احذروا الغيبة المرض الهدام (1/2) – بقلم الشيخ أسامة السيد

احذروا الغيبة المرض الهدام (1/2)  –  بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى:{ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله توّابٌ رحيم} سورة الحجرات.
وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تدرون من المسلم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قال: تدرون من المؤمن؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: من أَمِنَه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم والمهاجر من هجر السوء فاجتنبه)).
يتبين لنا في هذا الحديث الشريف صفة المؤمن الكامل لأن المؤمنين على قسمين: مؤمن كامل الإيمان ومؤمن ناقص الإيمان، إذ الإيمان يزيد وينقص بحسب العمل، فمن أدى الواجبات واجتنب المحرمات فهو مؤمن كامل الإيمان، ومن لم يكن كذلك لكن سلم له إيمانُه فهو مؤمن ناقص الإيمان، ولا ينتفي اسم الإيمان عن الشخص إلا بالكفر والعياذ بالله تعالى.
فالمؤمن الكامل إذًا من سلم الناس من أذاه في أنفسهم وأموالهم فلم يتعرض للمؤمنين بما يسوؤهم بيده ولا بلسانه، وذلك أن الأذى لا يكون فقط بالضرب أو الحبس أو أخذ المال بالباطل، بل قد يكون باللسان، وما أخطر ما يكون من اللسان من ذنوب وآثام وقبائح ينبغي للعاقل أن يربأ بنفسه عنها.
داء الغيبة
والغيبة من الذنوب القبيحة والأمراض الهدَّامة التي تفتك بالبلاد والعباد وما أكثرها انتشارًا اليوم بين صفوف الناس على اختلافهم وجديرٌ بنا في هذا المقال أن نطلق تحذيرًا للناس وتنبيهًا للغافلين من خطرها وشرها فإن كثيرًا من الناس يقعون في الغيبة وما سبب ذاك إلا الغفلة والجهل بعلم الدين.
وقد عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذِكرُك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول. قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه)) رواه مسلم. ومعنى ((بَهَتَّه)) أي ذكرتَه بما ليس فيه ويسمى هذا البهتان وهو أشد إثماً من الغيبة لأن فيه كذباً.
فالغيبة التي حرّمها الله تعالى هي ذكرك أخاك المؤمن الحي أو الميت صغيرًا كان أم كبيرًا بما فيه مما يكرهه لو سمعه، سواء كان مما يتعلق ببدنه أو نسبه أو ثوبه أو داره أو خُلُقِه، كأن يقول قائلٌ: فلانٌ قصيرٌ أو أحول أو قليل الأدب أو لا يرى لأحدٍ عليه حقاً أو كثير النوم أو كثير الأكل أو وسخ الثياب أو تحكمه زوجه أو زوجه قليلة النظافة أو نحو ذلك من كل ما يعلم أنه يكرهه لو سمعه، وقد اختلف العلماء في الغيبة فمنهم من عدَّها من كبائر الذنوب ومنهم من عدَّها صغيرة، والصواب التفصيل في ذلك فيقال: إن كانت الغيبة لأهل الصلاح والتقوى أي كان الذين اغتابهم المغتابُ من أهل التقوى فتلك كبيرةٌ بلا شك، وأما لغيرهم فلا يُطلق القول بأنها كبيرة لكن إن اغتيب المؤمن الفاسق إلى حدِّ الإفحاش فتلك أيضًا كبيرة وذلك كأن يُبالغ في ذكر مساوئه لمجرد التسلية، وعلى ذلك يُحمل حديث أبي داود عن سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أربى الربا استطالة الرجل في عِرْضِ أخيه المسلم)) فإن هذه الاستطالة من أشد الكبائر لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بأنها أربى الربا أي أنها في شدة إثمها كأشد الربا.
ويكفي في التحذير من الغيبة وشؤمها وخطرها الآية المذكورة أعلاه فقد قال ربنا عزّ وجل:{ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه} الآية سورة الحجرات.
وقد جاء في حديث الإسراء والمعراج عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما عُرج بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس (أي يغتابونهم) ويقعون في أعراضهم)) رواه أبو داود.
فأي خطر هذا؟ وأي ذنبٍ قبيحٍ يقترفه الذي يغتاب الناس؟ وجديرٌ بمن عرف هذه الحقائق أن يقف عند حد الشرع ولا يتمادى في الغيبة بعد ذلك فيُهلك نفسه ويُعرّضها لسخط الله تعالى.

حكم الاستماع للغيبة
وليُعلم أنه كما يحرم قولُ الغيبة فإنه يحرُم سماعُها أيضًا وقد قال الله عزّ وجل في وصف المتقين:{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ لا نبتغي الجاهلين} سورة القصص، وقال أيضًا:{وإذا مرّوا باللغو مروا كراما} سورة الفرقان.
قال ابن جرير في جامع البيان: ((ومسموعٌ من كلام العرب لغيت بإسم فلان بمعنى أولعت بذكره بالقبيح)). وروى الترمذي من طريق أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ردَّ عن عِرْضِ أخيه ردّ اللهُ النارَ عن وجهه يوم القيامة)).
ويستفاد من هذا أنه لا يجوز الإصغاء إلى الغيبة، فمن حضر مجلسًا يشتغل أهله بالغيبة المحرمة والوقوع في أعراض الناس فعليه أن ينهى عن الغيبة بيده إن كان مستطيعًا فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه أي يكره هذا المنكر بقلبه ويُفارق المجلس ولا ذنب عليه. وقد روي أن أحد الصالحين كان يقعد في المجالس مع الناس يتحدث معهم فإذا أخذوا في الغيبة وأعراض الناس نصحهم وانصرف، فقيل له مرةً: ما بالك تكون معنا فإذا خُضنا في حديث الناس انصرفت. فقال: أنا نفسي لم أرض عنها فلماذا أتكلم على الناس. فرحم الله صاحب هذه النفس الأبية الذي نظر بعين البصيرة فأخذ في تقويم نفسه وإصلاحها ولم يتشاغل بالقيل والقال كحال كثيرٍ من الناس اليوم ترى الواحد منهم غارقًا في مستنقعات الجهل والإثم والهوى وهو مع هذا لا ينفك يفتش عن عيوب الناس ويبثها وينشرها.
وقد روى البخاري في ((الأدب المفرد)) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُبصر أحدُكم القَذاةَ في عين أخيه وينسى الجِذْلَ أو الجِذْعَ في عين نفسه)) والجذلُ الخشبةُ العالية الكبيرة، والقذاةُ من القذى وهو الوسخ القليل يكون في العين.
فمن علم هذا فليتيقظ فإن كثيرًا من المشاكل والخصومات التي نعانيها في مجتمعاتنا يرجع سببها إلى تلك المجالس التي تُعقد للكلام في أحوال الناس وعيوبهم وكل ذلك لمجرد التفكه أو التسلية وقد كان الأولى بمرتكبي الغيبة والمستمعين لها أن يشتغلوا بعيوبهم وإصلاح ذواتهم عن عيوب الناس وأن يكفوا ألسنتهم عمّا حرّم الله فتقلَّ بالتالي المشاحنات وتصفو القلوب وتعم المودة.

التوبة من الغيبة
ثم ليعلم أن الذي يغتَاب الناس مستحق لعذاب الله إن لم يتب من ذنبه، وإن كان الذي اغتيب قد بَلَغه ما قيل فيه فتوبته تكون بأن يستسمحه قبل أن يُفضي إلى يوم لا درهم فيه ولا دينار فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقَذَف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار)) رواه مسلم. أما إن كانت الغيبة لم تبلغ الذي اغتِيبَ فيكفي من اغتابه أن يتوب من غير أن يُخبره.
والغيبة تُباح في مواضع معينة كالتحذير ممن يغشُ الناس في دينهم وطعامهم وغير ذلك وسنذكر هذا في مقالنا القادم بإذن الله.
والحمد لله أولاً وآخراً.

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *