نوستالجيا / بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟!

نوستالجيا / بقلم: محمد خليفة

مع وصول ذورة العنف والحرب الوحشية في سورية الى عفرين أضع كلتي يديّ على قلبي الذي تصدع بتأثير النوبات التي تضربه منذ سبع سنوات. فالألم يكون أقسى وأقوى إذا كنت تعرف المكان الذي يتعرض للكارثة, كالحزن الذي ينتاب المرء على موت شخص يعرفه عن قرب, وتجمعه به ذكريات جميلة وعذبة.
عفرين بالنسبة لي أكثر من ((مكان)) أو ((بلدة)) كآلاف البلدات والمدن والقرى التي تنتشر كالمسام الدقيقة على بشرة الوطن وتضاريسه. إنها بالنسبة لي بستان ذكريات حافل يمتد على سفوح الروح والقلب, وشريط صور ملونة لا تتلاشى من الذاكرة. عفرين موطن مرحلة الصبا والفتوة من عمري, ترعرعت بين جبالها الشاهقة وهضابها الساحرة, وبين سهولها وحقولها الفاتنة. أعوام طويلة قضيتها أتنقل بين قراها في الشمال والجنوب والغرب, وأخزّن في ارشيف العينين أفلاماً وصوراً بالغة الروعة لمناظر طبيعية تنافس ما شاهدته في ما بعد في دول أوروبية كثيرة.
في السبعينيات اكتشف باحثون من كلية الزراعة في جامعة حلب غابة عذراء في جبال عفرين, لم تكدرها أقدام بشر منذ فجر الحياة.
في قرية تدعى جولقان شجرة جوز معمرة تنافس أرز لبنان عمراً وقوة وضخامة, وربما يتجاوز قياس خصرها عشرة أمتار, تفرش ظلالها الوارفة على مساحة مائة متر مربع. قبل عامين قابلت بالصدفة في اسطنبول شاباً كردياً من ((جولقان)) فسألته: متى غادرت عفرين فقال العام الماضي؟. قلت له طمئني عن شجرة الجوز المعمرة هل أصابها سوء؟, فأخرج هاتفه وأراني صوراً كثيرة للشجرة الجدة, وسألني: هل تذكرها..؟ قلت: لا أنساها!
في عفرين قرية اسمها الباسوطة تتميز وتشتهر بنوع فريد من الرمان ينافس البطيخ حجماً ووزناً. يتراوح وزن الرمانة الواحدة بين 1 الى 3 كيلو غرام, ومذاقها فريد لا يشبهه مذاق رمان آخر. وللزيتون في عفرين أيضاً بصمة خاصة على اللسان, يمتاز بمذاق نفاذ, ولزيته لون شفاف, ولسعة أو لذعة لذيدة كلسعة الفلفل الحار, تعطي للطعام وللسلطة مذاقاً لا يضاهيه زيت آخر. لحبة الزيتون في سهول ادلب والساحل السوري حجم أكبر من زيتون عفرين, ولكن مذاق (الزيتون الكردي) لا ينافسه زيتون آخر.. ويا الله ما أجمل مواسم جني الزيتون في عفرين, ومعاصر الزيت.

مدينة عفرين

كل شيء هنا مختلف ومميز الفلفل الحار، العنب الحلو, التين, البطيخ الابيض والاحمر, الباذنجان والبندورة, فضلاً عن اللبن والحليب والزبدة.. إلخ.
وما أجمل نهر عفرين الذي ينبع من أقدام جبال طوروس ويسير حوالى ستين كيلومتر ثم يتابع رحلته داخل تركيا ويصل الى انطاكية. مياهه العذبة تسقي البشر والحقول والمزارع والخيول والابقار والاغنام وتلطف الجو وتزيد البيئة بهاء وحسناً. في ((كفرجنة)) شلالات ساحرة تخلق مناخاً بارداً لطيفاً في الصيف, ولا بد أن لإسمها علاقة بخصائصها, وإذا غادرت هذه الجنة شمالاً الى ((راجو)) ستجد قرى تنتشر على سفوح وقمم الجبال العالية, مناخها بارد جداً في ذروة الصيف الساخن في بقية البلاد, وتهبط درجات الحرارة فيها شتاء الى ما دون العشرة تحت الصفر.
وتوفر هذه البيئة بتضاريسها القاسية والمعقدة عالماً آمناً لنوع مميز من الثوار البدائيين, يلوذون بمغاورها وقممها فلا تصل اليهم أيدي السلطات ولا عيون جواسيسها ولا تجدي حتى الغارات المفاجئة عليهم. على مر السنين والعقود وربما القرون ظل هنا متمردون ومقاتلون وثوار يحتمون بهذه المناطق ويشنون هجماتهم على مخافر الشرطة يقتلون ويأسرون ويسرقون دون أن يصبحوا لصوصاً محترفين, وتربطهم علاقات عاطفية مع الفلاحين. في سنوات فتوتي وشبابي عاصرت ثلاثة من هؤلاء الثوار الفارين, صالان, خلفو, الملازم, كان بعضهم يهاجم القرى ويسلب المال من الأغنياء ويوزعها على الفقراء. واشتهرت المنطقة حتى مطلع الستينيات ببقايا الاقطاع العثماني, إذ يسيطر عليها بضع عشرة من (الآغوات) يملكون الأرض وما عليها, ويمارسون الاستبداد المادي والسياسي المطلقين, ويعاملون الفلاحين كعبيد وأقنان, وكان متوسط ملكية الآغا الواحد عشر قرى بكل ما فيها. هؤلاء هم أول من طالتهم قوانين تموز/يوليو الاشتراكية عام 1961 (في عهد الوحدة) فصادرت ملكياتهم الزراعية ووزعتها على الفلاحين, ونقلتهم الى عصر التحرر والكرامة.
أما أجمل ما في مجتمع عفرين وأروع ما في بيئتها السكانية (نصف مليون) فهو العلاقات الدافئة القوية بين عنصريها الكردي والعربي. الجميع هنا يعيشون علاقات حب متبادلة, لأكثر من نصف قرن لم تقع حادثة أو جريمة واحدة ذات طابع عنصري أو سياسي في كافة انحاء عفرين وقراها التي تزيد على 350 قرية. هنا أوركسترا بشرية خلقتها الوحدة والالفة والمحبة, وكذلك التعاون والشراكة الاقتصادية والتجارية, والتساكن والتجاور والتزاوج المختلط, الثقافة الواحدة رغم اختلاف اللغة بينهما, وكان يلفت انتباهي وأنا صغير أن الشيء الوحيد الذي يحدد هوية العربي والكردي هو النكات اللطيفة المتبادلة والتي تعكس المحبة ولا تعكس البغضاء!
عفرين نموذج مثالي للتعايش الكردي – العربي الذي يبلغ أرقى درجات الانسجام والتسامح, ولذلك فأخطر وأحقر جريمة يمكن لأحد أن يقترفها في حق عفرين هي تخريب هذا الاجتماع الذي يشكل ((جنة)) انسانية لا يتمايز سكانها بين عربي وكردي. وأعتقد أن حزب صالح مسلم قد اقترف هذه الجريمة بالتواطؤ مع نظام الاسد منذ عام 2011. وقد قابلت في المانيا مؤخراً كردياً سورياً من عفرين روى لي كثيراً مما ارتكبته ((عصابات صالح مسلم)) حسب تسميته هو, من جرائم ضد سكانها عرباً وكرداً, بما فيها القتل والاعتقال والنهب والتجنيد الاجباري.. إلخ, لذلك أعتقد أن هذا الحزب عدو لشعبه وجماهيره ولن يجد من يدافع عنه, وسيتمكن الثوار، من الطرفين، من اقتلاعه من عفرين لأنه طارىء عليها اصلاً.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *