أسرار وخلفيات يوم 29 كانون الثاني 2018: حرب عونية لإزاحة بري / كتب حسن صبرا

أسرار وخلفيات يوم 29 كانون الثاني 2018: حرب عونية لإزاحة بري / كتب حسن صبرا

مجلة الشراع 5 شباط 2018 العدد 1835

*تكسير الرؤوس ثقافة عونية بدأها عون بالتهديد بتكسير رأس حافظ الأسد.. وضرب المسمار الأخير في نعشه
*رفض بري انتخاب عون رئيساً قائلاً له مباشرة: إذا انتخبتك للرئاسة فإنني كمن ينتخب رئيسين اثنين أنت وجبران
*حزب الله أبلغ بري بعد انتخاب عون.. يبدو اننا انتخبنا باسيل للرئاسة
*في القصر الجمهوري دعوات لتكون دورة 2018 آخر مرة يرأس فيها بري مجلس النواب
*مبعوثو عون وجماعاته في الخارج أبلغوا كل مسؤول غربي التقوه انه آن الأوان لانتخاب رئيس جديد لمجلس النواب في لبنان
*تصريحات باسيل عن إسرائيل أقلقت حزب الله كثيراً.. لكنه تجاوزها من أجل التغطية التي يوفرها عمه للحزب
*النائب أمل حكمت أبو زيد طلب من الروس مساعدة عون على التخلص من نبيه بري في موقع رئيس مجلس النواب
*سعد الحريري نقل لبري مسعى أبو زيد في موسكو
*بري زار طهران مرتين كي يطمئن إلى موقف مرشدها ورئيسها

يبدو ان تكسير الرؤوس هذه ثقافة عونية، ألم يعلن قائد الجيش (يومها) ميشال عون انه سيكسر رأس حافظ الأسد، وأنه سيدق المسمار الأخير في نعشه؟
نعم وهو نفسه الذي أرسل إلى الأسد الأب انه يفتخر أن يكون جندياً في جيشه (هذا موثق وذاك أيضاً).

هذه الثقافة يلتزم بها صهر الجنرال الصغير فيقول ان نبيه بري ليس من يكسر رؤوسنا، بل نحن الذين نكسر رأسه، ويقول قائل انه مثلما ذهب عم الطفل المعجزة كما أسماه النائب بطرس حرب في مؤتمر صحافي إلى سورية مبايعاً بشار الأسد حامي المسيحيين في الشرق (وهو أي الأسد هجّر 11 مليون سوري 90% منهم من المسلمين) فإن هناك رهاناً على ان جبران باسيل سيذهب إلى نبيه بري يوماً ما يستنجد به كي يؤيده مرشحاً لرئاسة الجمهورية!!

كثيرون كتبوا ان الكيمياء مفقودة ما بين بري وعون.. لكن هؤلاء سيكتشفون ان الكيمياء لم تمر يوماً بين بري وصهر عون الصغير، ودليل ذلك مباشر ومعروف، وهو ان رئيس مجلس النواب أبلغ المرشح الأوحد لرئاسة الجمهورية أواخر أيام شهر تشرين الأول/اكتوبر 2017 أي ميشال عون انه لم يؤيده في انتخابات الرئاسة التي جرت يوم 31 من الشهر نفسه، لسبب جوهري هو انه إذا انتخبه رئيساً فهو عندها ينتخب رئيسين والثاني هو صهره جبران..
هذا الأمر بات معروفاً، لكن غير المعروف هو ان هناك في حزب الله من أبلغ بري: انك أنت امتنعت عن انتخاب عون حتى لا يكون للبلد رئيسان، ونحن انتخبنا جبران باسيل عندما انتخبنا عون)).
لم تجمع الكيمياء بين بري وعون وبري وباسيل وإن كان الطرفان اتفقا على مصلحة مشتركة بينهما هي النفط حيث حصل باسيل بموجب اتفاق الطرفين على مربعات الشمال، وحصل بري على مربعات الجنوب وجرى التحضير للإفادة الشاملة عند بر البترون وبر صور.

بري في طهران مع خامنئي للإطمئنان على رئاسته

خارج مربعات المصلحة، فإن حزب الله كان الأكثر حساسية من مواقف وتصريحات باسيل..
لقد كان مفهوماً أن يختلف بري مع باسيل في السياسة، وأن يتفقا في النفط، لكن أن يختلف الصهر مع حزب الله فهذا ليس معروفاً أو منطقياً في السياسة، حتى لو لم يكن هناك ما يدعو لأن يختلفا في المصالح المادية أو الاقتصادية.
لم يبق مسؤول كبير في حزب الله، سواء كان أمنياً أو نائباً أو سياسياً أو دينياً إلا وسجل اعتراضات عديدة على مواقف وسلوكيات ومحاولات باسيل تكريس مذهبية وطائفية وعنصرية في تصريحاته واقتراحاته لمشاريع انتخابية في القانون الذي استقر أخيراً على مضمون هجين غريب مفصل كي يصل هذا أو ذاك إلى مقعد النيابة.
كانت تصريحات باسيل عن حق إسرائيل في أن تعيش بسلام هي قمة الصدمة السياسية من حليف عادى الحزب معظم قواعده وقواعد المسلمين في لبنان كي يجيء بعمه إلى رئاسة الجمهورية، وفي وقت كان الحزب يبذل جهده كي يعيد إلى أذهان الناس في لبنان مشروعه السياسي الأهم وهو قتال إسرائيل مبرراً كي يحتفظ بسلاحه.. لكأن باسيل في هذا التصريح الغريب يسحب المبرر الوحيد للحزب الحليف ليحتفظ بجيشه الكبير والمسلح حتى النخاع.
كان حزب الله يجد التبريرات الكافية لتمرير تصريحات باسيل المستفزة في عنصريتها، وفي مذهبيتها وفي طائفيتها وهو يحرض المسيحيين ضد الذين سرقوا حقوقهم طيلة عقود! فالحزب لديه مشروع سياسي أوسع من الحرتقات المحلية، وأبعد من حدود لبنان، وأعمق من الانغماس في مواقع الخدمات الآنية أو الوظائف الإدارية.. وكان يكفي لقاء حسين خليل أو وفيق صفا أو محمد رعد مبعوثين من الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله مع ميشال عون لطرح الهواجس أو التخوفات أو لفت الانتباه والتحذير من تصريحات الصهر الصغير.. كي يمرر حزب الله ما يصدر عن باسيل، وأن يقنع نبيه بري ألا يأخذ هذا بمحمل الجد لأن تصريحات باسيل موجهة نحو المسيحيين، وان المعركة هي بينه وبين حزب القوات والكتائب، وخصوصاً الموارنة المستقلين وتحديداً النائب بطرس حرب، فجبران يريد أن ينجح في الحصول على مقعد في البترون ليتمكن من الاستمرار في فتح معركة رئاسة الجمهورية باكراً علّه يصل إلى الرئاسة في حياة عمه وحلفه مع حزب الله وهذه التصريحات والمواقف والبكائيات على حقوق المسيحيين المهدورة هي الوحيدة التي يمكن أن توفر له حظاً في انتخابات البترون النيابية، وطبعاً بعد ما حصل في قانون الانتخاب الهجين.
حزب الله يجد مخارج عديدة لعدم الوقوع في مطبات وتصريحات باسيل، وفك حلفه مع عمه.. أهمها مصلحته السياسية العليا، أما نبيه بري فإنه بعد فقدان الكيمياء هناك المصلحة الشخصية المباشرة، التي يعمل جماعة عون على ذبحها في أكثر من محفل وأبعد من مكان.
من القصر الجمهوري وجد من ينقل إلى الرئيس نبيه بري ان أقرب المقربين من الرئيس عون يقسمون أن يكون مرسوم ترقية ضباط دورة 1994 بداية وضع حد لوقوع أي مرشح مسيحي قادم إلى الرئاسة تحت رحمة رئيس مجلس النواب.. ثم يكون الكلام أكثر حدة من أحد أفراد عائلة عون بأن نبيه بري لن يكون رئيساً لمجلس النواب اعتباراً من نهاية انتخابات 6 أيار/مايو 2018.. وان علي حسن خليل هو آخر وزير مالية شيعي في لبنان طالما عون رئيساً وجبران رئيساً بعده!!
كان يمكن لهذا الكلام أن يمر هيناً على نفس بري، خصوصاً وهو يأتي من سيدة ليس لها صفة سياسية رسمية في الدولة اللبنانية، حتى لو كانت من عائلة رئيس الجمهورية.. لولا ما سبق وعلمه بري من جهود تبذلها جماعة الرئيس خارج البلاد لإقناع من يلزم بأن تكون مدة 26 عاماً كافية لترؤس نبيه بري لرئاسة مجلس النواب.

أمل أبو زيد نائب وتاجر سلاح ومسعى مع الروس ضد بري

من موسكو هذه المرة
لم يبق مسؤول غربي يستقبل مبعوثاً من تيار عون (وزيراً أو مستشاراً أو رجل دين أو رجل أعمال)، إلا وسمع من أي من هؤلاء ضجر لبنان من استمرار نبيه بري رئيساً لمجلس النواب لأكثر من ربع قرن في سنوات متتالية من دون أي تغيير.

كان مبعوثو أو جماعات عون يبلغون مسؤولي الغرب ان لبنان انتخب أربعة رؤساء للجمهورية خلال ربع قرن واختار النواب خمسة رؤساء للحكومات ودخل مجلس النواب عشرات الاسماء الجديدة خلال خمس انتخابات نيابية، وعشرات الوزراء تبادلوا المواقع فيما بينهم.. إلا رئيس مجلس النواب فقد ظل هو نفسه نبيه بري منذ العام 1992 حتى العام 2018.. وهذا يكفي كي يأتي من يخلفه حتى لو كان من حركة ((أمل))..

كان بري يستمع إلى هذه المعلومات تتسرب إليه وكان يعتبر انها أحقاد مكتومة يتم بثها من الصدور خارج لبنان وهو مطمئن إلى ان حلفه الثابت مع شريكه في الثنائية الشيعية هو الذي يؤهله كي يظل رئيساً لمجلس النواب إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله لم ينجح فقط في تثبيته في موقعه كرئيس لمجلس النواب، بل ان السيد نصرالله نجح في حمل مرشحه الوحيد لرئاسة الجمهورية ميشال عون إلى قصر بعبدا، وفي حمل خصمه التقليدي في المذهبية الاسلامية سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة..

أما ما لم يعد بري يتقبله فهو أن يذهب نائب عون عن جزين أمل أبو زيد، وهو تاجر سلاح عقد صفقات عدة مع الروس، باعها لجهات مختلفة في العالم، إلى موسكو كي يطلب من يلتقي بهم من مسؤولين في أجهزة أمنية وعسكرية وسياسية مختلفة في روسيا العمل على إنهاء سيطرة نبيه بري على رئاسة مجلس النواب، عبر الاتفاق مع الأميركان على إيجاد بديل مقبول من الاثنين من جهة.. ثم الاتفاق مع إيران لإيجاد بديل عن بري تقتنع به طهران ويسير به حزب الله في لبنان.. فهذا ما لم يستطع بري هضمه من عدوانية وهجوم جماعة عون ضده.

وقد علم مسؤول تيار المستقبل في موسكو جوزيف شعبان بالأمر فنقله إلى رئيسه سعد الحريري الذي تطوع بحمله إلى بري، ولعل كثيرين لاحظوا ان بري لبـى خلال عدة أشهر دعوتين لزيارة طهران والتقى خلالها المرشد علي خامنئي والرئيس حسن روحاني وكبار المسؤولين الايرانيين.. لكأن الرجل أراد الاطمئنان إلى ان إيران لن تتخلى عنه من أجل أي كان.. وان طهران قادرة على إقناع موسكو بالتمسك ببري رئيساً لمجلس النواب لدورة جديدة قادمة.. فضلاً عن ان أميركا ما زالت تجد في بري ضمانة شيعية معتدلة في موقعه وكذلك دول عربية عدة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الامارات العربية المتحدة.

سعد الحريري نقل إلى بري مطلب جماعة عون في موسكو

ومع هذا
لم ييأس جبران باسيل ولا جماعة عون من إمكانية إزاحة بري عن رئاسة مجلس النواب، وقد فسر بعضهم ترشيح الضابط السابق جميل السيد على لائحة حزب الله عن مقعد شيعي في البقاع بأنه مدخل لتغيير بري ان لم يكن في دورة 2018 فربما في دورة لاحقة لا يعلم إلا الله زمنها.. خصوصاً وان جميل السيد أقرب إلى استخبارات الأسد في سورية من نبيه بري المغضوب عليه من صاحبها.. فضلاً عن ان خبرة السيد الأمنية قد تكون لها الأولوية في الفترة المقبلة.. ربما أكثر بكثير من خبرة نبيه بري السياسية هذا ما يتردد في أوساط تيار عون أمنيات أو وقائع..

السيد حسن نصرالله ما زال قادراً على الامساك بمفاصل الرئاسات الثلاث

غير ان هذه الصراعات الشخصية والمصلحية، ومشكلة فقدان الكيمياء تخفي ما هو أهم في صراع عون – بري وهي معادلة تتكامل مع بعضها رغم التناقض الظاهر في طرفيها.
جبران باسيل يخطب في مجموعة بترونية – مارونية ليكسب ودها مدغدغاً عواطفها في انه يحارب من أجل استعادة حقوق المسيحيين من سارقيها المسلمين وهو يعدد المصالح في الوظائف وفي الادارات وفي الاقتصاد وفي الاغتراب.. ومعركته مع بري هي معركة داخل وعاء واحد في الاغتراب وفي الادارة.. وقد كان مرسوم ترقية ضباط 1994 هو المدخل للحديث عن الرئيس الماروني القوي الذي يرفض الخضوع لتكريس شيعي وزيراً دائماً للمالية، ومن خلال رفض توقيعه واللجوء إلى القضاء الذي يرأسه ماروني، لتوكيد حق رئيس الجمهورية في توقيع مرسوم لا يحتاج إلى توقيع وزير المالية، وخصوصاً مع طرح كلام بأن المرسوم لا يترتب عليه أي صرف مالي من خزينة الدولة؟!

جبران باسيل: تكسير الرؤوس ثقافة تعلمها من عمه ضد حافظ الأسد

وهناك من يقول ان رئيس الجمهورية كان يمكن أن يتجنب هذه الأزمة لو جعل توقيع وزير الدفاع هو إجراء وزاري داخلي لا يحتاج لإصدار مراسيم يوقعها رئيسا الجمهورية والحكومة وتثير عاصفة رفض مع تبعاتها مع رئيس مجلس النواب.. لكن العاصفة كانت مقصودة لذاتها..فقد انتقلت أزمة عون مع السنّة إلى مواجهة مع الشيعة.. والناس كثيراً ما تراجع إسقاطات عون ضد السنّة واستعمال تعابير غير مسبوقة في الحياة السياسية وفي العلاقات الوطنية والشعبية بين جناحي الوطن المسلمين والمسيحيين.. ليصل صهره إلى التهديد بكسر رأس رئيس السلطة التشريعية المنوطة بشيعي وهو رئيس حركة شيعية شعبية منتشرة في قرى الشيعة وأحيائهم في المدن اللبنانية.
من جهة أخرى، استشعر نبيه بري ان جهوده التي بذلها طيلة عقود كي يكون شريكاً شيعياً فعلياً في السلطة وقد كان كذلك.. ستضيع سدى إذا بدأ التنازل أمام الرئيس الماروني (أو رئيس الحكومة السني).

ميشال عون: جبران باسيل أوضح من يعبر عن مواقفه الحقيقية

لذا
يبدو ان معادلات الحكم في لبنان تدور دورتها الكاملة كل عدة عقود.. لكنها هذه المرة ملزمة بالخضوع لقوانين ما كانت سابقاً في لبنان.
عندما احتل الصهاينة فلسطين قال رياض الصلح ان ضياع فلسطين قصم ظهري أمام شريكي في السلطة بشارة الخوري.
وعندما بدا ان نظام بشار الاسد سيسقط أمام ثورة الشعب السوري، شعر الشيعة ان ظهرهم سينكسر إذا سقط شريكهم العلوي التابع لإيران في دمشق.
من جهة أخرى، فإن عواصم عربية عديدة سقطت في حضن النفوذ الايراني.. وبيروت لم تكن بعيدة عن هذا الحضن.. يدعم هذا التوجه الغياب العربي الارادي عن لبنان مع تركه لمصيره الايراني، كما ترك عرب آخرون سورية رهينة عند الايراني والروسي في عداء غير مفهوم للشعب السوري.
بين فلسطين وإيران، بين الصهيونية والمشروع التوسعي الايراني، بين الدعم الأميركي – الروسي المشترك لإسرائيل والتسليم الأميركي – الروسي بالمشروع الايراني، يقف لبنان منتظراً نجدة عربية لن تصل، وخصومات داخلية تهدد مصيره وكيانه عند كل منعطف.

تبادل اتهامات قبل عقود سابقة بين زعيمين من زعماء لبنان الكبار (سابقاً) – جريدة النهار

 

يمكنكم قراءة الموضوع التالي أيضا:

http://alshiraa.com/2018/02/05/كلام-باسيل-الذي-استفزّ-بري/

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *