المسلسلات والعالم المتوحش

الذي احتل الجزء الأ

المسلسلات والعالم المتوحش

حسن الإمام

كبر من المائدة الدرامية هو المسلسلات التي تناولت الكثير مما هو مسكوت عنه، قطاع وافر من المشاهدين اعتبروها تحمل تجاوزاً أو في الحدود الدنيا لا يجوز أن يُسمح بتداولها خاصة في رمضان، والبعض اعتبر أنها تحاول أن تقفز فوق سور الممنوعات لتصل إلى ما يجري في المجتمع ولكننا في العادة نتغافل عنه ونعتبر أن إلقاء الضوء عليه يحمل إدانة أخلاقية لنا، وهكذا تفرقت السبل وتناقضت زوايا الرؤية.

ويبقى السؤال الذي يتردد هل من الممكن أن نصل إلى منطقة آمنة لا نجد فيها هذا التناحر بين صوت يناضل من أجل حماية حرية الإبداع ويعتبره خطاً أحمر وصوت بدأ يعلو في السنوات الأخيرة مطالباً بحماية المجتمع من شطحات الفن والفنانين ويرى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد المجتمع يأتي ممن يرون أن تلك الحرية خط أحمر وعليهم لإصلاح المجتمع أن يبدأوا باختراق هذا الخط.

هناك مطالبة في أكثر من بيان ومؤسسة ومجالس قومية تحث الدولة على ضرورة أن تؤدي الدور الأبوي في أن تختار ما يجوز لتعرضه وتمنع ما ترى أن به تجاوزاً وتصادره، هل ما نزال نعيش في زمن يمنح الدولة إمكانية السيطرة بالمنع أم أنها لا تستطيع إلا أن تواجه فقط ما تراه رديئاً بدعم ما تشعر بأنه جيد وعليها أن تُسهم في تهيئة المناخ الصحي لتقديم دعم للفن الجيد وهو ما يُسهم في تمرير الرسائل التي تريد إيصالها للمجتمع.

البعض يرنو إلى فن أقرب إلى ((الكارت بوستال)) الذي يُجمل الحياة ويمنح الواقع ألقاً كاذباً بإبعاد كل ما هو رديء، وكأن غض الطرف عن قُبح الحياة يجعل الواقع جميلاً وكأن معركتنا انطلقت من محاربة الواقع الرديء إلى مطاردة الفن الذي يقدم هذه الرداءة.

صرنا بالفعل نواجه هذا السؤال عن مستوى الدراما ونتوقف أمام بعض الألفاظ والمواقف الدرامية التي نرى فيها بيت دعارة أو قواداً ونعتبر أنها تحمل تجاوزاً، وفي الوقت نفسه يشعرون أنه لا يليق بالشهر الكريم، وهكذا أرى القضية على الجانبين مجتمعاً غاضباً ويحمل الفن الرداءة والغضب ازداد ترديده عند نهاية الحلقات، لو تأملت الموقف ستجد أننا في تاريخ الدراما كله لا نقدم الشخصيات الإيجابية إلا في ما ندر وأن الشخصية السلبية هي التي تحتل المساحة الأكبر مصرياً وعالمياً ومن البديهي أن يتكرر هذا الأمر في الدراما المصرية القاتل والمنحرف والنصاب شخصيات لها جاذبيتها الدرامية.

يوماً ما سأل مخرج الروائع حسن الإمام والذي اشتهر بتقديم أشهر وأنجح الأفلام الجماهيرية وأيضاً كان يقدم حياة الراقصات في أفلام مثل بديعة مصابني وامتثال زكي وغيرهما لماذا لا يرى في رصيده أفلاماً عن هدى شعراوي وسميرة موسى وغيرهما؟ أجابني هل في حياة هدى شعراوي نكتة أو رقصة أو غنوة، ربما الأمر ليس بهذه البساطة التي عبر بها حسن الإمام ولكن لا شك أن القسط الأكبر من المسلسلات توقفت عند العالم المتوحش والمنفلت والغوغائي.

هناك تحفظات فنية على العديد من المسلسلات في الإسهاب في تقديم بعض تلك المشاهد ليس من زاوية أخلاقية كما يرى البعض ولكن برؤية فنية تستند إلى علم الجمال ونقيضه القبح، نعم هناك ما يمكن أن نطلق عليه إسرافاً أو مشاهد مجانية ولكن الطريق إلى تناولها يأتي فقط من خلال تقديم مقال نقدي عنها لم يعد من الممكن أن نشرع هذا السلاح الذي انتهى عمره الافتراضي منذ زمن ولكن علينا أن نسعى لكي نزيد وعي الناس وأن يرى الفن الجيد الذي يملك فقط إزاحة الرديء وبالمناسبة، ليس المقصود بالجيد هو الخالي من أي مشاهد جريئة ولا الرديء هو الذي يتضمنها.

هناك ضرورات درامية هي التي تقضي بذلك لا نريد فناً مما يطلقون عليه معقماً أو نظيفاً ولكن فناً نرى فيه الحياة بحلوها ومرها وتوحشها ونبلها.

ع. ع.

المسلسلات والعالم المتوحش/ مجلة الشراع الإثنين 8 كانون الثاني 2018 العدد 1831

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *