ضمن مواصفات صراع العقد الأخير من جمهورية الـ43. وهذا الواقع يفرض ضرورة البحث عن مبادرة إنقاذ للسلم الأهلي، قوامها الذهاب لتفسير الطائف، بحيث يتم وضع نقطة مقروءة بين كل صلاحية وأخرى من صلاحيات الطوائف فيه.
ضمن هذا السياق يقع الخلاف على التوقيع الشيعي الثالث في السلطة الاجرائية، ويقع الخلاف على ((ثروة الاغتراب)) و((ثروة الغاز)) وثروات أخرى يتم النظر إليها بوصفها هي مستقبل البلد في الاقتصاد وفي توزيع الثروة والصلاحيات عليها.
لا شك ان ما قبل يوم 29 الشهر الماضي هو ليس كما قبله. فبعد هذا اليوم ولدت حقائق سياسية جديدة سترخي بظلها القاتم على معادلة الاستقرار النسبي السياسي والأمني والخاص بالعهد. ويمكن تلخيص هذه الحقائق بالتالي:
أولاً – بات واضحاً أن العلاقة بين حزب الله وحليفه العوني استنفدت كل قدرات أعصاب الطرفين على ضبط النفس تجاه بعضهما البعض. ولم يعد ممكناً استمرار تفاهم كنيسة مار مخايل من دون جلوس الطرفين وراء طاولة مستديرة للتدقيق في الثغرات العميقة التي تعرض لها هذا التفاهم، خاصة لجهة كيفية إنقاذ علاقات التيارين البرتقالي والاصفر تحت سقف الطائف.
ثانياً – مصطلح حليف الحليف الذي يتم به التأشير الى علاقة ((أمل)) شريك حزب الله بالتيار الوطني الحر، لم يعد صحيحاً. ولم يعد صحيحاً أيضاً ان حزب الله يمكنه النأي بنفسه عن خلاف أمل – التيار الحر، ذلك ان بري يمثل بهذا الخلاف حصة الشيعة داخل كعكة النظام، وباسيل يمثل طموحات ما يسميه الرئيس القوي داخل نظام الطائف, ويسعى لتجاوزه من خلال تكريس أعراف بات القاصي والداني يعرف ماهيتها ومؤداها.

جبران باسيل: هل هو سليم الخوري الجديد؟

ثالثاً – بات واضحاً ان الاتفاق على الاستراتيجية الكبرى بين التيار الوطني وحزب الله يمكن ان يتهاوى بفعل الخلاف على لون غرفة الصالون في بيت الطائف الداخلي. وعليه صار خطأ القول ان الاتفاق على العام والاقليمي يحمي الخلاف على الداخلي والمحلي.
رابعاً – الطائف وتفسيره موجود اليوم في أزمة، ولم يعد ممكناً الاستمرار تحت سقفه من دون حسم إشكالات عالقة فيه لها صلة بمحاصصة الطوائف ولها صلة بوجوب قطع الشك باليقين بخصوص ان الطائف شيء كنظام للحكم وجمهورية الـ34 شيء آخر تماماً.
خامساً – العهد يحتاج للإقتناع بأن عبرة سليم الخوري وصلت إليه، وأن المطلوب إعادة عقارب الساعة في قصر بعبدا الى توقيت الطائف حيث ساعة مجلس الوزراء مجتمعاً هي المعتمدة لتوقيت رسمي وسياسي محلي.
ولم تعد المسألة تقتصر على اعتذار يقدمه باسيل اليوم لبري, وهو ما استفز شرائح واسعة من اللبنانيين وليس فقط جمهور رئيس حركة ((أمل)), بل باتت بعد احتجاجات الاثنين الماضي في دوائر جديدة يبدو واضحاً ان التيار الوطني الحر بقيادته الحالية ومن يقف خلفه لم يقرأوا ما تضمنته من رسائل عميقة ومن العيار الثقيل, كما يشير بيان النائب ابراهيم كنعان بإسم تكتل النواب العونيين والكلام عما سمي التسامح وما شابه, وكأن ما حدث لم يقرأ جيداً سواء من خلال التحركات الاحتجاجية على الارض أو من خلال ردود الفعل السياسية الواسعة التي صدرت استنكاراً لكلام باسيل عن بري.
فأقل ما يمكن قوله في الخلاصة هو ان الأزمة ستبقى مفتوحة, الى أجال لا يستطيع أحد التكهن بموعد انتهائها, مع كل ما يمكن ان يحمله ذلك من إشكاليات لا بد انها ستتلاحق مهددة بتعريض الستاتيكو القائم لاختبارات قاسية وصعبة لن يكون من السهل التعاطي معها أو تجاهلها أو المكابرة في وجهها.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *