العقل وروح الحريّة وفيلم ((The Post))/ المهندس محمود الأحمدية

العقل وروح الحريّة وفيلم ((The Post)) / المهندس محمود الأحمدية

((حـرٌّ ومذهبُ كلِّ حـرٍّ مذهبي ما كنْتُ بالغاوي ولا المُتَعصِّبِ))
(ايليا أبو ماضي)
يتحدّث فيلم ((The Post)) وباختصار شديد، عن معركة خاضتها الصحافة الأميركية عام 1972وقادت هذه المعركة صحيفة ((نيويورك تايمز)) لنشر وثائق مُسرّبة من وزارة الدفاع، وأظهرت الوثائق أن الحكومات المتعاقبة في الولايات المتحدة الأميركية وَسَّعَتْ سرّاً حجم العمليات العسكرية الأميركية في فييتنام حتى رغم اقتناع الزعماء الأميركيين باستحالة تحقيق النصر.. وتتابع وقائع الفيلم: مِنْ بَيْن مَنْ خاضوا المعركة ناشرة صحيفة ((نيويورك تايمز)) كاترين غراهام، وتقوم بهذا الدور النجمة اللامعة ميريل ستريب، التي رغم أنها كانت في الخمسينيات من العمر في ذاك الوقت كانت ما تزال تناضل لتنتزع لنفسها موطئ قدم في عالم يهيمن عليه الرجال، وتولّت غراهام هذا المركز بعد وفاة بعلها فيل غراهام.
ورغم تعرّضها للتهديد بالسجن في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون إذا غامرت وأعطت موافقتها على قرار النشر لرئيس تحرير الصحيفة بن برادلي الذي يقوم بدوره الممثل المبدع توم هانكس، لم تأبه لهذا التهديد وتحدّت الإدارة الأميركية ونشرتها، فاضحة بذلك كذب ودجل الإدارات الأميركية المتعاقبة وغشّها في الحرب الفييتنامية مدعية إمكانية الانتصار وهو في الحقيقة بعيد المنال، يُمَوَّل من دماء وغذاء وحقوق الشعب الأميركي..

ولكن هذا الموقف وهذا التحدي جلب المصائب على عائلة غراهام وعلى مستقبل شركتها. وينتهي الفيلم حاملاً بُعْدَين: الأول فضح الكذبة الأميركية في التدخل والانغماس في حرب فييتنام، والثاني دور المرأة الأميركية في إدارة هكذا قضية وبهذا الحجم وتعرّضها كامرأة لشتى أنواع التحقير والاضطهاد والإستضعاف من الإدارة الأميركية كونها امرأة تقود المعركة، كما قالت ميريل ستريب في مؤتمر صحافي أمام الصحافة العالمية..
مخرج الفيلم هو ستيفن سبيلبرغ اليهودي الأصل وله حجمه الكبير في هوليوود شئنا ذلك أم أبينا.. وقصة الفيلم تخدم خطنا العربي عندما تفضح كذب الإدارة الأميركية وهذا ينسحب على العراق نسبة لأسلحة الدمار الشامل الوهمية ولأفغانستان وغيرها في كل بقعة تدخلت فيها أميركا زوراً وبهتاناً وبدون وجه حق..
وهنا ترتسم عشرات الأسئلة حول قرار المقاطعة والعودة عنه ومدى الرؤية التي تمتلكها لجنة المقاطعة ونحن نعلم بأنه لو طبقنا المقاطعة ضد كل ما هو يهودي حتى لو تبرع لهم سبيلبرغ، فعلينا البدء بكل المواد المستوردة التي نستعملها بشكل يومي والتي لها علاقة ما بالعدد اليهودي إما إنتاجاً وإما تصنيعاً وإما دراسةً، حتى سياراتنا سنعد الى المائة قبل الصعود بها لأن هناك في مكان ما علاقة للعدو الإسرائيلي بها، ساعاتنا السويسرية التي تصنع في مئات البيوت في سويسرا وتجمع في المصانع الضخمة هناك إحصائيات أن كثيراً من هذه البيوت يهودية ويقومون بمساعدة إسرائيل.. كذلك في الصين في الهند في اليابان في فرنسا في كل أنحاء الدنيا..
والله أصبحنا غير منطقيين في مقاربتنا لهذه الأمور وخاصة ولن أطيل أكثر، عندما نعلم أن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت لم تبق سراً لا يُنْشَرُ في العلن.. تمنياتي أن نترك هذه الحرب الدونكيشوتية التي لا تملك أي أفق أو رؤيا والتي تتناقض مع كل المبادئ التي قام عليها لبنان وطن الرسالة وطن الحرية وطن الرأي وتقبل الرأي الآخر..
يا جماعة.. العقل روح الحرية، ولا أحد يحبُّ قيوده ولو كانت من ذهب، وإني لأَعْجَبُ من الذي يظن الحياة شيئاً والحرية شيئاً آخراً، ولا يريد أن يقتنع بأن الحرية هي المقوّم الأول للحياة وأن لا حياة إلا بالحريّة..
أخيراً… صدق أندريه موردا عندما قال: ((الحريّة والمسؤولية توأمان، لو انفصل أحَدُهُما عن الآخر ماتا معاً)).

المهندس محمود الأحمدية / رئيس جمعية طبيعة بلا حدود
عضو اللجنة البيئية في نقابة المهندسين في بيروت

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *