هل هؤلاء كتبة أم كذبة..؟؟ /بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟!

هل هؤلاء كتبة أم كذبة..؟؟ /بقلم: محمد خليفة

لا أحد منا ينسى أن احتواء السلطة العربية لاتحاد الكتاب العرب لم يبدأ أمس, ولكنه بدأ منذ تأسيسه قبل نصف قرن كمنظمة نقابية وسياسية لاحتواء أهل الفكر والرأي ودمجهم في أجهزة الدولة المتغولة التي توسعت على حساب الحرية والاستقلالية, ولكن الواقعية اقتضت دائماً الحفاظ على قدر من التوازن بين أهل السلطة السياسية والنخبة الفكرية. إلا أن الاجتماع الأخير للمكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب الذي انعقد في دمشق الاسبوع الماضي (13 – 15 ك2/يناير الجاري) كسر التوازن وخرق كل القواعد المقبولة في هذا المجال, وانحاز الى عصابة حاكمة في دمشق ارتكبت من الجرائم ما يوازي جرائم الهولوكست, ويلحق العار بالجنس البشري كله جراء السكوت عليها, فما بالنا بمفكرين وأدباء وكتاب مفترضين ينبغي أن تكون وظيفتهم الأولى في الحياة هي الدفاع عن الحياة وحق الحياة, وإغناء الحياة بالجمال وقيم السلام والوئام والمحبة والتعايش والتنوع والتعدد والديموقراطية في وجه الاستبداد والقتل والارهاب, والدفاع عن الجمال في وجه القبح والدماء, وعن الصدق في وجه التزييف والديماغوجيا, والدفاع عن العقل والمنطق السديدين في مواجهة الطيش والحمق والجنون.

مجلة الشراع 29 كانون ثاني 2018 العدد 1834

لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا بمنتهى الموضوعية ان عصابة دمشق إحتلت موقعاً فريداً في العالم لم تسبقها اليه عصابة أخرى في التاريخ, ولن تلحق بها عصابة أخرى في المستقبل, موقع السلطة الأكثر همجية ووحشية ودموية في التاريخ البشري, ولذلك باتت معزولة عن العالم كله باستثناء روسيا وايران اللتين انحازتا اليها بسبب التشابه العضوي بين الانظمة الثلاثة, ووجود مصالح وأطماع امبريالية للدولتين..

لا غير, أما بقية المجتمع الدولي فيتحاشى مجرد الالتقاء بأي مسؤول في نظام العصابة, لأنه أمر ينطوي على فضيحة أدبية وسياسية, رغم أن عالم السياسة عالم غير نظيف ولا نزيه, وتشيع فيه لقاءات كهذه بين مسؤولي الدول من باب الضرورة. وقد سألت المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا يوماً عن شعوره وهو يصافح بشار الاسد فأجابني بصراحة: لا تظن أنني أشعر بالسرور وأنا أصافحه, فرأيي فيه كرأيك تماماً, أنا أعلم أنه طاغية متوحش, ولكنها ضرورة العمل لحقن الدماء وإنقاذ الابرياء..!

وبناء على هذه الحقيقة الموضوعية التي أجمع العالم المتحضر عليها في السنوات السبع الأخيرة لا يمكن إيجاد أي مبررات أو ذرائع ولو مكيافيلية للكتاب والمثقفين الذين اجتمعوا في دمشق بعد سنوات من المقاطعة.

أما الاكثر فضائحية وعاراً فهو قصائد وخطب المديح المقززة التي تبارى بها بعض هؤلاء المثقفين الانتهازيين في إزجائها لسلطة العصابة المجرمة, وخاصة كلمة رئيس اتحاد الكتاب حبيب الصايغ أو كلمة مراد السوداني (رئيس اتحاد كتاب فلسطين) على أهل السلطة المسؤولة عن قتل شعبها وطرده من وطنه, والمسؤولة عن ممارسة الإرهاب وتغذيته ونشره في لبنان والعراق وتركيا والاردن واوروبا, وقتل أو إغتيال عشرات الكتّاب والمفكرين والأدباء والفنانين والاعلاميين في كل الدول السابقة وغيرها, ومصادرة حريات التفكير والتعبير والكتابة والنشر وإدارة البلاد بقوانين عرفية وإعلان الطوارىء بشكل مستمر لمدة خمسين سنة في أحد أكثر بلدان العرب والعالم إبداعاً وحضارة.

لا نستغرب أن يكيل نضال الصالح رئيس اتحاد الكتاب السوري مدائحه لعصابة دمشق, فهذا جزء من عقد عمله مع السلطة الغاشمة, وبدونها لا يعدو أن يكون واحداً من المثقفين الثانويين في سورية. ولكننا نستغرب أن يشارك في مهرجان دمشق كاتب فلسطيني يفترض أنه يحمل صليب فلسطين الشهيدة ويدافع عن مظلومية شعبه, واحتلال أرضه, لا أن يقف مع طاغية تفوّق على الاسرائيليين في جرائمه, وقدم بلاده طوعاً الى الفرس والروس, وتنازل عن أرضها وسيادتها وكرامة شعبها لهم, وسمح لهم بتغيير هويتها. هذا الكويتب الذي لم يسبق أن سمع به أحد خارج دمشق يتجرأ على القول ان دمشق الأسد هي الآن صوت الحق والحقيقة, ويقول لها طوبى لك في هذه اللحظة الغامرة, يقصد لحظة انتصارها على شعبها, وتدمير الحضارة فيها, وتهجير 14 مليون سوري ليبتكر الأسد شعباً متجانساً بمعاييره, ويتناسى (السوداني) النكرة أن الأسد ووالده أكثر من خدما أهداف اسرائيل في المنطقة, وتواطآ معها في حربها الممتدة على الشعب الفلسطيني.

اتحاد الكتاب العرب

هؤلاء الكتّاب كذبوا على أنفسهم وعلى شعوبهم, وتنازلوا عن ضمائرهم وعطلوا عقولهم وخانوا وظيفتهم الاولى والاساسية إذا كانوا كتّاباً ومفكرين حقيقيين لا ممثلين مزيفين, وأعواناً لأهل السلطة الحاكمة في كل بلد من بلدانهم.

وفي الحقيقة لا بد أن نعترف بأن هؤلاء الشراذم الثقافية المسيسة والطفيلية هم أهم أسباب انحدار قيمة الفكر والادب والثقافة والمعرفة في هذه الحقبة الحالكة. فهؤلاء ربطوا مصيرهم بمصير طغم السلطة العربية وزمرها المتنفعة, وأصبحوا (براغي) في ماكينتها, وأدوات في أجهزة الاستخبارات يستمدون شرعيتهم ومناصبهم منها, ويؤدون أدوارهم وفق تعليمات جاهزة من هذه الأجهزة المتسلطة التي تمارس سلطة الأمر الواقع. ولذلك سيسقطون معها, وترميهم شعوبهم الى سلال القمامة.

رحم الله كامل الزهيري المثقف الموسوعي والكاتب المبدع الذي أتذكره وهو يقول لي: للأسف دائماً كان هناك تياران بين أهل الفكر والثقافة والأدب, تيار السلطة وتيار المعارضة, وفي تاريخنا الطويل كان التيار الأول دائماً هو الاقوى, وحين يصبح التيار الثاني أقوى ستكون مجتمعاتنا قد تجاوزت الانحطاط وارتقت الى عصر الحضارة.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *