جمال عبد الناصر : 100 عام على الميلاد بين رغيف الخبز ومجانية التعليم ومخطط ((أوميغا))/ بقلم محمد الخولي

جمال عبد الناصر : 100 عام على الميلاد بين رغيف الخبز ومجانية التعليم ومخطط ((أوميغا))/ بقلم محمد الخولي

كاتب سياسي مصري، خبير في الاعلام الدولي

*كتب أحمد زويل ان مصر في عصر جمال تمكنت من الجمع بين مجانية التعليم وجودته
*فشل العدوان الاوروبي – الصهيوني عام 1956 جعل أميركا تخطط للخلاص من ناصر منذ 1957

مجلة الشراع 15 كانون الثاني 2018 العدد 1832 / مئوية جمال عبد الناصر

اتخذ الوزراء مقاعدهم.. رتبوا ملفاتهم وطالعوا ((الرول)) كما كانوا يسمونه باعتباره جدول أعمال الجلسة التي تقرر أن يعقدها مجلس الوزراء.. مضت الدقائق الحاسمة التي تسبق عادة دخول ((الزعيم)) ليرأس الإجتماع. انفتح باب القاعة الواسعة.. ودخل.. كان يحمل في يده حقيبة متوسطة الحجم.. حرص أن يفتحها باعتبارها أول بنود الإجتماع المشهود.
بعدها.. ظل يخرج من الحقيبة.. عدداً من ((أرغفة الخبز)) التي حرص على أن يرصها على الطاولة التي يجلس إليها مردداً في غضب مكتوم:
هذه عينات الخبز البلدي. أحضرناها من مواقع شتى في عاصمة البلاد.. من روض الفرج.. سيدنا الحسين.. الدرب الأحمر.. مصر الجديدة.. الوايلي.. شبرا.. مصر القديمة. الخ.
وظل يمسك برغيف تلو الآخر ملوحاً أمام وزير التموين.. معرباً عن استيائه إزاء ما وصلت إليه حالة ((الرغيف)) سواء من ناحية الحجم أو الوزن أو اللون ومردداً – تساؤله على مسمع من الوزراء: من يقدر يأكل مثل هذا الخبز؟ .. هل هذا معقول؟!
ثم طالب الرئيس بعلاج سريع للموقف على أن تقوم أجهزة التموين بدراسة الحال في المخابز ذاتها.. مع موافاته بالنتائج التي تشهد بما تم من إصلاح.. رغيف العيش.
هكذا يحكي الأستاذ أمين هويدي إذ كان وزيراً معاوناً – للزعيم – لشؤون مجلس الوزراء خلال الفترة 1967 – 1970 ( في كتابه ((مع عبد الناصر))).
أيامها كانت ((حرب الإستنزاف)) الجسور قائمة على قدم وساق.. وفيما كان الرجل يبدأ يومه بأحوال الخبز.. وأسعار الزي المدرسي.. كان يتحول إلى قضايا السياسة في مصر وفي أمة العرب.. وقد يشهد يومه زيارة إلى الخطوط الأمامية في جبهة القناة.. فاليوم لا ينتهي إلا بعد الإطمئنان على ((تمام)) التسليح وأحوال الجنود وجاهزية القادة ومعنويات الضباط.

محمد الخولي / كاتب سياسي مصري، خبير في الاعلام الدولي

يومها كان عمره يحوم حول الخمسين.. إزداد الفودان إشتعالاً بالمشيب – واكتست الملامح الصعيدية بغلاله من شجن ما زال مفعماً بالكبرياء.. لكن ظلت العينان تومضان بأشعة من ذكاء وفهم وتصميم.

ولا جدل أن هذا التصميم على تجاوز محنة إنكسار حزيران – وهو ما ترجمه ((الزعيم)) في شعار ((ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة)) مع ما ارتبط به من يقين بالنصر على قوى العدوان – لم يكن مجرد تهويم بالفكر ولا ترديد للعبارات.. وإنما جاء على أساس ما تم إنجازه من إعادة بناء القوات المسلحة، وكانت مهمة من أشق ما يكون، وقد نهض بها كوكبة من أعظم وأخلص رجالات مصر يتقدم صفوفهم النبيلة محمد فوزي وعبد المنعم رياض.. فيما كان الأساس هو ذلك الكنز التاريخي من ((الشباب)) الذي تلقى بركات التعليم المجاني الذي ظل ((الزعيم)) حريصاً على تعميمه ليشمل الملايين من أبناء الفقراء من الفلاحين والحرفيين والعمال – الصناع والكسبة ومن في حكمهم من بسطاء الوطن العظيم وكادحيه.

ما زالت المراجع الأجنبية – الأميركية بالذات – تقف ملياً عند هذه النقطة التي جمعت فيها مصر الستينيات (وما أدراك طبعاً!) بين مجانية التعليم وجودة التعليم (على ما أكده الراحل الكريم الدكتور أحمد زويل – في مقال منشور في جريدة الواشنطن بوست).
في هذا السياق بالذات يقول واحد من أحدث الكتب في أميركا بعنوان ((صورة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط الجديد)) – من تأليف ((ديفيد رود)):
بعد الإستقلال، قرر الرئيس جمال عبد الناصر أن يجعل التعليم محوراً لمشروعه الشهير في تحديث الكيان العربي (القومي).. ومن هنا عمد ((ناصر))، وبالتدريج إلى جعل التعليم مجانياً لكل المصريين – من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة.. وكان أن إنطلق المدرسون الذين تم تدريبهم وإعدادهم في مصر إلى العمل عبر أرجاء المنطقة بأسرها حاملين في معيتهم مناهج التعليم المصرية التي كان لها تأثيرها في كل أنحاء الشرق الأوسط.. (ص144-145).

د. أحمد زويل: استفاد من مجانية التعليم الناصري.. حصل على جائزة نوبل

وبمناسبة الكتب السياسية الأميركية.. تجدر الإشارة إلى واحدة من أهم هذه الدراسات ويمثلها الكتاب الصادر بعنوان ((الشقيقان : وحربهما العالمية السرية)). والشقيقان كما يحددهما ستيفن كنرد مؤلف الكتاب المذكور – هما وزير خارجية أميركا الأسبق ((جون فوستر دالاس))، وشقيقه ((ألن دالاس)) مدير الاستخبارات المركزية الأسبق.. وقد خاض الإثنان سلسلة من أشرس المعارك السياسية السرية والعلنية ضد جمال عبد الناصر الذي يتكرر ذكره، وبتفصيل لافت حقاً – 11 مرة على صفحات الكتاب.
وفي هذا السياق أيضاً يكشف النقاب عن أن إدارة الرئيس ((أيزنهاور))، وقد رأت في مشروع ((ناصر)) العروبي – الإجتماعي – التقدمي خطراً يهدد نفوذها ومصالحها وحلفاءها في المنطقة (إسرائيل بالذات).. قررت أن ((تصلح)) ما أفسده غرور واندفاع ((أنتوني إيدن)) رئيس وزراء بريطانيا وسوء تقديره لمكانة ((ناصر)) المصرية والعربية مما أدى طبعاً إلى فشل العدوان الثلاثي في عام 1956 وإلى إسترداد – تحرير ((ناصر)) قناة السويس – التي أجاد المصريون إدارتها بكل كفاءة أبهرت عالم ذلك الزمان. وهنا يقول الكاتب الأميركي أيضاً (ص224):
– ..نظر الرئيس أيزنهاور ومعه الشقيقان ((دالاس إلى الغزو (الثلاثي) على أنه كان محاولة غير مجدية لإعادة فرض النفوذ الأوروبي في الشرق الأوسط، هذا فضلاً عن انهم (الأميركان) كانوا يعملون على تنفيذ مخطط من صنعهم في هذا المضمار.. وما إن خرج عبد الناصر من أزمة السويس بطلاً، حتى تبخرت حينها كل محاولات تعبئة المصريين ضده.. ولكن برغم هذه ((النكسة)) فقد ظل الأميركيون حريصين كل الحرص على أن يضربوا ضربتهم.. وهكذا أبلغ الرئيس أيزنهاور أعضاء مجلس الأمن القومي (في البيت الأبيض) بأنه يريد إتخاذ ((تدابير أكثر جذرية وأشد تأثيراً)) (ضد عبد الناصر بطبيعة الحال) وهو ما عرف في الحوليات السياسية بإسم – المخطط ((أوميغا)).
ها أنت تطالع مثل هذه الأفكار، وتستعيد صورة الأحداث في تلك الفترات التي شهدت حقبة الزعامة الناصرية – بين تألق الإنجاز المبهر.. وعبر الإنكسار الممرور.. فلا يسعك سوى أن تتمثل كبرياء هذا الشعب العظيم.. في ربوع مصر وفي أرجاء أمتنا العربية – حين التقت صفوفه في توافق مصري وعربي حول ((الزعيم)).. وحين خطط الشعب ونفذ مع الزعيم مشروعاً وطنياً وقومياً في مجالات التنمية الإقتصادية والتحول الإجتماعي والعدالة الإجتماعية والنهضة الثقافية وجهود التكامل العروبي.. ساعتها تؤمن بحق ويقين أن هذه الجماهير الأصيلة العظيمة – لا شك قادرة في مرحلة النضال الراهنة.. وعلى هدى من ((خارطة الطريق)) وإعادة المستقبل – أن تواصل مسيرتها وأن تدحر أعداءها من الداخل والخارج.. عندما تتشابك أياديها مع أيدي زعامة تؤمن بمصر العربية وتواصل الخطى على طريق واعد بالأمل. تستوعب فيه دروس تجربة شعب آمن بزعامة جسورة بحكم التجربة.. وضعها الشعب على محك الإختبار فكانت زعامة تاريخية بكل معنى وقد جسدتها عبقرية مواطن مصري.. صعيدي.. عروبي.. جادت به مصر في مثل هذه الأيام (15 ك2/يناير) منذ 100 عام.. وبهذه المآثر من الإجتهاد الإنساني..

استحق الزعيم أن يودعه الشعر يوم الرحيل مخاطباً جمال عبد الناصر على لسان الرائع محمود درويش:

ولست نبياً
ولكن ظلك أخضر
نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت نحاول ألا نكون معك
ففوق ضريحك ينبت قمح جديد
وينزل ماء جديد
وأنت ترانا نسير.. نسير.. نسير

Print Friendly, PDF & Email