أضواء على حقيقة التصوف الإسلامي/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

أضواء على حقيقة التصوف الإسلامي/ بقلم: الشيخ أسامة السيد
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذُنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما} سورة الأحزاب.
لقد أمر الله عزَّ وجل عباده المؤمنين بالقول السديد، وهو عبارة عن القول الموافق للحق الذي حسَّنه الشرع وأقرّه، وليس القولُ الحسنُ السديدُ هو ما يعتبره الناسُ الذين ليس لهم فهم في الدين قولاً حسنًا، لأن أمثال هؤلاء من الذين لم يفقهوا ما ينبغي لهم معرفته من شرع الله قد يرون القولَ الفاسدَ حسنًا ويرون الباطلَ صوابًا، وقد يرون القولَ الحسنَ الموافقَ لشرع الله عزّ وجل فاسدًا، وذلك أنهم أضاعوا الميزان الشرعي فقاسوا المسائل بمجرد الرأي البعيد عن ضوابط الشريعة، وهذا ما يربأ العقلاء عن مثله ولا يرضاه الكيّس لنفسه، وبالتالي فإنما العبرة إذًا بالناس الذين فقهوا الدينَ وعرفوا كتابَ الله وسنّةَ نبيه صلى الله عليه وسلم وأقوالَ العلماء المعتبرين وعملوا بالأحكام، وبأمثال هؤلاء يكون الاقتداء، لأن القاعدة الدينية التي لا يختلف فيها اثنان من المسلمين أن ما حسَّنه الشرع فهو حسنٌ وما قبّحه الشرعُ فهو قبيحٌ.
أما الغوغاء الذين لا يعرفون إلا أن يتّبعوا الناسَ بدون دليل وبدون دراية وعلم بأحكام شريعة رب العالمين إنما غاية أمرهم أنهم يُؤخذون بالمظاهر فقط فيتبعون كلّ ناعق ويميلون مع كل ريح فلا يُعتدُ بهم ولو كانوا ألوفًا، وذلك أن العبرة بإصابة الحق لا بكثرة العدد فقط، ومن هنا نقول لا ينبغي للشخص أن يُصدّق كلّ ما يسمع، ولا أن ينجر خلف كل ما يلمع، فلقد قيل:
ما كل من هزّ الحسام بضارب ولا كل من مسك اليراع بكاتب

فضيلة الشيخ اسامة السيد

الصوفية الحقة
التصوف هو في حقيقة الأمر علم وعمل، فالصوفي من صفت معاملته، وأخلص لربه تعالى في سره وعلانيته، وزهد في الدنيا فلم يغتر ببهرجتها، ولا طمع بما في أيدي الناس، بل لزم التقوى في كل أحواله فخشي من الله الجليل، وعمل بالتنزيل، وقنع بالقليل، واستعد ليوم الرحيل، وقد قال الله في سورة البقرة: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} وتقوى الله تعالى لا تتأتى إلا بالعلم، فلا يكون صوفياً من أهمل طلبَ علم الدين، ولا شمَّ رائحةَ التصوف من اشتغل بمجرد الذكر وأكثر من النوافل وصحب الصالحين مهملاً لما يحتاجه من العلم الديني الذي أمر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم)) رواه البيهقي.
وقد اشتهر عند الصوفية الحقة حديث عظيم النفع وهو حديث حارثة بن مالك وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لقيه ذات يوم فقال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنًا حقاً، فقال الرسول: انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة، قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري، فكأني بعرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني بأهل النار يتعاوون فيها، فقال الرسول: عرفت فالزم، عبدٌ نوَّر الله الإيمان في قلبه. رواه الطبراني.
والمعنى أن حارثة صار عنده من اليقين بحيث كأنه ينظر إلى أهل الجنة، وينظر إلى أهل النار، وهذا الحديث متداول بين الصوفية.
ومشربُ القوم الصادقين اتّباعُ النبي صلى الله عليه وسلم في حاله وخُلُقه، وقد سُئل العارف بالله أبو بكر الشبلي عن التصوف فقال: ((تصفية القُلوب لعلاّم الغيوب)). والتصوف بهذا المعنى كان معروفًا في زمن الصحابة وإن لم يكن مصطلح ((الصوفي)) معروفًا في ذلك الوقت من حيث الاصطلاح.
ويؤيد هذا ما جاء عن سيد الطائفة الصوفية الإمام الجنيد حيث قال عن التصوف: ((هو الخروج من كل خُلق دني والدخول في كل خُلق سَني)) أي في كل خُلق موافقٍ لما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مجرد الانتساب إلى التصوف لا يكفي
وإذا ما عُلم هذا ونحن نرى أن كثيرًا من المنتسبين للتصوف في هذه الأيام يشطحون بعباراتٍ لا أصل لها ولربما لا يفهم بعضهم أصلاً ما يقول، حيث يزعم بعضهم مثلاً أن الحقيقة تخالف الشريعة وأن الباطن يخالف الظاهر، ويقولون نحن أهل الباطن وأنتم أهل الظاهر إلى غير ذلك من عبارات وأقوال زخرفوها وزيّنوها، وهذا خطر مُحدق وجهل مُطبق لأن الشريعة كلها حقائق، وقد أنكر السادةُ الصوفية الأعلام الأوائل الإِعراضَ عن ظواهر الشرع وتأويلَها بغير دليل يقتضي التأويل، بل قال السيد الشيخ أحمد الرفاعي الكبير: ((كلّ باطنٍ خالفَ الظاهرَ فهو مردود)) أي أن كل كلام ادعى صاحبه أنه من علمِ الشرعِ الباطن وكان ما ادعاه مخالفٌ لنصوص الشرع الصريحة فهو مردود لا يُعتدُّ به، وهذا معناه أن الصوفية الصادقين كانوا يهتمون لعلم الشرع والفقه في الدين، بل كان للإمام أحمد بن حنبل صديقٌ صوفيٌ يُقال له أبو حمزة وكان الإمام أحمد يستفتيه أحيانًا فيسأله: ما تقول في هذه المسألة.
ومما ابتلينا به في هذا العصر الذي طالما رأينا وما زلنا نرى من عجائبه الكثيرة أناس يروجون الأكاذيبَ الملفقة والأقاويلَ الفاسدة بإسم الصوفية والتصوف، وهم في حقيقة الأمر لم يعرفوا من الصوفية إلا الاسم، ولا من طريق أهل التصوف إلا الانتساب المجرد عن همة المتصوفين الحقيقيين ومجاهدتهم الصادقة للهوى، فألصق هؤلاء بالتصوف ما ليس منه في شيء، حتى ظن كثير من الناس أن التصوف مبنيٌ على الجهل والخزعبلات وبعض العادات الموروثة التي لا أصل لها في دين الله تبارك وتعالى، ولذلك فإنه ينبغي اجتناب الوقوع في طامّات هؤلاء الغوغاء بمعرفة طريق الصوفية من أسياد أهل الطريقة والحقيقة، وتوعية الناس ونصحهم بالابتعاد عن الذين يُحسّنون للناس ما قبَّحه الشرع، ويُقبّحون لهم ما حسَّنه الشرع ويموّهون على الناس.

خلاصة مفيدة
وبهذا يتضح لنا أن حقيقةَ التصوف شيء ودَجَلَ بعض المنتسبين للتصوف شيءٌ آخر، ولا يقدح هذا في أصل التصوف، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يطعن في مسلك التصوف بالكلية بناءً على ما يراه من بعض المنتسبين لهذا الطريق من غير تحقيقٍ، بل ينبغي لمن رام شيئًا أن يأخُذه من أهله، ولذلك فإننا ننتقد بشدة الذين يطعنون في التصوف بالكلية كالوهابية أدعياء السلفية فإنهم لا يُفرّقون بين أئمة هذا الطريق وبين المنتسبين إليه مجرد انتساب من غير القيام بحقوق الله وحقوق العباد، وقد سبق لأشياخ أدعياء السلفية أن مدحوا التصوفَ الحقَّ وأعلامَه، فقد جاء في ((مجموع الفتاوى)) لإبن تيمية ما نصه: ((كان الجنيد رحمه الله سيد الطائفة إمام هدى)). والجنيد رضي الله عنه إمام أئمة التصوف، وقد أقرّ بفضله العدو والصديق، فكيف يسوغ لبعضهم بعد ذلك القدح بالتصوف بالكلية، وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: {يا أيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين} سورة الحجرات.
فالصوفية الحقةُ إذًا علمٌ وعملٌ وليست جهلاً وتقاعسًا وتواكلاً وطمعًا بما في أيدي الناس، والصوفي هو الذي يتَّبع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم اتباعًا كاملاً مع العلم بالدين، أما الذي يقتصر على استعمال السبحة وإرسال اللحية وطأطأة الرأس وتغميض العينين عند قراءة وِردِ الطريقة ولا يتّبع النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والأحكام فهو مدَّعٍ كذّاب وليس من التصوف في شيء.
الصوفي الصادق هو من اقتفى أثرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كما كان أكابرُ القوم كالجنيد وأحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني ومعروفٍ الكرخي والسري السقطي وبشر بن الحارث وإبراهيم بن أدهم وغيرهم من أعلام الشريعة الذين تُستنزل الرحمات ببركاتهم. ومن أراد الوقوف على المعنى الحقيقي لأصحاب هذا المذهب العظيم فلينظر في سيرة هؤلاء الأكابر الذين صفت نياتهم فأخلصوا لربهم واستقاموا في درب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا المعنى قيل:
عمدة الدين عندنا كلماتٌ أربعٌ قالهن خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية
وقيل أيضًا:
ليس التصوف لبس الصوف ترقعهُ ولا بكاؤك إن غنّى المغنونا
إن التصوف أن تصفو بلا كدر وتتبع الحق والإسلام والدينا

والحمد لله أولاً وآخراً.

أضواء على حقيقة التصوف الإسلامي/ بقلم: الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع الأول من كانون ثاني 2018 العدد 1830

أضواء على حقيقة التصوف الإسلامي/ بقلم: الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع الأول من كانون ثاني 2018 العدد 1830

أضواء على حقيقة التصوف الإسلامي/ بقلم: الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع الأول من كانون ثاني 2018 العدد 1830

مجلة الشراع الاول من كانون ثاني 2018 العدد 1830

Print Friendly, PDF & Email

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *