الطائف ليس قرآناً ولا إنجيلاً / كتب حسن صبرا

الطائف ليس قرآناً ولا إنجيلاً / كتب حسن صبرا

مجلة الشراع 29 كانون ثاني 2018 العدد 1834

اعتاد اللبنانيون ان يكون كل أمر مؤقت في بلدهم دئماً، فكيف اذا كان دستوراً؟

لقد ورثوا دستوراً من صلب الدستور الفرنسي أيام الانتداب، وما جرى تعديله إلا بعد حرب كادت ألا تبقي..

ولا تذر لولا رعاية الله والدول الضامنة لاستقلال لبنان والتي تبادلت مواقع التأثير فيه وغابت عنه دول كمصر لتحل محلها المملكة العربية السعودية، وتراجع الدور الفرنسي ليحل مكانه الاميركي، واحتل جيش حافظ الأسد واستخباراته لبنان نيابة ووكالة عن الجميع بمن فيهم الكيان الصهيوني، مروراً بمقدمات التفرّد بتنفيذه وهو اتفاق الطائف، الذي عدّل تشكيل السلطة في لبنان، بعد ان أنهى الحرب الأهلية، وما استطاع أحد منع ميشال عون من شن حرب الإلغاء ضد أقوى قوة مسلحة للمسيحيين عبر تاريخهم اللبناني المؤسس، وهي ((القوات اللبنانية))، لكأن عون كلّف نفسه إضعاف الموضع المسيحي في لبنان كي يقول للمسيحيين ((الأمر لي))، وفي النتيجة فقد المسيحيون الامتيازات التي حصلوا عليها من المسلمين، لانتـزاع موافقتهم على الاستقلال عن فرنسا، فضلاً عن رضا المسلمين بوقف توجههم للإنضمام الى سورية البلد الديموقراطي الذي كان.

كان السيد حسين الحسيني وهو الميثاقي الثابت أبو الطائف، مثلما كان رفيق الحريري عرّابه وهو الرجل الذي قال أوقفنا العد للمحافظة على اقتسام السلطة بين المسلمين والمسيحيين، رغم الفرق الهائل في التعداد السكاني (70% مسلمون، 30% مسيحيون) والرجلان اللذان كانا في الطائف لولبي الحركة والفعل والكتابة والصياغة..

شهدا في لبنان كل في موقعه كيف جيّر حافظ الأسد عبر استخباراته وأدواته اللبنانية.. كل ما كتب في الطائف كي يكون في مصلحته من تعيين كل الرؤساء مباشرة.. الى تكليف أدواته ودائماً غازي كنعان في تعيين الوزراء والنواب والمدراء العامين وقادة الجيش والأجهزة الأمنية والقضاة.. حتى بوابـي العمارات..

حافظ الاسد وامين الجميل

رأى حافظ الأسد ان كل رؤساء جمهورية لبنان هم أمين الجميل، وهو الرئيس الذي عقد 11 قمة مع الأسد وما حصل منه على تنازل.

رأى حافظ الأسد على كل رؤساء وزراء لبنان ان يكونوا كـ رشيد كرامي وإلا فهو لن يعطي ثقته لأي رئيس للوزراء في لبنان.. وما كسر هذه القاعدة إلا رفيق الحريري، لذا كان ابنه أغبـى من ان يفهم مكانة الحريري ودوره فسارع الى قتله.

كان حافظ الأسد يرى ان حصته الأساسية هي في رئاسة مجلس النواب، فكرّس رئاسته لأربع سنوات (على فترتين وهل يذكر اللبنانيون وخصوصاً النواب ذلك؟) بهدف نزع الحاجة من الرئيس للنواب، ليكون النواب جميعاً بحاجة لرئيس مجلس النواب.

كتب حافظ الأسد بيده عبارة إلغاء الطائفية السياسية في الطائف بهدف الانتقام من المسيحيين لانتـزاع رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش ومجلس القضاء الأعلى و.. وها هو ابنه يقتل المسلمين في سورية ويعادي كل مسلم لبناني ينادي بالإستقلال حتى قتل زعيمهم رفيق الحريري.. وما طبق هذا البند من الطائف..

وإن كان حافظ الاسد منع تشكيل مجلس شيعي علوي وهو مشروع تقدم به رجل رفعت الأسد في لبنان علي عيد.. وكان من السخرية ان يقول حافظ الأسد تبريراً لهذا المنع بأن لبنان لا ينقصه المزيد من المجالس المذهبية.. والسخرية تكبر حين منع حافظ الأسد تشكيل مجلس شيوخ كما نص الطائف.. وبدا ان المجلس تم اقتراحه وضمّه للطائف ثم الدستور كي يتسلمه وليد جنبلاط.. والحجة نفسها عند حافظ الأسد بأن لبنان لا ينقصه مجلس مذهبـي جديد.. لكأن الأسد وهو يحيل سورية العربية – الاسلامية – العلمانية الى شجرة زقوم مذهبية يقدم نموذجاً لكيفية محاربة المذهبية!!!

لم ينفذ من الطائف الكثير وأخطر ما منع حافظ الأسد تنفيذه هو أمران:
*الأمر الأول، هو انسحاب القوات السورية من المدن الرئيسة على الساحل الى البقاع تحت عنوان إعادة الانتشار.. وما أجبر جيش حافظ الاسد على الانسحاب كجيش احتلال إلا بعد انتفاضة الأرز التي فجرتها جريمة اغتيال رفيق الحريري في 14/2/2005.
وهكذا.. أبعد الأب أبا الطائف حسين الحسيني وقتل الإبن عراب الطائف رفيق الحريري.
*الأمر الثاني: حصر حمل السلاح في لبنان بالقوات المسلحة اللبنانية المشكلة من الجيش وقوى الأمن الداخلي وبقية أجهزة الأمن..
ويتحمل المسؤولية في بقاء السلاح في يد ((حزب الله)) بداعي المقاومة.. كل الذين كلفوا حافظ الأسد ان ينفذ اتفاق الطائف.. عرباً وغرباً.. وما قصر الأسد في جعل سلاح ((حزب الله)) ورقة مساومة بين يديه ليس فقط بديلاً عن استخدام سلاحه ضد اسرائيل طيلة عقود، بل وأيضاً كي يكون السلاح عرضة للمقايضة حين يجيء أوان عقد الصفقات.. ومات حافظ الأسد وصار إبنه نفسه عرضة للمقايضة.. اما سلاح ((حزب الله)) فبات أمراً واقعاً وإحدى حقائق الوضع اللبناني.
هنا تبدأ الدعوات لتعديل الطائف.. فهذا السلاح مكن ((حزب الله)) الذي حصد به شعبية كاسحة بين الشيعة وغلبة على بقية المسلمين، خصوصاً عندما تحالف مع ميشال عون في شباط/ فبراير 2006، من ان يكون بمقدوره طرح المثالثة التي من شأنها نسف اتفاق الطائف من أساسه وهي الرد العملي على مقولة رفيق الحريري أوقفنا العد.
ومن مآسي المصالح الشخصية في لبنان التي يلبسها أصحابها لبوساً سياسياً مصطنعاً ان ميشال عون الذي يقاتل صهره ويستفز ويتعنصر كي يقنع المسيحيين بأن عمه هو الرئيس القوي الذي انتظره المسيحيون منذ عقود، هو نفسه المتهم بتشجيع المثالثة على الأقل في حلفه مع ((حزب الله)).. لينتـزع من المسيحيين 17% من مواقعهم.. اذا كان هذا من سمات الرئيس القوي فإن من مصلحة المسيحيين ان يقدموا أضعف ما لديهم كي يحافظو على معادلة الحريري: أوقفنا العد.
ومع هذا
اتفاق الطائف ليس قرآناً ولا إنجيلاً، بل هو مواد دستورية من كتابة وصياغة بشر وإمكانية تعديله بديهية، لكن في لبنان أي مسّ به يفتح الباب أمام انهيارات كاملة، فكيف تمنع سيلان لعاب من يريد ان يصبح رئيس الجمهورية شيعياً او سنياً او درزياً او ارثوذكسياً او كاثوليكياً او حتى أرمنياً او سريانياً.. ولماذا لا يكون علوياً او قبطياً؟
وكيف تمنع تداول المواقع الاساسية كأن يكون رئيس مجلس النواب مارونياً او سنياً او أرثوذكسياً.. ولماذا يظل قائد الجيش مارونياً ولمَ لا يكون كاثوليكياً او شيعياً او علوياً او درزياً.. كل لبناني سواء كان مسؤولاً او مواطناً بلا مسؤولية تسأله عن علة العلل في الوطن يجيبك انها الطائفية.
كل بلاد العالم يتم فيها تعديل الدستور بشكل منطقي وطريقة سلسة وقبول عام.. فلماذا لا يتم هذا الأمر في لبنان..
صحيح ان النـزاع هو بين تطبيق الطائف تطبيقاً كاملاً وبين منع المسّ بالطائف.. لكن الأمرين باتا شبه مستحيلين.. فلا إمكانية لتطبيق هذا الاتفاق بالكامل لأن السياسيين الحاكمين والمحكومين غير مؤهلين لتطبيق كل النصوص.. ولا إمكانية للتعايش ضمن محرمات، وباتت ملابس التعايش تحت بنود الاتفاق ضيقة يكاد نسيجها ينسلخ على جسد تنمو فيه كتل العضلات بما لا قدرة لوطن ومجتمع ودولة على تحمّلها.

Print Friendly, PDF & Email