جمال عبد الناصر.. تقييم عام / د. مجدي حماد

جمال عبد الناصر.. تقييم عام / د. مجدي حماد
رئيس مجلس أمناء الجامعة اللبنانية – الدولية
*إحياء مشروع الدولة الوطنية الحديثة التي قدمت ثورة 23 تموز/ يوليو نموذجاً لها هي الطريق لمواجهة الانتماءات الطائفية والمذهبية والإثنية
*التأميم لم يضف الى القطاع العام اكثر من 10 الى 15% بينما كان جهد وكفاح الشعب المصري عبر مراحل التنمية هو الذي وفّـر القسم الأعظم من النشاط الاقتصادي ونجاحه عبر مؤسسات ضخمة بناها المصريون
*مات نابليون مهزوماً منفياً ثم أعادت فرنسا الاعتبار له والمصريون أعادوا الاعتبار لـ جمال في ثوراتهم ضد مبارك والاخوان
*استخبارات اميركا هي وراء الحملة الضارية ضد جمال
*قال جمال: نحن نعيش في عالم لم تصل مبادؤه الاخلاقية الى مستوى تقدمه العلمي
*فلتفتح الدفاتر ولتنشر الوثائق عن كل أمر وليجرِ التحقيق الشامل في كل شأن.. دعوة أطلقها هيكل ولم يستجب لها أحد
*ثورة 23 تموز/ يوليو ككل الثورات الكبرى أنجزت وفشلت
*اذا نجحت اي ثورة تصبح قانوناً.. واذا أخفقت فهي الجريمة
*الذين ينتظرون ثورة طاهرة مبرأة من العيوب سيموتون من قبل ان يروها
*تجديد ثورة عبدالناصر يتم عن طريق إعادة تقييمها
*جمال هو الذي قال ان الثورة العربية وهي تواجه هذا العالم لا بد ان تواجهه بفكر جديد، لا بحبس نفسه في نظريات مغلقة
*المشكلات التي واجهتها ثورة تموز/ يوليو ما تزال مطروحة امامنا
*روح مشروع جمال ما تزال صالحة، اما السياسات والقرارات والآليات لا يمكن بعثها من جديد، ولو كان عبدالناصر حياً فأغلب الظن انه كان سيستجيب للمتغيرات الداخلية والاقليمية والدولية
*معسكر الثورة المضادة وضع ثورة تموز/ يوليو في قفص الاتهام وانقلب الحديث عن سلبيات التجربة الى سلبها نفسها

مجلة الشراع 15 كانون الثاني 2018 العدد 1832 / مئوية جمال عبد الناصر

لقد آن الأوان لتقديم صورة متكاملة، موضوعية ونقدية، لثورة 23 تموز/يوليو 1952، من منطلق ثوري، ومن داخل معسكر الثورة ذاته.. ذلك الحدث المهيب، الذي لم يزل ممتلكاً مهابة لا يتجاسر عليها إلاّ المنكر للحقيقة، والمتنكّر لها، بخاصة في ذكرى ((مئوية ميلاد جمال عبدالناصر)).
إذا كانت هناك قيمة حقيقية لمئوية ميلاد جمال عبد الناصر فهي رد اعتبار التاريخ، وإعادة فحصه من جديد بالوثائق والمستندات، لا بالأهواء وتصفية الحسابات مع أكثر الثورات المصرية إنجازاً بالحساب الاجتماعي، وإلهاماً بالحساب الوطني.

ما تحتاجه مصر هو الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، حتى تستقيم خطواتها نحو المستقبل على أرض صلبة. الحقائق الكبرى تفرض كلمتها في النهاية، وبتعبير محمد حسنين هيكل فإن ((جمال عبدالناصر هو الحقيقة الأساسية في العصور الحديثة))، لخصت تجربته قيماً ومعتقدات أساسية يستحيل حذفها. في ضوء ما جرى ويجري في مصر فإن القضية ليست جمال عبدالناصر بقدر ما هي الخيارات الاجتماعية التي تحكم مصر الآن. إنها قضية مبدأ ومستقبل، لا حساب رجل وتاريخ.

إن الرجل قائد تاريخي.. وعلى وجه اليقين فدوره أضخم دور عربي في القرن العشرين. وتكفي الإشارة إلى أن ((دليل المشاهير العالمي)) المعتمد، عندما وضع قائمة تضم أهم مئة شخصية في العالم، على امتداد القرن العشرين كله، كان جمال عبدالناصر هو الشخصية العربية الوحيدة في هذه القائمة. لذلك نعتقد أن أستاذنا ساطع الحصري كان موفّقاً كل التوفيق حين ذهب في وصف جمال عبد الناصر ((أنه رجل اتّسعت همّته لآمال أمته))! وهو وصف بالغ الدقّة ويستحقّ الكثير من التأمّل. فالأهمية التاريخية لقيادة جمال عبد الناصر هي أنه لم يخترع شيئاً من العدم. لقد جاء إلى المخزون التاريخي المحبوس بالقهر والكبت من آمال أمته، فإذا هو يطلقها من إسارها ويحرّرها من عقد الخوف والتبعية..

ثم إنه بعد ذلك، في كل قراراته، تفاعل مع النتائج المتفجّرة بين مخزون الآمال الحبيسة، وعبّر عنه، وقاد اندفاعه.

وفي النهاية أصبحت معالم مشروعه القومي محدّدة وواضحة: الاستقلال الوطني والقومي، التنمية الشاملة المستقلة، وفق مصالح أوسع الجماهير، والوحدة العربية كحقيقة مركزية مؤكّدة، فضلاً عن الحياد الايجابي وعدم الانحياز، كسياسة خارجية للقومية العربية، في مواجهة عالم الحرب الباردة. وهذه هي معالم المشروع القومي العربي – بأهدافه المعروفة: ((الحرية والاشتراكية والوحدة)) – التي تبلورت في صيغة صحيحة تاريخياً وفكرياً، وممكنة عملياً وموضوعياً.. هي الصيغة ((الناصرية)). بل ان الدراسات الموضوعية المحايدة – الأجنبية والعربية – المستندة إلى الحقائق والأرقام المؤكّدة وحدها، تذهب إلى أن ((ثورة 23 تموز/يوليو)) قد تخطّت في ما طرحته وطبّقته، في مجال التنمية المستقلّة في الخمسينيات والستينيات، أقصى ما كانت تطالب به أو تطرحه الجماهير، والحركة الوطنية المصرية والعربية معاً، من مطالب اجتماعية واقتصادية، وحتى ما طرح منها على سبيل الشعارات أو المزايدة السياسية! من ثم فإنه عن هذه الطريق وحدها – التي أثبتت بحساب النتائج المؤكدة شرعيتها التاريخية، وجدارتها القومية – يمكن أن ترد مصر العظيمة غربتها، وأن تسترد عافيتها، وأن تقدم في ثبات على صنع مستقبلها.

لقد شغل جمال عبد الناصر في التاريخ العربي الحديث لأمته العربية مكانة متميّزة وفريدة، وكانت قيادته ثورة الشعب المصري سنة 1952 علامة تحوّل بارزة أمكن فيها عن طريق الفعل الجسور، المستند إلى تأصيل فكري عميق، وإلى طموحات واسعة ومشروعة، تحريك قوى هائلة قادرة – مع اتصال التجارب واستيعاب حكمتها – على تحقيق أغلى أهداف الأمة العربية. فقد تمكّن جمال عبد الناصرمن تنبيه الشعب المصري إلى مكانته ودوره في وسط أمته العربية، ثم قاد الأمة بكل شعوبها إلى لقاء حرّ وخلاّق مع حركة الشعوب والأمم المتطلّعة إلى الحرية والرافضة السيطرة، ثم تمكّن في النهاية، بالإسهام مع غيره من القادة المناضلين في العالم النامي، من أن يجعل من هؤلاء القادمين إلى الساحة الدولية طرفاً مؤثّراً في تشكيل أوضاع العالم ومصائره، وقيمه وإنجازاته، وخططه، وآماله، في مرحلة بالغة الخطر والأهمية في التاريخ الإنساني.

د. مجدي حماد
رئيس مجلس أمناء الجامعة اللبنانية – الدولية

إن الحقيقة التي أدركها جمال عبد الناصر وأعطاها جهده وحياته هي نفسها الحقيقة التي تجلّت في كل الرسالات الكبرى، ولدى كل الرجال العظام الذين تصدّوا لمهام التاريخ وتحدّياته، وجوهرها هو الرقيّ بالإنسان والعمران، وتحقيق العدل والكرامة، وفتح أبواب الأمل متّسعة باستمرار أمام أجيال تتصاعد تطلّعاتها وهمّمها بالتقدّم والاستنارة والحرية.
كذلك فإنه لا ينتقص من قدر أية ثورة، ولا إسهامها التاريخي، أن تهزم مبادئها لمدة، أو أن تنتكس بعض اتجاهاتها لفترة؛ فالثورة الفرنسية الكبرى أدّت أحداثها إلى تنصيب نابليون إمبراطوراً على فرنسا بعد مرور خمسة عشر عاماً على قيامها، بل وعادت الأسرة المالكة التي أسقطتها الثورة – ((آل البوربون)) – إلى الحكم مرة أخرى في عام 1815. لكن الثورة استأنفت مسيرتها، وخلّدت على مرّ الزمن منظومة المبادئ التي طرحتها: مبادئ الحرية والإخاء والمساواة!

فالحركات التاريخية الكبرى تتقدّم وتنتكس .. لكنها لا تموت! إنها تفتح صفحة جديدة في تاريخ الإنسانية، قد تعرف سطورها الانتصار والانكسار .. لكن محصلتها ((الإيجابية)) الضخمة تجعلها ((صفحة)) لا تُطوى. ومهما بلغ عدد ((الصفحات)) التالية للصفحة الأولى، تبقى هي العلامة الفارقة بين عصرين.. بين مرحلتين في مسيرة التاريخ.. لا مجرد حكومة جديدة، ونظام جديد. معنى ذلك أن الانتكاسة السياسية لا تعني نهاية الثورة. ذلك أن مبادئ أية ثورة تنتشر في النفوس والعقول، وتصبح جزءاً من المناخ العام للمجتمع، وإحدى حقائقه. أما ما يحدث لهذه المبادئ على صعيد السياسة العملية، فإنه جزء من عملية الجدل الاجتماعي، والتطوّر السياسي، الذي تختبره وتعيشه المجتمعات كلها.

وهذا هو شأن ((ثورة 23 تموز/يوليو))، فإنها تعيش في وجدان الأمة العربية، من المحيط إلى الخليج، وانهزمت كل الجهود التي أرادت أن تمحو آثارها من الذاكرة العربية. من هنا أهمية تحليل الثورة وتقييمها وفقاً لمعيار نابع من طبيعتها، كما تكشف عنها تطبيقاتها في مختلف المجتمعات، بخاصة كما تكشف عنها ثورات العالم الكبرى: الثورة الفرنسية، والثورة الروسية، والثورة الصينية. وفي ضوء هذا المعيار يمكن ((حسم)) إشكالية ((السلبيات والإيجابيات)) التي زادت عن حدّها كثيراً.

فلا شكّ بداية في أن كل ظاهرة لها جوانبها السلبية والإيجابية، وتُقاس الثورات الكبيرة، لا بخلوها من السلبيات، لكن بتوجهها العام وإنجازاتها الكبرى، ويختلّ منهج الباحث إذا ركّز على جانب واحد من جوانبها. ولا يمكن للباحث أن يركّز على الجوانب السلبية وحدها، بدعوى أن الجوانب الإيجابية ظاهرة ومعروفة، وأيّ إنجاز للثورة لا يشكّك فيه الآن أو يضرب أو يشوّه!! إن ((ثورة 23 تموز/يوليو)) هي ممارسات وإنجازات، سارت بخطى حثيثة نحو مصيرها، أي نحو تحوّلها إلى مشروع ثورة دخل في عملية التحقّق. وهي في مسيرتها هذه ارتكبت أخطاء، وكان لا بدّ لها أن ترتكب أخطاء، ومن غير المعقول تبرئتها من الأخطاء، تماماً مثلما أنه من غير المعقول تعريتها من المنجزات الإيجابية. والمطلوب ليس تبرير الأخطاء، ولا تضخيم المنجزات، بل الاعتراف بالأخطاء على أساس أنها أخطاء ثورية، وعلى أساس أن الهدف هو العمل على تجاوزها إلى رؤية أكثر شمولاً، تستفيد من الأخطاء، ومن التجربة كلها، لكي تفتح باباً إلى المستقبل.

في ضوء ما تقدم، وحتى يمكن تقييم ثورة ((23 تموز/يوليو)) وفق المعايير نفسها المستخدمة في تقييم الثورات التاريخية الكبرى؛ فمن المهم للغاية أن يجري البحث في إسهامات الثورة، والنظر في جوانب قوتها وضعفها، إيجابياتها وسلبياتها، وذلك بمنهج علمي يأخذ في اعتباره ثلاثة أبعاد:
أولها – البُعد التاريخي، الذي يضع الأحداث في سياقها الموضوعي التاريخي، ولا ينتزعها خارج هذا الإطار، بحيث لا يجرى النظر إليها وتقييمها وفق الظروف التاريخية السائدة في عصر آخر.
وثانيها – البُعد المقارن، حتى تتضّح الرؤية وذلك وفقاً لاعتبارات الزمان والمكان والإنسان، ومن ثم الحركة والنتائج، من هنا ضرورة وأهمية دراسة ((ثورة 23 تموز/يوليو)) من منظور خبرة الثورات العالمية.
وثالثها – البُعد النقدي، الذي ينظر إلى الظروف والملابسات التي كانت سائدة، وإلى الاحتمالات المختلفة، والبدائل المتعدّدة التي كانت متاحة، ومن ثم تقييم التوجهات والاختيارات.
بهذا المنهج في تحديد معنى الثورة ومغزاها ومهماتها يمكن الخروج بتحديد ما هو عام تشترك فيه ((ثورة 23 تموز/يوليو)) مع غيرها من الثورات – سواء أكان إيجابياً أو سلبياً – لكنه يبقى من طبيعة الثورات. ثم تحديد ما هو خاص بتجربة ((ثورة 23 تموز/يوليو))، بحكم الزمان والمكان والإنسان، مع تحديد الإيجابي والسلبي أيضاً.

لتوضيح ذلك، تمكن الإشارة إلى ثلاثة أقوال مشهورة تعبّر عن فهم دقيق لمضمون الثورة:
أولها- ((أن الثورة إذا نجحت فهي القانون .. وإذا أخفقت فهي الجريمة))!
وثانيها- ((أن الثورة ليست حفلة عشاء بالملابس الرسمية الأنيقة))!
وثالثها- ((ان الذين يتصوّرون أن هناك ثورة طاهرة مبرأة من العيوب سوف يموتون قبل أن يروها))!
إن الأحداث الكبرى في التاريخ لها منطقها، الذي يفسّر تطوّرها وتسلسل وقائعها. من هذا المنظور فإن الثورة – بحكم أنها ثورة – هي حركة تغيير هائلة، بما يصاحب ذلك من مدّ وجزر، وانتصارات وهزائم، وإنجازات وأخطاء، إنها عاصفة عنيفة، وعملية جراحية كبرى، لا بدّ أن تعتريها كل التقلّصات والآلام والمعاناة التي تصاحب الميلاد دائماً في كل مظاهر الحياة.
من ثم فإن الاحتياج إلى دراسة حقيقية تقدم صورة متكاملة، موضوعية ونقدية، لخبرة ((ثورة 23 تموز/يوليو))، وقيادة جمال عبد الناصر، من منطلق ثوري، ومن داخل معسكر الثورة ذاته، ليست، ولا ينبغي أن تكون، نوعاً من السلفية التاريخية، ولا هي نظرة بالحنين والشجن إلى الماضي، مهما كان مجيداً وعظيماً، بل هي محاولة لفهم الحاضر، والتطلّع إلى المستقبل، بالاستفادة من تجربة تلك الثورة المجيدة، وقيادتها الفريدة. من هنا ضرورة المراجعة النقدية الأصيلة والصحيحة لتلك التجربة، لأن حقبة بالغة الأهمية والخطورة بين 23 تموز/يوليو عام 1952 إلى 28 ايلول/سبتمبر عام 1970 لا بدّ لها من مراجعة نقدية أصيلة، تلك المراجعة التي تلتزم بالمبادئ، لكنها تعطي نفسها أوسع مجالات الحرية في مناقشة التطبيق؛ لأن تجديد التجربة لا يمكن أن يتمّ إلاّ عن طريق إعادة تقييمها، إذا كان محتماً تجاوز حديث الذكريات، والحنين والشجن، وإذا أرادت استعادة قوة اندفاعها في الحاضر، وتأهيل نفسها للمستقبل. وكان جمال عبد الناصر هو الذي قال في ((الميثاق)): ((إن الثورة العربية، وهي تواجه هذا العالم، لا بد لها أن تواجهه بفكر جديد، لا يحبس نفسه في نظريات مغلقة، يقيد بها طاقته، وإن كان في الوقت نفسه لا ينعزل عن التجارب الغنية التي حصلت عليها الشعوب المناضلة بكفاحها)).

مؤكداً ((أن التجارب الاجتماعية قابلة للانتقال، لكنها ليست قابلة لمجرد النقل، قابلة للدراسة المفيدة، لكنها ليست قابلة لمجرد الحفظ عن طريق التكرار)). هذا هو المنهج ((الناصري))، وهو المنهج ذاته المطروح الآن وهو اللازم.

جمال عبدالناصر في ميدان التحرير أعاد المصريون الاعتبار له قائداً ومعلماً

إن تجربة ((ثورة 23 تموز/يوليو))، وقيادة جمال عبد الناصر، ليست فوق النقد والحساب، ولا ينبغي أن تكون، فليست هناك قداسة للبشر، أي بشر، إنما هناك إنسانية البشر، كل البشر، وأول مقتضياتها أن كل التجارب الإنسانية قابلة للنقد، كما أن أدوار كل البشر – بمن فيهم الأبطال العظام – قابلة للتقييم، وربما يجيء هؤلاء الأبطال العظام قبل غيرهم، لأن لديهم أصلاً ما يستحق النقد والحساب والتقييم – شرط أن تكون الجدية والموضوعية هما أساس النقد والحساب والتقييم.

ثم ان كل زعماء العالم يتعرضون للنقد السياسي سواءً فى فترة حكمهم أو بعد انتهائها دون أن ينتقص ذلك من أقدارهم أو أدوارهم التاريخية، وعلى سبيل المثال فإن شارل ديغول الذي يعتبره الفرنسيون الأب الروحي للجمهورية الخامسة، أي مؤسس فرنسا الحديثة، والذي قاد بلاده إلى الاستقلال من الجيوش النازية التي احتلت بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية، خرجت ضده تظاهرات عارمة في الستينيات اعتراضاً على بعض سياساته، واضطر بعدها بعام للاستقالة من منصبه كرئيس للجمهورية بعد إجراء استفتاء أكد تدني شعبيته.

أما أن يتحول الأمر في حال جمال عبد الناصر إلى حملات إدانة كاسحة فهذا يعتبر تجنياً ليس على تاريخ مصر فحسب، إنما هو فوق ذلك ((نحر)) في شرعية النظام من أساسه. وإذا كان ما ينسب إلى ((ثورة 23 تموز/يوليو))، وإلى جمال عبد الناصر صحيحاً، على النحو الذي ذهبت إليه تلك الحملات العاتية، فلم يكن أمام ذلك النظام الذي ادعى أنه استمرار لتجربة ((ثورة 23 تموز/يوليو))، – والذي لا يملك أساساً للشرعية غيرها – إلا أن يجمع أوراقه .. ويرحل!

أساس ذلك أن المشكلات الكبرى التي واجهتها ((ثورة 23 تموز/يوليو)) ما تزال مطروحة على الساحة العربية، وهي مشكلات التخلّف والتبعية والتجزئة وإسرائيل. لقد شهدت الخمسينيات بداية تصاعد الصراع الإستراتيجي على المنطقة العربية، وسعي الولايات المتحدة الحثيث، في إطار ((سياسة إحتواء الاتحاد السوفياتي))، إلى الحصول على قواعد وتسهيلات عسكرية في عدد من الأقطار العربية، فضلاً عن تكثيف الوجود العسكري الأجنبي في البحار المحيطة بالمنطقة العربية، وفي البلاد المجاورة لها. كما شهدت محاولات الاختراق السياسي لهذه الدولة أو تلك. ومن الناحية الاقتصادية. جاء ارتفاع أسعار النفط، وتراكم الثروة النفطية عاملاً لمزيد من إدماج الاقتصاديات العربية النفطية في السوق الرأسمالية العالمية. ومنذ سنوات السبعينيات ازداد حجم التبادل التجاري بين أغلب البلدان العربية – مع اختلاف إيديولوجياتها وسياساتها المعلنة – والولايات المتحدة والدول الغربية، وازداد عجز البلدان العربية عن توفير الغذاء لشعبها، وانتقلت واحدة بعد أخرى إلى استيراده من الخارج. وتبلور مثلث الخطر الوجودي العربي: الغذاء، والمياه، والسلاح، الذي سيتحكّم في الوضع العربي العام لسنوات. ومن الناحية الثقافية ازداد نفوذ الاتجاهات ((المتغربة)) و((المغتربة)) عن الواقع العربي، وانتشرت مفاهيم سطحية ومشوّهة عن التنمية والحضارة والثقافة، من شأنها تأكيد نمط التبعية والاعتماد على الخارج.
من ثم إذا كانت حقبة الخمسينيات والستينيات، عموماً، هي أعوام العمل من أجل الاستقلال الوطني، والتنمية المستقلة، والتقدّم الاجتماعي، والوحدة العربية، وعدم الانحياز.. فإن الحقبة التالية هي مرحلة انتكاسة الثورة العربية على المستويات كافة، ومرحلة تبعثر النظام العربي، ومرحلة أخطر المحاولات لاختراقه من الخارج، بقصد تفتيته داخلياً (من خلال تكريس القطرية، والتيارات الانعزالية، والحروب الأهلية، ومشكلات الأقليات)، وخارجياً (من خلال إذابته، أو تفتيته، في إطار هويات أخرى تختلف عن الهوية العربية). فضلاً عن بروز النفوذ الأجنبي – الغربي والإقليمي – في الشؤون العربية، وتقليص الإرادة العربية القومية.

ساطع الحصري قال عنه: رجل اتسعت همّته لآمال أمته

في ضوء ما تقدم تبرز أهمية خبرة ((ثورة 23 تموز/يوليو)) وقيادة جمال عبد الناصر. إن السؤال الجوهري الذي يثار اليوم إنما ينبغي أن يتركز حول الثوابت والمتغيّرات في ((ثورة 23 تموز/يوليو)). من ثم فإن المراجعة النقدية الأصيلة للتجربة تمثل ضرورة لعملية فرز تستخلص الثوابت المبدئية، وتعزلها عن المواقف الظرفية والطارئة، التي استدعتها تطورات ((الثورة))، الداخلية والخارجية، وتحدد الخط الإستراتيجي للثورة، الذي يبلور ((المشروع القومي العربي)) الذي طرحه جمال عبد الناصر، في صيغة صحيحة تاريخياً وفكرياً، وممكنة عملياً وموضوعياً.

لذلك، لا بدّ من التمييز بين روح ذلك المشروع القومي العربي الذي جسدته ((ثورة 23 تموز/يوليو)) وفلسفته وتوجّهاته – من ناحية، وسياساته وقراراته وآلياته – من ناحية أخرى. إن أهمّ ما اتّسم به هذا المشروع القومي هو هدفه، الذي كان يتلخّص في تقليص الاستغلال وتعظيم الاستقلال، وطنياً وقومياً وعالمياً. أما السياسات والقرارات والآليات، فقد أملتها اعتبارات هيكلية موضوعية داخلية، وضغوط إقليمية ودولية، واجتهادات سياسية ذاتيّة عمد إليها جمال عبد الناصر، والنخبة التي حكمت معه، في ذلك الوقت (1952-1970).

إن روح المشروع وفلسفته وتوجّهاته ما تزال صالحة، بل وتمثّل ضرورة ملحّة، لا بدّ من تجسيدها سياسياً وتنظيمياً إذا كان لمصر والوطن العربي أن ينهضا من جديد، أو أن يخرجها من مستنقع التردّي والمآزق الحالية.

أما السياسات والقرارات والآليات، فلا ينبغي، وربما لا يمكن، بعثها من جديد. فقد كانت هذه وليدة عوامل هيكلية داخلية، وضغوط إقليمية ودولية. وقد طرأ تغيّر هائل على هذه العوامل جميعاً. هذا فضلاً عن غياب جمال عبد الناصر ونخبة 23 تموز/يوليو من المسرح.

وحتى إذا كان ما يزال ذلك القائد العملاق على قيد الحياة، فأغلب الظنّ أنه كان سيستجيب لهذه المتغيّرات الداخلية والإقليمية والدولية بشكل مغاير تماماً في الألفية الثالثة، عمّا فعل في الخمسينيات والستينيات.

هذه الاستجابة المُغايرة لا بدّ أن تنصبّ على السياسات والقرارات والآليات وليس على روح المشروع وفلسفته وتوجّهاته.

وليس هنا مجال رصد التغييرات والمتغيّرات التي طرأت على الساحة المصرية والعربية، أو على المسرح الإقليمي والدولي منذ رحيل جمال عبد الناصر، ولا مجال تحديد أسباب ومضاعفات هذه التغييرات والمتغيّرات. لكن من المهمّ – إذا أريد لروح مشروع ((ثورة 23 تموز/يوليو)) أن تبعث من جديد – إنجاز عدد من المهام:
أولها- المراجعة النقدية الأصيلة لتجربة الثورة ولقائدها بين 23 تموز/يوليو 1952 و28 ايلول/سبتمبر 1970. المراجعة التي تلتزم بالمبادئ، لكنها تعطي نفسها أوسع مجالات الحرية في مناقشة التطبيق. فضلاً عن ذلك فإن تلك النظرة النقدية ضرورية لعملية فرز تستخلص الثوابت المبدئية، وتعزلها عن المتغيّرات الظرفية، كما أنها تميّز بين ما هو ((عربي)) وما هو ((مصري)) في تلك التجربة.
وثانيها- رصد وتحليل ما طرأ على البناء الاقتصادي الاجتماعي المصري والعربي من تحوّلات، فضلاً عمّا طرأ على النظام العالمي من تغيّرات هائلة منذ رحيل جمال عبد الناصر حتى الآن.
وثالثها- فتح باب ((الاجتهاد)) واسعاً لابتكار السياسات والآليات المناسبة للتعامل مع مشكلات الحاضر وتحدّيات المستقبل في ضوء روح المشروع وهدفه الأسمى، أي تقليص الاستغلال وتعظيم الاستقلال.
ورابعها- استكمال بناء منظومة مفاهيم المشروع القومي الذي طرحه جمال عبد الناصر في أبعاده الوطنية والقومية والعالمية. إن هناك مطالب ستة دار حولها النضال العربي منذ عصر النهضة الحديثة في القرن الماضي، وقد لمسها جميعاً جمال عبد الناصر في أحاديثه وكتاباته، وعبّرت عنها وثائق ((ثورة 23 تموز/يوليو)) الأساسية، وقطعت شوطاً بعيداً في ممارسة معظمها. وهذه المطالب هي:
1 – الديموقراطية السياسية، في مواجهة الاستبداد والفساد.
2- الوحدة العربية، في مواجهة التجزئة.
3 – التنمية المستقلّة، في مواجهة التخلّف، والتبعية.
4 – العدالة الاجتماعية، في مواجهة الاستغلال الداخلي والخارجي.
5 – الاستقلال الوطني والقومي، في مواجهة الهيمنة الأجنبية الإقليمية والدولية.
6 – التجدّد الحضاري، في مواجهة تجمّد التراث من الداخل، والمسخ الثقافي من الخارج.
إن هذه المطالب الستة تكوّن في ما بينها مشروعاً قومياً، مترابطاً عضوياً، ومتّسقاً منطقياً، وملهماً جماهيرياً، وهو يصلح أساساً، لا فقط لبناء إجماع عربي جديد، لكنه ضروري أيضاً للخروج من حال التردّي العربي التي عجزت كل الدول القطرية عن الخروج منها، والتحرك نحو نهضة عربية شاملة. فضلاً عن أن هذه المطالب قد جرى اعتمادها، وبنصوصها نفسها تقريباً، على أعلى مستويات السلطة والمسؤولية في الدول العربية، وذلك في مؤتمر القمة العربي في عمان عام 1980 .
هنا تنبغي الإشارة إلى أن ما مثّله جمال عبد الناصر، وعبّر عنه، وقاد اندفاعه، ليس في حال حصار، لأن تيّار التاريخ معه، دون تصوّر حتميات قدرية تستطيع أن تحقّق نفسها آلياً، كما أن الثوابت التي استجاب لها جمال عبد الناصر ما تزال قائمة.. وأن استجابته لها كانت صحيحة في عصره.. والكثير منها صحيح، حتى بعد عصره. فلقد انطوى المشروع القومي العربي الذي رفعته ((ثورة 23 تموز/يوليو)) على حلول صحيحة في عصرها لمواجهة تلك المشكلات، وقطعت الأمة العربية شوطاً كبيراً نحو تحقيق التطلّعات المشروعة للشعب العربي، من المحيط إلى الخليج. لكن الثورة تعثّرت بالانفصال عام 1961، ثم انتكست بهزيمة عام 1967، ثم توقّفت بوفاة قائد الثورة عام 1970، وهنا انتزع ((معسكر الثورة المضادّة)) زمام المبادأة، تأكيداً لما كان يردده جمال عبد الناصر من أن هناك ((حزب يميني)) كامناً ومتربصاً بالثورة، وهو أكثر تنظيماً، وعلى أهبة الاستعداد للانقضاض على الثورة، إذا ما أتيحت له الفرصة، لهذا يصح القول ((إن رواسب الماضي تحاربه، لكن طلائع المستقبل تحارب معه))، على حد تعبير محمد حسنين هيكل في كتابه المهم: ((لمصر لا لجمال عبد الناصر.

نابليون: مات مهزوماً منفياً وأعادت فرنسا الاعتبار له

لقد قام ((معسكر الثورة المضادة))، منذ رحيل جمال عبد الناصر، بتقديم نقده الشامل لتجربة ((ثورة 23 تموز/يوليو))، بل لقد اجترأ معسكر الثورة المضادة على وضع الثورة ذاتها في قفص الاتهام، وتولّى محاكمتها، وإصدار الحكم عليها غيابياً، وشرع من ثم في بناء مشروعه ((الثوري المضادّ))، في مشهد من أكثر مشاهد التاريخ العربي المعاصر غرابةً وفجوراً.

لقد حقّق معسكر الثورة المضادة، نجاحاً أكثر غرابة، حين تمكّن من توجيه البعض منا، حتى من داخل معسكر الثورة ذاته، إلى الحديث عن قضايا من نحو ((سلبيات التجربة))، وضرورة ((نقد الذات))، بل وإلى البحث عن السلبيات في كل حديث عن الثورة، إلى حدّ افتعال السلبيات، حتى يبدو الحديث كأنه منصف للثورة، ومنصف للمتحدّث!

لكن الحديث عن ((سلبيات التجربة)) انقلب في كثير من الحالات إلى ((سلب للتجربة)) ذاتها، وأحياناً من أبرز إيجابياتها، بينما تحوّل ((نقد الذات)) في معظم الحالات إلى ((جلد للذات)).

وإذا بالحديث عن سلبيات التجربة، ونقد الذات، يتحوّل إلى ((همّ كبير))، في صفوف معسكر الثورة ذاته، يقضّ المضاجع، ويؤرق الضمائر. إن جمال عبد الناصر كان أول من يقرّ بالعديد من الأخطاء في مسيرة الثورة، مع السعي إلى معالجتها، بل وتحمل مسؤوليتها بالكامل إلى درجة الاستقالة من موقعه في 9 يونيو/حزيران عام 1967، إثر النكسة الفادحة التي ألمّت بمصر والأمة كلها.

في ضوء ما تقدم لا شك في أن النقد الشامل لتجربة ((ثورة 23 تموز/يوليو))، من منطلق ثوري، ومن داخل معسكر الثورة ذاته، هو الخطوة الأولى نحو إسقاط هذا الهمّ الكبير، وتحوّل معسكر الثورة من مواقع الدفاع التي تحصّن فيها طوال السنوات الماضية، إلى مرحلة الهجوم، وصعوده، بحجم التجربة التي يمثّلها، في حلبة الصراع السياسي الفعلي.

إن “((ثورة 23 تموز/يوليو)) عام 1952 ما تزال تمثّل تياراً سياسياً وفكرياً فاعلاً، في الحياة السياسية في مصر والبلدان العربية الأخرى. إذ لا شكّ في أنها الثورة الأم في التاريخ العربي المعاصر، وأن التوجهات التي تبنتها، والأحداث والمبادئ التي حرّكتها وتحرّكت بها، ما تزال تُسهم في الجدال السياسي والفكري الدائر في الوطن العربي.

يرد ذلك إلى أنها لم تكن مجرد طريق للنمو غير الرأسمالي، ولا مجرد طريق وسط بين المعسكرين المتصارعين، وبين الإيديولوجيتين المتناقضتين آنذاك، إنما كانت مشروعاً أصيلاً متكاملاً لتحقيق نهضة قومية مستقلة. من هنا إصرارها على الاستقلال الوطني والقومي، ومحاربة التبعية، ورفض التجزئة، ومحاربة إسرائيل.

يفسر ذلك المحاولات التي لم تنقطع لإجهاض الثورة، ووقف تطورها، فضلاً عن تشويه صورتها وأفكارها وتوجهاتها، بخاصة لدى الأجيال الجديدة. لكن تأثير فكرة ما، أو مجموعة من الأفكار والممارسات، لا يتوقف على الحملات الإعلامية، ولا على الأهواء والنوايا والمطامع، لكن على قدر ملاءمة هذه الفكرة ظروف الواقع، ومدى قدرتها على تفسيره، وتفسير تطوره، وتقديم حلول مقبولة فكرياً وممكنة عملياً لمشكلاته. إن استمرار حدث كبير في الوجدان الجماعي لشعب ما، مع ما يتعرض له من تحديات عاتية وحملات إعلامية شرسة، يتوقف على مدى تعبير هذا الحدث عن آمال هذا الشعب وإدراكه، ومصالحه الوطنية والقومية. لذلك فإن البذور التي غرستها ((ثورة 23 تموز/يوليو)) ما تزال تنمو وتفعل فعلها في الأرض العربية.
وفي حال ((ثورة 23 تموز/يوليو)) فإن أغلب الشعارات والأفكار التي طرحتها، أو ارتبطت بها، كانت معروفة من قبل بمعنى من المعاني، ومتداولة بين بعض الأحزاب والقوى السياسية بدرجة من الدرجات، وكان فضل الثورة أنها قامت بمهمة ((التوليف)) بينها، وتأطيرها وجمعها في منظومة واحدة – من ناحية، ثم نقلها من عالم النظريات والأفكار إلى عالم الممارسة والتطبيق، وهذا هو الإنجاز الأكبر لها – من ناحية أخرى. وفي الظروف العربية الراهنة تزداد الحاجة إلى استيعاب مبادئ ((ثورة 23 تموز/يوليو))، فما تـزال المشكلات والتحديات نفسها تحاصر بـلادنـا العربية، مشكلات مثل مواجهة أعباء التنمية المستقلة وتبعاتها، وتنفيذ سياسات العدالة الاجتماعية، وبناء مجتمعات المواطنة والمشـاركـة السياسية، وحرية القرار الوطني. وتحديات مثل استمرار المشكلة الفلسطينية والخطر الإسرائيلي، وازدياد اختراقات دول الجوار الجغرافي، وتحديات العولمة، والمخاطر والتهديدات المؤثرة في الأمن القومي العربي بشكل عام.
وكانت حصيلة هذه المشكلات والتحـديات تراجـع مفهوم المواطنة والانتماء القومي لمصلحة انتماءات طائفية ومذهبية وإثنية، كان من شأنها اندلاع الحروب الداخلية وتـهديد كيان الدولـة. ولا سبيل لمواجهـة ذلك من دون إحياء مشروع الدولة الوطنية الحديثة التي قدمت ((ثورة 23 تموز/يوليو)) نموذجاً لها، ومن دون إحياء سياسات التضامن والاتحاد والتوجه القومي العربي الذي كان نهجاً ثابتاً لهذه الثورة، في ضوء متغيرات العصر وتحدياته فهل يمكن – بعد ذلك – الادعاء بأن مبادئ هذه الثورة قد ماتت؟
لا شك في أن ((ثورة 23 تموز/يوليو)) بقيادة جمال عبد الناصر كانت تجربة هائلة في حياة الأمة العربية، وفي زماننا المعاصر كله. ومثل كل تجربة – بخاصة إذا كانت بالثورة، وفي ظروف عالم متغير – فإن التجربة تصبح حافلة؛ ذلك أنها بالثورة تواجه بدايات جديدة، ثم إنها تعطي للتحديات التي تطرح نفسها عليها إجابات مختلفة.. وهذا مجال الصواب والخطأ.
وقد أصاب جمال عبد الناصر وأخطأ، لكن الإيجابي في تجربته يرجح السلبي بكثير، ومحصلة أي حساب أمين تعطيه أكثر مما تأخذ منه، بفارق كبير لمصلحته، تكفي نظرة على خريطة المنطقة السياسية والاجتماعية، وموازين القوى فيها، قبل جمال عبدالناصر، وبعده.. لتبدو الحقيقة ظاهرة ناصعة.

هيكل دعا الى كشف المستور.. ولم يستجب أحد

مع ذلك، فقد آن أوان أن تفتح الدفاتر كلها بغير استثناء.. ولتفتح الدفاتر بأمانة وشرف، وبغير أحقاد أو عقد.. وليجر التحقيق في كل قرار وإجراء، وكل خط وزاوية. وهي الدعوة التي أطلقها محمد حسنين هيكل منذ ربع قرن، عام 1986، في كتابه: ((لمصر.. لا لعبدالناصر))، دون أن تلقى استجابة حتى الآن، والدعوة ما تزال قائمة. وفي هذا المجال المحدد والمحدود ليكن التحقيق شاملاً في كل المجالات:

بداية.. ليكن التحقيق عربياً شاملاً يتجاوز حدود مصر، لأن تجربة جمال عبدالناصر كانت تجربة عربية شاملة، تجاوزت حدود مصر.

ثم ليجر التحقيق في الرجل نفسه ونزاهته، وكل تصرف شخصي من تصرفاته، وهل كان عفاً في كل ما أتى، أم أنه مال وانحرف؟

وليجر التحقيق في دعوته، وهل كانت تعبيراً أصيلاً عن ضمير الأمة ونضالها عبر قرون، أم أنها كانت فرضاً فرض عليها بقهر السلطة، ولنسأل أنفسنا أية سلطة قهر كانت له على جماهير الأمة العربية خارج حدود مصر، وكانت هذه الجماهير البعيدة عن نطاق سلطته هي الاحتياطي الإستراتيجي لحركته؟

وليجر التحقيق في سياسته الخارجية، وهل إستطاعت هذه السياسة أن تجعل من العرب قوة سياسية ضخمة، تتصدر التيارات الفاعلة في عصرها، كحركة الثورة الوطنية في العالم، وحركة معاداة الإستعمار، وحركة التضامن الآسيوي الأفريقي اللاتيني، ومنطق الاستقلال الحياد الإيجابي وعدم الإنحياز، والاتجاه العام إلى مجتمع دولي يسوده العدل والسلام، وتحكمه مبادىء القانون الدولي، أم أن الرجل كان ضد التحرر، وكان متحالفاً مع الإستعمار، داعية إلى الطغيان في مجتمع الدول؟

وليجر التحقيق في سياسته العربية، وهل كانت مع التاريخ والجماهير، أم كانت ضد التاريخ والجماهير؟ وهل بادر أحد بعداء أم أنه اضطر إلى معاداة من عادوه، لأنهم وقفوا ضد التاريخ والجماهير، وحاولوا تعطيل مسيرة الأمة؟
وليجر التحقيق في سياساته الداخلية: في صيغة تحالف قوى الشعب العامل كبديل لدموية الصراع الطبقي، وفي الإستجابة لتحدّيات مرحلة الانتقال من مجتمع متخلف اقتصادياً واجتماعياً إلى مجتمع الكفاية والعدل، وفي الإجراءات التي اضطر إلى إتخاذها لتكون للمجتمع المصري بداية سليمة على طريق الإنتقال.
وليكن التحقيق شاملاً في تجربة التصنيع في مصر، وفي تجربة تطوير الزراعة، وفي تجربة بناء قطاع عام قادر وقوي يستطيع أن يقود عملية التنمية في جميع المجالات، وفي تجربة التخطيط القومي لذلك كله، وهل بلغت نسبة التنمية الشاملة في معظم سنوات عهده (6.7%) سنوياً، وتلك النتيجة كانت لا مثيل لها في العالم النامي كله، حيث لم يتجاوز معدل التنمية السنوي في أكثر بلدانه المستقلة، خلال تلك الفترة، عن (%2)، بل إن هذه النسبة التي تحققت في مصر كان يعز تحقيق مثيلها في دول العالم المتقدم، باستثناء اليابان وألمانيا الغربية والدول الشيوعية، حسب تقرير ((البنك الدولي للإنشاء والتعمير)) رقم (870– أ) عن مصر، الصادر بتاريخ 5/1/1976، وهذا البنك الذي لا يمكن أن يكنّ وداً للتجربة ولا لقائدها. وأية تجربة أخرى في العالم الثالث غير تجربته بلغت هذا الحد من النجاح، رغم ما نعرف جميعاً من ضغوط الحوادث والظروف؟
وليكن التحقيق شاملاً سياسات التأميم، مع تأكيد أن كل ما تم تأميمه إلى إجمالي القطاع العام لا يتجاوز 10% إلى 15% على أقصى تقدير، بينما القدر الأعظم جاء نتاج كدٍ وجهد وعرق الشعب المصري، عبر مراحل التنمية المستقلة المتواصلة، وفي هذا السياق ليكن التحقيق شاملاً إجراءات الحراسة.. حال حال، ولتنشر القوائم مع الأسباب والظروف والملابسات.
وليكن التحقيق شاملاً أيضاً في كل ما يقال عن عمليات الاعتقال، والفصل، والتعذيب.. حال حال، ولتنشر القوائم مع الأسباب والظروف والملابسات. وكذلك دور أجهزة الأمن، وهل كانت مصر تحت حكمه صورة جديدة من ((ألبوم العاصفة النازية))؟ أم أن هذه التجربة لم تعتمد العنف إلا في أقل القليل، وفي سبيل أكبر الكبير من المبادئ والأهداف؟ مع التسليم سلفاً بوجود تجاوزات، لابد من الحساب عنها والعقاب.
إن ما تعرض له جمال عبدالناصر في مصر لم يحدث لزعيم وقائد في أي بلد من بلدان العالم، إلا إذا كان هناك إنقلاب مسلح على نظامه، ومثل هذا الإنقلاب لم يحدث قطعاً. وعلى فرض أن إنقلاباً مسلحاً كان قد حدث، فإننا نشك في أنَّ حملة اليوم على الأمس كان يمكن أن تصل إلى هذا العنف. ولم يكن من قبيل الأخطاء السياسية ما حدث، لكنه كان أسوأ، فقد تعدّى أخطاء السياسة إلى السقوط الأخلاقي .. إلى نوع من الإنتحار المعنوي. وليست هذه هي مصر، ولا يمكن أن تكون هذه هي مصر .. وهي بالفعل ليست مصر!
لقد كانت تجربة جمال عبدالناصر، بإيجابياتها وسلبياتها، تجربة مصرية عربية إنسانية أصيلة، ومناقشتها حق، لكن إدانتها الشاملة على هذا النحو الذي جرى في مصر، وبالوسائل والأساليب التي تم بها باطل لا يصح. ويبقى مؤكداً أنه لا يصح غير الصحيح.
ثم إن جمال عبدالناصر كتاريخ ملك أجيال قادمة تتاح لها الحقائق كلها، وتخلو نظرتها إلى الوقائع من انفعالات لحظة بعينها، سواء سادها الفرح أو سادها الحزن.
كانت تلك – على سبيل المثال، ومع اختلاف الظروف – قصة ((نابليون)) مع فرنسا. لقد مات نابليون والهزيمة من حوله.. ومات في المنفى تحت ذل أعدائه.. ومضت سنوات وسنوات، وعادت إليه فرنسا، ووضعته في رأس القائمة من زعمائها الخالدين، بل وعمدت إلى تصميم مدخل قبره، حيث جعلت ارتفاع الباب منخفضاً بشكل محدد وملحوظ، حتى تجبر من يدخل إليه على الانحناء حتى يستطيع الدخول إلى مقبرة القائد التاريخي.. إجلالاً واحتراماً. لقد ذهب اديب فرنسا العظيم أندريه مارلو، وهو يعقد مقارنة بين نابليون وجمال عبدالناصر، إلى أن ((المسألة ليست هي النصر العسكري أو الهزيمة العسكرية. المسألة هي إرادة الأمة وتقديرها للبطل حين تجد نفسها فيه. ولقد وجدت أمتكم نفسها في جمال عبدالناصر، كما وجدت أمتنا نفسها في نابليون.. مع اختلاف الظروف، وهذا هو ما يبقى.. وغيره تكنسه الأيام))!
ونزعم أن أي تحقيق منصف، يبغي وجه الحقيقة والأمة، بل والمستقبل، سوف يضع جمال عبدالناصر حيث يجب أن يكون، وحيث وضعته جماهير الأمة العربية، التي لم تكتف بالإعراض عما يتعرض له في مصر، بل عزلت فلول الظلام التي حاولت أن تحاصر قبره وتنبشه، كما فعل في تاريخ مصر القديم لصوص المقابر .. حتى في أهرامات مصر الشامخة.
هكذا فإن الإنسان في جمال عبد الناصرمع ربه.. والتجربة ملك لجماهيرها.. والتاريخ ملك أجيال قادمة. وإذن فإن الحملة الضارية بعيدة عن أي تاثير حقيقي عليه، إنساناً أو تجربةً أو تاريخاً.
وعندما توزن أخطاء تجربة، في مثل حجم تجربة ((ثورة 23 تموز/يوليو)) وقيادة جمال عبد الناصر، فإن هذه التجربة لا يمكن أن تقاس إلا بأهدافها هي، وإلا بظروفها هي، وإلا بالتحديات التي واجهتها هي، وإلا بالخيارات التي كانت مفتوحة أمامها.. وإلا أصبح التقييم تعسفاً.. وانحدر التاريخ إلى مستوى المؤامرة!
ثم إنه لا يستطيع أن يقضي في هذه التجربة، ولا حتى بالتقييم، هؤلاء الذين اتخذوا موقف العداء من التجربة، بمبادئها وحركتها وجماهيرها، فعادتهم هذه التجربة مبدأً وحركةً وجماهير. إن هؤلاء لهم ((حق الكلام))، لكن كلامهم يكون من موقع العداء.. وليس من موقع القضاء، ويجب أن يكون هذا التحفظ المبدئي واضحاً وقاطعاً، لكي لا تختلط الأوراق.
إن المستعمرين الفرنسيين – ذوي الأقدام السوداء كما كانوا يسمونهم في الجزائر – الذين خاضوا حروباً ضد فرنسا ذاتها لكي تبقى ((الجزائر فرنسية))، لا يمكن أن يكونوا هم السلطة التي تقيّم الثورة الجزائرية.
و((حكومة فيشي))، التي استسلمت للألمان في الحرب العالمية الثانية، حاكمت الجنرال ديغول – الذي مثل إرادة الشعب الفرنسي في مقاومة الاحتلال النازي – وحكمت عليه بالإعدام، وطلبت رأسه حياً أو ميتاً، لكن هذا الحكم كان مهزلة على هامش التاريخ، ولم يدخل في حسابه.
وبالمعيار نفسه فإن وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، وهي الدافع الحقيقي وراء الحملة الضارية على جمال عبد الناصر، ليست هي القاضي الذي يبحث قضية الديموقراطية في عهده. إن هؤلاء الملوثة أيديهم بالجريمة الوحشية في تشيلي – مثلاً – حين اغتيل الرئيس الشرعي المنتخب ديموقراطياً سلفادور ألليندي، وقتل في الشوارع في يوم واحد 25 ألفاً، وحيث اعتقل في أسبوع واحد 200 ألف من المواطنين، وفق تقرير ((لجنة العفو الدولية)) – ليسو قضاة الديموقراطية في تجربة جمال عبد الناصر أو غيره، بخاصة في ضوء ((إنجازاتهم)) الدموية التي غطت ساحة اميركا اللاتينية منذ خمسينيات القرن الماضي. ثم إن صفحات هذه ((الإنجازات)) قد تضخمت على نحو لا مثيل له في فلسطين، وفييتنام، وصولاً إلى أفغانستان والعراق.
من هنا كان تأكيد جمال عبدالناصر، في زمانه، أننا نعيش ((في عالم لم تصل مبادؤه الأخلاقية إلى مستوى تقدمه العقلي))، فما بالنا بظروف ((عالم اليوم)) من الناحيتين: المبادىء الأخلاقية ومستوى التقدم العقلي.
نعم.. تجربة جمال عبدالناصر ليست فوق النقد، بالعكس فإن نقدها بالتقييم مطلوب ولازم، لكن جامعة القاهرة مثلاً – مهما كانت أسباب قصورها – لا يمكن أن تحاكم من ((علب الليل)) في شارع الهرم!
حتى في هزيمة 1967.. نعم حتى في هزيمة 1967، فإن التاريخ سوف ينصف جمال عبدالناصر. إن الهزيمة بكل ظروفها ومسؤولياتها يجب أن توضع في إطارها من نضاله كله، فلم تكن معركة 5 حزيران/يونيو عام 1967 هي معركته الوحيدة، إنما كانت واحدة من معاركه.. نجح في أغلبيتها، ولم ينجح في القليل منها. إن جمال عبدالناصر مسؤول، ولا يمكن لأحد أن يعفيه من مسؤوليته، بل ولم يقبل هو بديلاً عن الاعتراف في ((خطاب التنحي)) بأنه وحده يتحمل المسؤولية عنها كاملة، لم يتمسح بشيء، ولا توارى خلف أحد. وعندما يجيء وقت الحكم التاريخي عليه في مسألة الهزيمة، فلا بد أن توضع في الاعتبار عوامل كثيرة:
1 – ظروف الأزمة وتداعيها، وهل كان في وسعه أن يتقاعس عن نجدة سورية – عندما أعلن رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول، وهو يستعرض قواته المسلحة مزهواً، في خطاب الاحتفال بذكرى مرور (20) عاماً على ((قيام إسرائيل)) ظهر يوم 15/5/1967 ((إن الجيش الإسرائيلي سيتقدم لاحتلال دمشق))، وكانت الحشود جاهزة – حتى من منظور الأمن الوطني الذاتي، كما أعلن هو في ((خطاب التنحي)) ذلك ((لأن البادىء بسورية سوف يثني بمصر))؟
2 – قيادته الحركة السياسية في الأزمة، والطريقة التي حاول بها تفادي الانفجار، بخاصة اتصالاته ومراسلاته مع القيادة السوفياتية، ومع الرئيس الاميركي، ومقابلته مع أمين عام الأمم المتحدة.
3- تمثيله الإرادة العربية في الصمود بعد الهزيمة، وهذا في حد ذاته من أمجد مواقفه، فالهزيمة الحقيقية هي هزيمة الإرادة، وليست هي التراجع عن أرض.. بخاصة أن الصراع طويل ومستمر. وكان هذا ما أعلنه في أول خطاب له بعد النكسة في ذكرى ثورة 23 تموز/يوليو، حين أكد ((إن الجماهير العربية العظيمة التي خرجت إلى الشوراع يومي التاسع والعاشر من حزيران/يونيو عام 1967 قد أكدت أن قطعة من الأرض العربية قد تكون عرضه للاحتلال.. لكن أية قطعة من الإرادة العربية ليست عرضة لأي احتلال.. وهذا هو الفيصل الحقيقي في كل معارك التاريخ)).
4– نجاحه في إعادة بناء القوات المسلحة، في ظرف ستة أشهر من الهزيمة، وعودته إلى ميدان القتال، طبقاً لسياسة: الصمود – الردع – التحرير، التي بلغت قمتها في حرب الاستنزاف، والتي تعتبر هي الجولة الرابعة في الحرب العربية – الإسرائيلية، ومن ثم تخطيطه واستعداده لخوض معركة التحرير. وقد وثق الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية، في كتابه: “حرب الثلاث سنوات: 1967 – 1970″، حقيقة أن جمال عبدالناصر قد صدق بالفعل في أيلول/سبتمبر عام 1970 على ((أمر القتال)) لتحرير الأراضي المحتلة، على أن تبدأ المعركة فور انتهاء وقف إطلاق النار يوم 7/11/1970، لكن يشاء القدر أن يكون ذلك اليوم ذكرى الأربعين لرحيله. وبالمناسبة يتضمن هذا الكتاب العلمي المتخصص حسماً للجدال الذي دار بين مفهومي ((النكسة)) و((الهزيمة)) في توصيف العدوان الإسرائيلي عام 1967. فقد ذهب الفريق أول محمد فوزي إلى أن الانتصارات الكبرى غالباً ما تأتي عبر هزائم كبرى، طالما أن المعركة مستمرة، والحرب العالمية الثانية خير مثال على ذلك، وإلا لما استمرت لحوالى ست سنوات، أما ((النكسة)) فهي أكبر بكثير وأكثر فداحة وجسامة من ((الهزيمة))، لأنها قد تمثل ((قطيعة تاريخية)) كاملة بين عهدين، وكان هذا في الحقيقة أهم أهداف ذلك العدوان.
5 – إن الهزيمة بكل مسؤولياتها يجب أن توضع في إطارها من كفاحه كله، فلم تكن معركة 1967 هي معركته الوحيدة – رغم نتائجها الجسيمة بلا جدال لأن قوى الهيمنة الغربية المتحالفة مع إسرائيل أرادتها تصفية شاملة للحساب لحركة القومية العربية، وللتجربة، وللقائد.. مرة واحدة وإلى الأبد – إنما كانت واحدة من معاركه، نجح في بعضها، ولم ينجح في البعض الآخر.
إن التاريخ يحدث مرة واحدة.. لكن يجري تفسيره مرات متعددة، وبأكثر من وجهة نظر، حسب ظروف الزمان والمكان. مع ذلك يظل البحث عن الحقيقة خياراً أفضل من امتلاكها، فالوحيد الذي يملك إجابة حاسمة هو ((الزمن))، بخاصة إذا استبعدنا الكتابات السطحية للبعض، والكتابات الإيديولوجية والمصلحية للبعض الآخر.
وبعد مئات السنين، وحينما يكتب تاريخ ((ثورة 23 تموز/يوليو عام 1952))، وقائدها جمال عبد الناصر بأمانة ونزاهة وشرف، وبغير أحقاد وعقد، وبكل تجرد، فإن التاريخ سوف ينصف الثورة، وبخاصة قائدها جمال عبد الناصر حتى في هزيمة 1967.. أبسط ما سوف يقال عنه: إنه كان رجلاً.. تحمّل مسؤوليته بشجاعة، وتقبل الحساب عنها في كبرياء.. ومثل إرادة وكرامة أمة بأسرها في يوم من أحلك أيامها.. وكان وسط الظلام والعواصف والمؤامرات الدولية إنساناً مؤمناً بوطنه وأمته وبمثلها العليا، وأعطى حياته لخدمة هذه المثل بشرف وصدق. فقد أصاب مرات، وأخطأ مرات.. لكنه حارب طوال الوقت، بصلابة وإيمان ويقين، ولم يستسلم حتى النَفَس الأخير.. وهكذا يفعل الرجال!

*التنمية في عهد جمال تخطت أقصى ما كانت تطالب به الناس

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *