ايران انقلب السحر على الساحر مرتين

ايران انقلب السحر على الساحر مرتين

أما وقد هدأت سلسلة التظاهرات في عدد من المدن الإيرانية ابتداءً من التظاهرة التي انطلقت في مدينة مشهد المقدسة والتي لحقتها عدد من المدن الإيرانية ومنها العاصمة طهران، فإن قراءة هادئة للتطورات الإيرانية تبدو ضرورية للمتابعين لأوضاع الجمهورية الإسلامية.

إن مدينة مشهد الإيرانية تضم مرقد الإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة الشيعة الإثني عشرية في العالم، ويتوافد إليها في العام أكثر من ٢٥ مليون زائر من مختلف المدن الإيرانية وكافة أقطار العالم، ولذا فإن انطلاق شرارة التظاهرات من هذه المدينة تبين حقيقة الأوضاع التي أدت بسرعة قياسية إلى التطورات التي تمّ تطويقها بسرعة من قبل من حرّكوها هم أنفسهم.

مجلة الشراع 5 شباط 2018 العدد 1835

 التحضيرات

منذ ترشح السيد محمد خاتمي لانتخابات الرئاسة عام ١٩٩٧ بدأت المعركة الحامية ضده وضد التيار الذي سانده والذي سمّي فيما بعد بـ(( الإصلاحيين))، وكان رأس الحربة في مواجهته وانصاره على مستوى محافظة خراسان إمام جمعة مدينة مشهد السيد أحمد علم الهدى، لكن المشرف على العتبة الرضوية والمعين من قبل الإمام الخميني بعد انتصار الثورة مباشرة الشيخ واعظ طبسي كان يساند الشيخ أكبر رفسنجاني والسيد خاتمي وبقي هكذا حتى آخر لحظة من حياته.

وبعد أن تمّ انتخاب خاتمي رئيساً للجمهورية وعلى خلاف توقعات ((الأصوليين)) الذين بذلوا قصارى جهدهم للمجيء بالشيخ علي أكبر ناطق نوري، كانت الحرب الشاملة على ((التيار الإصلاحي)) بزعامة خاتمي، ولم يمضِ يوم من السنوات الثماني دون أن يضعوا أمامه عراقيل ويفتعلوا أزمات داخلية وأمام الخارج، وكان السيد علم الهدى من خلال خطب الجمعة التي يلقيها في الروضة الرضوية يهاجم بمناسبة وبغير مناسبة السيد خاتمي والتيار المؤيد له.

ولما استطاع خاتمي تجاوز العراقيل والتغلب على الأزمات وتمكن من الفوز في الدورة الثانية بأصوات أكثر مما نال في الدورة الأولى اشتد غضب خصومه، لكنهم قرروا الاستعداد لمرحلة ما بعد خاتمي فهيأوا شخصاً سليطاً يمكنه بالشتائم والسباب والتظاهر بالزهد والتواضع أن يقوم بتشويه صورة رموز الثورة الإسلامية الأساسيين وعلى رأسهم المرحوم الشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني وتوجيه مختلف الإتهامات إليه فكان ذلك هو محمود أحمدي نجاد، فأتوا به أولاً رئيساً لبلدية طهران، ومن هناك بدأ توزيع الأموال استعداداً لمرحلة الإنتخابات الرئاسية، وكانت وسائل الإعلام مسخرة له وتلمّع صورته وتبرز خطواته على صعيد العاصمة.

تظاهرات الفقر اجتاحت ايران

وما أن لاحت في الأفق ملامح الإنتخابات الرئاسية حتى تكاتف ((الأصوليون)) ومعهم جميع الأدوات الإعلامية لتسويق أحمدي نجاد في مواجهة الشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني الذي كان قدم أوراق ترشيحه لرئاسة الجمهورية للمرة الثانية، وصوّروا الشيخ بأنه المدافع عن الطبقة البرجوازية والأثرياء فيما شبّهوا احمدي نجاد بالرئيس الراحل محمد علي رجائي المساند للفقراء (والذي تبوأ السلطة بعد عزل الرئيس أبو الحسن بني صدر من جانب مجلس الشورى الإسلامي، في بدايات سنوات تأسيس الجمهورية الإسلامية في ايران)، وأعلن أعضاء في مجلس صيانة الدستور، وقيادات في الحرس الثوري، تأييدهم العلني لأحمدي نجاد في مخالفة صريحة للدستور إضافة إلى أئمة الجمعة في كثير من المدن.

تظاهرات الفقر اجتاحت ايران

وما أن انتهت عمليات التصويت، واطمأنوا لفوز احمدي نجاد، وقبل إعلان النتائج النهائية الرسمية أقام ((الأصوليون)) الأعراس وبدأوا بكيل أقبح الشتائم للطرف ((الخاسر))، وشنوا أشرس حملات التشهير بالسيد خاتمي والشيخ رفسنجاني رسمياً.

مضت الدورة الأولى لمدة ٤ سنوات من رئاسة احمدي نجاد، وهو مدعوم ومزكّى من كافة الأطراف التي ساندته، وتمّ اختراع مناقب عديدة له حتى جعلوه بمنزلة ((شعيب بن صالح)) الذي ورد اسمه في بعض الكتب، أنه من قواد المهدي المنتظر، وتم طبع كتاب بالعربية بهذا الإسم في بيروت، وهو أيضاً أضاف على هذا حيث ادعى أن هالة من النور كانت تحيط به أثناء إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ما أدى الى انبهار الحاضرين في القاعة.

وكانت تصرفاته الشاذه كلها تجد التبرير من جانب مؤيديه خصوصاً وقوفه في وجه قرارات السلطة التشريعية والقضائية، بل وكان يتهم مراراً قرارات مجلس الشورى الإسلامي المصادق عليه من مجلس صيانة الدستور بغير القانونية، ويرفض المشاركة بصفته رئيس الجمهورية في اجتماعات مجمع تشخيص مصلحة النظام برئاسة الشيخ رفسنجاني قائلاً: ان المجلس المصرّح به في الدستور الإيراني ((غير قانوني)).

ومنذ انتخابه أراد تعيين المنظّر لتوجهاته رحيم مشائي نائباً له، وهو بمنزلة رئيس الوزراء، وبعد إصرار من السيد علي خامنئي على رفض هذا التعيين، واضطراره لإعلان موقفه خطياً، عينه احمدي نجاد رئيساً لمكتب رئيس الجمهورية، وأعطاه من الصلاحيات ما جعل نائبه الأول رحيمي خاضعاً كلياً لمشائي.

ومن الطرف الآخر فإن ((الإصلاحيين)) قبلوا الواقع، وتعاملوا معه رغم أن الشيخ رفسنجاني أعلن في رسالة بعد إعلان فوز نجاد أنه لم يعد يجد حَكَماً يشكو إليه، ما لحق به من ظلم في هذه الدنيا وسوف يعرض ظلامته أمام الله يوم القيامة.

وبدأت الاستعدادات للدورة الثانية لانتخابات رئاسة الجمهورية، وترشح السيد محمد خاتمي وقام بجولات في عدد من المدن، وكانت الحشود تؤيده حيثما حضر، معلناً أمامها أنه إذا ترشح مير حسين موسوي فإنه سينسحب لصالحه، وهكذا كان وصبّ السيد خاتمي جهوده لدعم موسوي، وكذلك فعل الشيخ هاشمي رفسنجاني، وكانت الإنتخابات التي قسمت الشارع الإيراني بشكل واضح، فكان من جهة أنصار كروبي وموسوي، وفي الطرف الآخر كانت كافة القوى المستفيدة مادياً من استمرار رئاسة احمدي نجاد، حيث أغدق طوال فترة رئاسته الأولى الأموال الكثيرة على أطراف وشخصيات عديدة، على أن يضمن دعمهم وولاءهم له.

وأعلن فوز احمدي نجاد قبل إعلان النتائج رسمياً من قبل وزارة الداخلية الإيرانية كما في الدورة الأولى، وكان الطعن بالنتائج المعلنة من قبل كروبي وموسوي، وسارت مسيرات شعبية كبيرة في مختلف المدن مظهرة الدعم لرئاسة موسوي، لكن كان الإصرار من الطرف الآخر على قانونية فوز احمدي نجاد في الدورة الثانية بأكثرية أصوات الناخبين.

وفي هذه المرحلة، استعملت كافة الوسائل والأدوات والإمكانات لسحق المرحوم الشيخ رفسنجاني، علماً أنه كان حينذاك رئيساً لمجلس خبراء القيادة، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام وإمام جمعة العاصمة طهران، وأدى استمرار الشحن ضد الشيخ هاشمي إلى حد وصفه بـ((المنافق)) أثناء إلقائه خطبة الجمعة وذلك من قبل عدد من المتواجدين في الصفوف الأمامية المكلفين من الحرس الثوري والذين هم من الذين يُسمح لهم بالجلوس بناءً على بطاقات خاصة تصدر من جانب لجنة تشرف على ترتيبات صلوات الجمعة في كافة أنحاء ايران، واحتراماً لموقع صلاة الجمعة امتنع بعد ذلك الشيخ رفسنجاني عن الاستمرار في إمامة الجمعة حتى مماته.

أما بالنسبة للسيد محمد خاتمي، فقد سخّروا اعداداً من الغوغائيين لترديد الشعارات ضده حيث كان يحضر في المناسبات العامة، مما اضطره إلى الابتعاد عن التظاهرات مثل يوم القدس العالمي ومسيرة ذكرى انتصار الثورة الإسلامية تجنباً لتطاول الحفنة القليلة عليه، وكذلك تمّ التعامل مع المرشحين المنافسين الشيخ مهدي كروبي ومير حسين موسوي، ثم تقرر تحديد حركة السيد خاتمي بدعوى حمايته، و فُرضت الإقامة الجبرية على كروبي وموسوي للحؤول دون تواصلهما مع الجمهور.

ونتيجة التهاب الشارع، ودعوى التلاعب بأصوات الناخبين وتأمين الفوز لأحمدي نجاد، سارت تظاهرات في مختلف المدن الإيرانية، فكانت المواجهات التي أدت إلى وقوع جرحى وقتلى كل طرف يتهم الآخر بالتسبب به، وكرد فعل على التظاهرات المؤيدة لموسوي وكروبي تمت الدعوة لتجمع جماهيري مضاد في أحد ميادين العاصمة طهران واستُقدم إمام جمعة مشهد السيد علم الهدى ليكون الخطيب، ومن على المنبر شنّ أعنف هجوم على موسوي وكروبي وأنصارهما ووصفهم بأقبح الأوصاف.

وأصبح السيد احمد علم الهدى علماً في إطلاق المواقف المتطرفة، سواء من خلال خطب الجمعة، أو أثناء إلقائه الدروس الدينية، ولا يكاد يمرّ يوم دون موقف منه وردود أفعال عليه.

الشيخ حسن روحاني: أرادوا التضحية به فخرج رابحاً

 بداية المعركة

لما ترشح الشيخ حسن روحاني لرئاسة الجمهورية، مدعوماً من الشيخ رفسنجاني والسيد خاتمي تصدر السيد احمد علم الهدى المعارضين له، واستعمل كل إمكاناته وعلاقاته على مستوى المحافظة وخارجها لمواجهة الشيخ روحاني، لكن روحاني نال أكثرية الأصوات في الدورة الأولى بنسبة ٥١٪، فخرج السيد علم الهدى بمقولة ((الرئيس الفائز بالمليمتر)) للإستخفاف بالفوز، علماً بأن قاعدة الانتخابات تقول بالقبول بفوز من ينال ٥٠+١ والتسليم بالأمر من جانب الخاسر.

وبقيت المواقع التابعة لـ((الأصوليين صامتة)) لمدة يومين ولم تكتب خبر فوز روحاني على صفحاتها، وما زاد في الطين بلّة أن الشيخ روحاني أصرّ على توجيه الشكر للشيخ رفسنجاني والسيد خاتمي أثناء إلقائه خطاب الفوز مباشرة على الهواء بعد اعلان النتائج، ولما حاولوا ثنيه عن ذلك ربط بين تقديم الشكر علناً للرجلين او إلغاء الخطاب من أساسه، فقبلوا على مضض ذلك، وللمرة الأولى ورد اسم السيد محمد خاتمي في التلفزيون الرسمي بعد سنوات عديدة.

لكن وضع العراقيل أمام رئيس الجمهورية الجديد، بدأ منذ اليوم الأول لتسلمه مقاليد الحكم، حيث ورث من الحكومة السابقة خزينة فارغة وحكومة مستدانة بآلاف مليارات التومان للمصارف وصناديق الضمان، ومن جهة أخرى كان الحظر الإقتصادي الخارجي ومنع التعامل الدولي مع المصارف والشركات الإيرانية بقرارات أممية وأميركية وأوروبية، وكذلك تدهور أسعار النفط.

وبدل أن تتضافر الجهود من كافة الأطياف لدعم حركة الرئيس الجديد، للتغلب على الصعوبات اتفق خصوم روحاني الخاسرون على استعمال كافة الإمكانات والوسائل لإفشال مخططاته وعرقلة مشاريعه وإلهائه في معارك هامشية تزيد من الأزمات الموروثة من حكومة أحمدي نجاد.

ورغم تكشف مدى الفساد المستشري في مختلف زوايا حكومة نجاد، وإدانة القضاء المتساهل طوال سنوات حكمه لأقرب معاونيه وإيداعهم السجن، لم يجرؤ الذين وقفوا معه وساندوه وعلى رأسهم السيد علم الهدى أن يقولوا كلمة واحدة عن اعتذارهم للشعب بسبب موقفهم المساند للرجل الذي بان للجميع انحرافه وعدم اعتقاده بمبادئ الثورة الإسلامية وولاية الفقيه ووقوفه الصريح ضد قرار السيد علي خامنئي، وانكفائه عن ممارسة واجباته الرئاسية لمدة 11 يوماً احتجاجاً، بل جاءت المواقف متهربة والقول بأن الإنحراف جاء طارئاً على احمدي نجاد في الدورة الثانية لرئاسته، وأنه كان انساناً سوياً لما صبوا الأصوات لصالحه، رغم أن مير حسين موسوي والشيخ مهدي كروبي أكدا في المناظرات أثناء الحملات الانتخابية، حقيقة شخصية الرجل وبأنه يمارس الكذب والدجل.

أحمدي نجاد كادوا يطيحون بالدولة من أجل رئاسته ثم وجدوه خائناً

وقبل سنة من انتهاء الفترة الرئاسية الأولى، بدأت تهيئة الأجواء والقول بأن الشيخ حسن روحاني سيكون اول رئيس لدورة واحدة في الجمهورية الإسلامية، وإلصاق مختلف التهم به وخصوصاً فيما يتعلق بالإتفاق النووي بين ايران والدول ٥+ ١ حيث اتهموه بالخيانة والتواطؤ مع أميركا رغم تأكيد خامنئي مرات عديدة أنه على اطلاع كامل على تفاصيل المحادثات، وأنه يثق بإيمان وكياسة أعضاء الفريق الإيراني المفاوض، وصاروا على سبيل المثال يهاجمون اتفاقيات ايران مع الشركات الأوروبية والأميركية لشراء عدد كبير من الطائرات المدنية لتجديد الأسطول الإيراني، والذي يعود عمر الطائرات فيه لأكثر من ٣٠ سنة، فيما تستعمل شركات الطيران طائرات أخرى مستأجرة ومستعملة وقديمة استقدمت إلى ايران بأثمان باهظة بسبب الحصار المضروب على البلاد، والحجة في ذلك أن شراء هذه الطائرات يفيد اليد العاملة في أميركا وفرنسا، ولا يستعمل هذه الطائرات سوى قليل من الشعب الإيراني.

وبعد وفاة الشيخ طبسي، الذي كان صمام الأمان في محافظة مشهد لوقوفه في خط الاعتدال وتعيين السيد إبراهيم رئيسي صهر السيد علم الهدى مكان الشيخ طبسي، من قبل خامنئي وتعيين السيد علم الهدى ممثلاً للولي الفقيه في المحافظة إضافة لكونه امام الجمعة صار المجال مفتوحاً بالكامل أمام الثنائي العم والصهر لاتخاذ المواقف المتطرفة من دون حسيب.

ورغم أنه لم يمضِ سوى أشهر معدودة على تعيين السيد رئيسي مشرفاً على الروضة الرضوية، ورغم تحذير المخلصين والمقربين منه من الدخول في معمعة الإنتخابات الرئاسية والاهتمام بأمور مقام الإمام الرضا، والموقوفات الكثيرة في أنحاء ايران ومختلف دول العالم، وأن شرف خدمة الإمام الرضا أهمّ بكثير من منصب رئاسة الجمهورية، على فرض فوزه، لكنه ترشح للإنتخابات ووقف جميع الذين ساندوا احمدي نجاد في الدورتين خلف السيد رئيسي مستعملين الأدوات كافة حتى التي لها علاقة بالإمام علي الرضا لكسب الأصوات، لكن رغم غياب المرحوم الشيخ هاشمي رفسنجاني، واقتصار دعم روحاني على السيد محمد خاتمي، جاءت نتائج الإنتخابات في الدورة الثانية أيضاً مخالفة لتوقعات ((الأصوليين))، ونال الشيخ روحاني نسبة أعلى من أصوات المقترعين، وخسر السيد رئيسي بفارق كبير من الأصوات، وكانت الصدمة قوية لدى مؤيديه، وبدأوا بكيل الشتائم للذين صوتوا لروحاني ووصمهم بمختلف النعوت القبيحة، وتباهى ((الأصوليون)) وعلى رأسهم السيد علم الهدى بأن نسبة أصوات الشيخ روحاني في محافظة خراسان كانت أقل وجعل هذا دليلاً على قبول الشعب في هذه المحافظة على الأقل بتوجهاته، خاصة وأن لائحة النواب التي فازت في مدينة مشهد كانت أيضاً لـ((الأصوليين))، لكن في الإنتخابات البلدية التي أعقبت الإنتخابات الرئاسية والنيابية، فازت لائحة الإصلاحيين بالكامل، وفي الجلسة الأولى لمجلس البلدية الفائز تمّ وضع صورة الشيخ روحاني لأول مرة في دائرة رسمية في مشهد، وهنا قامت قيامة السيد علم الهدى ومؤيديه فتذرعوا بأن امرأة عضو في المجلس البلدي الجديد, لا ترتدي الشادور فمنعوها من حضور اجتماع في أحد المساجد مما اضطر الأعضاء الباقين للتضامن معها والخروج جميعاً من المكان.

علي خامنئي أيد نجاد.. وندم

ومع فوز ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة، وعلى أمل التخلص من الإتفاق النووي كما وعد في حملاته الانتخابية، تقاطع هذا الموقف مع توجه المعارضين لروحاني، وصاروا يقدمون الذرائع لترامب ليقوم بتصعيد الموقف ضد ايران، وساهموا في تأليب الرأي العام الأميركي ضدها بعد أن هدأت الحملة إلى حد كبير على أثر المفاوضات والإتفاق النووي، لكنهم لما رأوا أن الرئيس الأميركي رغم مهاجمته الإتفاق ووصفه بالسيىء، إلاّ انه أعلن التزامه به، وتخلى عن ((تمزيقه)) كما وعد في حملته الانتخابية، استغلوا سوء الأوضاع الاقتصادية بفعل الموروث من حكومة احمدي نجاد لتأليب الرأي العام ضد الشيخ روحاني، وتحميله مسؤولية تردي الأوضاع وصار ((الأصوليون)) ينفخون في بوق الغضب الشعبي ويهيجون الرأي العام ويطالبونه باتخاذ موقف من الحكومة، فكانت الإنطلاقة من مدينة مشهد حيث ان علم الهدى ورئيسي يحرضان كل يوم وفي كل مناسبة ضد روحاني وفريقه، فيتمّ استغلال أمر له علاقة بتنظيم السير في عدد من الشوارع في المدينة لتجييش أصحاب المحلات المتضررة وحضّهم على التظاهر.

رفسنجاني: أنجح نجاد فشكا الشيخ أمره إلى الله

ولما نزلت التظاهرات ابتداءً من ((ميدان شهدا)) تغاضت عنها القوى الأمنية، حتى اقتربت كثيراً من الروضة الرضوية، وقامت بتغطيتها وسائل الإعلام الرسمية لكونها كانت تنادي بـ((الموت لروحاني)).

لكن بعد خطوات من بدء المسيرة، اندسّ بين المتظاهرين عناصر تعارض النظام من أساسه وارتفعت شعارات مناهضة للسيد خامنئي وتطالب بإسقاط الجمهورية الإسلامية، وتحركت الأدوات الإعلامية لتسليط الأضواء على التحركات في بعض المدن الإيرانية.

وفي خضم التظاهرات التي تطالب بإسقاط النظام نرى خصوم روحاني يطالبون باستقالته وبانتخابات مبكرة على أمل أن يكون لهم حظ في نيل رئاسة الجمهورية من بعده، وهنا انقلب السحر على الساحر، وهم الذين حرّضوا الناس على التظاهر، وصاروا أمام واقع خطير وهو التطاول على رأس النظام وحتى المقدسات الدينية من قبل المندسين كشعار ((لا اسلام لا قرآن روحي فداء لإيران)) وكذلك القيام بحرق بعض المساجد والحسينيات والتعدي على عدد من المراقد الدينية وتمزيق المصاحف، عند ذلك بدأوا  بالتصدي للمتظاهرين والتعامل معهم بحزم، واضطروا ولأول مرة رفع الحظر الرسمي عن اذاعة بيانات ((الإصلاحيين)) فأذاع التلفزيون الإيراني في نشرة الأخبار الرئيسية بيان ((مجمع روحانيون)) الذي يرأسه السيد خاتمي حول الأحداث.

خاتمي الأقوى في إيران رغم انه ممنوع من الظهور

ولا ندري ماذا سيفعل خصوم روحاني بعد فشلهم هذه المرة أيضاً؟

لكن يمكن القول في النهاية أن الأحداث الأخيرة جعلت خصوم روحاني يندمون على ما قاموا به من تحريض الشارع عليه اقتصادياً.

لكن لم يتوقف أعداء روحاني رغم التكلفة الباهظة لحملتهم عن الخطط لإفشال عهده بل استعملوا هذه المرة سلاح اللعب بالقيمة الشرائية للعملة الإيرانية مقابل الدولار الأميركي من خلال محلات الصيرفة الكبرى التي يملكونها في طهران والإمساك بـ((البازار)) ثم اتهام فريق روحاني بالفشل في ضبط الأسعار لتعميم النقمة على الحكومة من جهة، وتهييج جوّ في وسط العلماء والحوزة العلمية بذريعة إهانته لمعتقدات الشيعة الإمامية رغم انفضاح كذب ما نُسب إليه من جهة ثانية، والإنطلاق من ذلك للمطالبة بعزل روحاني من عضوية مجلس خبراء القيادة وإقالته من رئاسة الجمهورية بحجة الخروج عن المسلّمات الدينية.

 

 

 

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *