غوته – كبير شعراء الألمانية هل مات مسلماً؟ / بقلم عبد الهادي محيسن

غوته – كبير شعراء الألمانية هل مات مسلماً؟ / بقلم عبد الهادي محيسن
أعجب العديد من المستشرقين بالدين الاسلامي بعدما جاؤوا لدراسته وتحقيق مخطوطاته وكشف تراثه ففهموا الدين الإسلامي حق الفهم، فاعتنق الكثير منهم مبادئه واتخذوه ديناً لهم ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي ألفونس أتيين 1861- 1929 الذي أعلن اعتناقه الدين الإسلامي قبل وفاته في الجامع الجديد في مدينة الجزائر سنة 1927 وتسمى بإسم ناصرالدين دينييه، ودفن في بلدة بوسعادة بالجزائر بناء على وصيته.
والمستشرق الفرنسي المعاصر دينيس غريل الذي اعتنق الإسلام واتخذ لنفسه اسم محمد بن عبدالله، وأقام في المدينة المنورة مدة سنتين. وهو حالياً يدرس في جامعة ((السوربون)) في باريس، كما أن المستشرق النمساوي فليس بولد فايس اعتنق الإسلام سنة 1926 في حيدر أباد وتسمى بإسم محمد أسد وكان معجباً بمبادئ الإسلام وتاريخه والحضارة العربية والإسلامية وله مؤلف مشهور ((الإسلام على مفترق طرق)).
أما الفيلسوف الفرنسي الكبير روجيه غارودي الذي انتقل من الشيوعية الى الإسلام وألّف العديد من الكتب الفلسفية والفكرية التي تعنى بالإسلام وفلسفته ومبادئه وتاريخه وأصبح مؤيداً قوياً للقضايا العربية والإسلامية مدافعاً قوياً عن القضية الفلسطينية عندما كشف عن ادعاءات الصهيونية العالمية وأكاذيبها وعرى أسطورة المحرقة وأثبت أن اليهود إنما اضطهدوا على يد النازية بالقدر الذي اضطهد به غيرهم من المعادين للنازية.
يقول غارودي إن الإدعاءات بموت الملايين من اليهود في محرقة الهولوكوست كذبة كبرى مفنداً كلامه ومؤيداً بإثباتات علمية وإحصائية من أن عدد يهود اوروبا لم يكن بمجمله نصف عدد ما تدعي الصهيونية العالمية موتهم في تلك المحرقة متحملاً العنت والملاحقة القضائية والاضطهاد في وطنه بسبب نفوذ اللوبي الصهيوني وتأثيره الكبير في مجريات السياسة الأوروبية، والفرنسية بشكل خاص، وبقي مصراً على إسلامه مساهماً في تبني عقيدته فكرياً مؤلفاً ومحققا ًومدافعاً عن مبادئه السمحة دون هوادة.
وولد شاعرنا الكبير يوهان فون غوته في العام 1749 من أسرة ألمانية في مدينة فرانكفورت الواقعة على نهر الماين، وغوته كبير شعراء الألمانية مثلما شكسبير في الإنكليزية وبوشكين للروسية وبودلير للفرنسية وهوميروس للإغريق ودانتي للإيطالية والمتنبي للعربية.

الشاعر الكبير يوهان فون غوته ولد في العام 1749 من أسرة ألمانية في مدينة فرانكفورت

تدرج غوته في مراحل التعليم حتى درس المحاماة فتبحر في دراسة كل أنواع العلوم من طب وهندسة ونبات وموسيقى وشعر ورسم وتصوير وعكف على تعلم لغات كاللاتينية واليونانية والإيطالية والفرنسية.. إلا أن ميوله كانت عارمة نحو الشعر والأدب فسعى للغوص في الأدب الألماني وآداب أخرى منها الصينية والفارسية والعربية فضلاً عن تعمقه في الفكر والثقافة الإسلامية.
إن اطلاع غوته على هذا العدد الهائل من العلوم واللغات والآداب العالمية أهّله لأن يكون شاعراً فذاً متمكناً واسع الثقافة، فترك إرثاً أدبياً وثقافياً وإبداعياً ضخماً تنوع بين الشعر والرواية والقصيدة المسرحية.
من مؤلفات غوته: آلام الشاب فرتر، المتواطئون، غوتس فون برليخنغن ذو اليد الحديدية، كلافيغو، ايغمونت، شتيلا، إفيغينا في تاروس وتوركواتو تاسو، ومن قصائده بروميتيوس، فاوست والمرثيات الرومانية، سيرة ذاتية بعنوان من حياتي، الشعر والحقيقة، الرحلة الإيطالية والأنساب المختارة، والعديد من المؤلفات الأخرى. ونظراً لرمزيته للأدب والشعر الألماني تم إطلاق إسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية حول العالم ((معهد غوته)).
أبدى غوته انبهاره وتأثره باللغة العربية وكان يقول عنها: ((ربما لم يحدث في أية لغة من اللغات العالمية هذا القدر من الإنسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية، إنه تناسق غريب في ظل جسد واحد)).
انفتح غوته على إبداعات الشعر العربي ((ديوان العرب)) حيث اهتم كثيراً بالمعلقات وقال ((إنها كنوز طاغية الجمال.. ظهرت قبل الرسالة المحمدية، مما يعطي الإنطباع أن القريشيين كانوا أصحاب ثقافة عالية وهم القبيلة التي خرج منها النبي محمد)). كما قرأ للكثير من شعراء الجاهلية مثل امرئ القيس، طرفة بن العبد، زهير بن أبي سلمى، عنترة بن شداد و.. عمرو بن كلثوم ووقف ملياً أمام ما في شعرنا العربي من قيم مبثوثة وبخاصة العزة والكرامة والحرية والشجاعة والشرف.
قرأ غوته لبعض الشعراء المسلمين فيذكر في قصائد الديوان : أسماء ((جميل بثينة، ومجنون ليلى، والمتنبي)) ولم يكتف غوته بقراءة الشعر العربي بل قرأ أيضاً في النحو والصرف فقد كانت روحه متعطشة للعلم والمعرفة، وله مخطوطات حاول فيها محاكاة المخطوطات العربية مقلداً الخط العربي وجماليته.
كان اهتمام غوته بالإسلام والقرآن الكريم وبسيرة الرسول محمد (ص). من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر فقد وصف القرآن بأنه كتاب الكتب.. ((أيها القرآن أيتها الطمأنينة الخالدة)) ثم يقول وهو في سن السبعين ((كان الإحتفال في خشوع بتلك الليلة المقدسة التي نزل فيها القرآن)) ويصف الرسول بأنه النهر العظيم الذي يتدفق رفقاً وهدوءاً كما كتب في ((تراجيديا محمد)) ثناء ومديحاً عظيمين لم يسبق لشاعر أن قدم مثلهما لنبي الإسلام في أي عصر من العصور بل أن الدهشة تزول عندما نقرأ العبارة التي كتبها في إعلانه عن صدور الديوان الشرقي قال فيها: أنه لا يكره أن يقال عنه أنه مسلم.. وإنه وإن بلغ الـ77 من عمره لم يتراجع إعجابه بالإسلام أبداً بل كان ذلك يتعاظم ويشتد رسوخاً عنده.
بدأت علاقة غوته القوية بمعاني وروح القرآن الكريم من خلال لقائه مع هيرتر بمدينة ستراسبورغ شتاء 1770 فقام غوته بالغوص في مؤلفات صدرت عن الإسلام.. عقيدة وشريعة وتاريخاً وسيَراً، قام بها مستشرقون ومفكرون غربيون ومنها الترجمة الألمانية لمعاني القرآن الكريم التي أنجزها ميغيرلين عام 1771 والمعجم التاريخي لبيير بايل والديانة المحمدية للمستشرق الهولندي ريلاند وحياة محمد لبولنيفييه وكنوز الشرق للمسشرق النمساوي هايمر كل هذا مما ضاعف حبه لما قرأ.
لاحظت الباحثة كاتارينا، تلك المناصفة في مقاطع شعر غوته ما بين الإقتباس القرآني وبين كلامه هو. وهذا ما ظهر جلياً في ديوان ((الغرب والشرق)) فكان تأثره واضحاً في الدعاء في الآيات الكريمات ((قل ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي)) سورة طه 25|28. وكان غوته في كثير من مؤلفاته يدون بخط يده آيات كريمات تشير صراحة الى النبي محمد مثل في قوله تعالى ((وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الشاكرين)).

كان أكثر ما لفت إنتباه غوته جوهر الإسلام وحقيقته ((الإستسلام لله تعالى)) وعقيدة التوحيد وقد أورد بعض أسماء الله الحسنى في الديوان الشرقي وأثنى على وحدانية الله. وأبدى إعجاباً فائقاً بالرسول محمد (ص)، كونه مزج بين تأسيس الدين ورفع راية التوحيد عالياً وتربية البشر إيمانياً وروحياً وحياتياً، وجاء بأفكار جديدة لنشر روح المساواة والإخاء في العالم.
نظر غوته الى محمد نموذجاً حياً للإنسان المكافح الصابر الذي تعامل مع الدنيا وليس مع السماء فقط، ونظم قصيدة بعنوان ((تحدي الأنبياء)) بعدما قرأ كتاب أولسنر عن السيرة النبوية التي تستلهم فقرات من هذا الكتاب والمضايقات التي عاناها الرسول الكريم من مشركي قريش تتمثل في الآية الكريمة ((ومن كان يظن أن لينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ)) سورة الحج 15. ألف الشاعر غوته مسرحية شعرية ((تراجيديا محمد)) في فصلين الأول عن بعثة محمد (ص). أما الثانية فتصور معاناة محمد أثناء تبليغه الرسالة وما لاقاه من المشركين.
وحيداً بعد موت زوجه وولده توفي غوته في آذار/مارس 1832 ودفن في فايمر وكتب على شاهدة قبره ((على شاهدة قبرك سيشهد الناس أنك كنت بحق إنساناً)) بعد حوالى 185 عاماً على وفاة غوته ما زال الجدل مستمراً حول علاقة غوته بالإسلام، هل كان مسلماً؟ سؤال سببه ذلك الشغف الذي كان غوته يكنه للإسلام وشريعته والقرآن وبلاغته واحترامه للرسول محمد (ص). والعربية وآدابها كما يستند الى سلوكيات هذا الشاعر العظيم من صيامه رمضان مع المسلمين وتردده على أحد المساجد للصلاة فيه .
كما شوهد يصلي مع بعض الجنود الروس المسلمين ولحفظه آيات عديدة من القرآن الكريم واعتكافه في العشر الأواخر من رمضان وقراءاته للقرآن الكريم في أحد قصور الأمراء وعزمه في سن السبعين على الاحتفال بالليلة العظيمة المقدسة التي نزل بها القرآن ليلة القدر وتقبله التهاني في الأعياد الإسلامية ورفضه فكرة الصلب المسيحية حتى أنه نطق مرتين بالشهادتين في كتاباته الى جانب آلاف الصفحات التي كتبها في النبي محمد ممجداً ومادحاً.
ينسب المسلمون الألمان غوته اليهم وحتى أن جماعة فايمر أطلقت اسم محمد على غوته تأكيداً لإسلامه..
وأخيراً فإن الإجابة على هذا السؤال: هل كان غوته مسلماً؟ ليست أمراً سهلاً يمكن الإجابة عليه.

عبد الهادي محيسن / رئيس المؤسسات التجارية والصناعية في سوق المصيطبة ومتفرعاته

غوته – كبير شعراء الألمانية هل مات مسلماً؟ / بقلم عبد الهادي محيسن – مجلة الشراع 25 كانون أول 2017 العدد 1829

غوته – كبير شعراء الألمانية هل مات مسلماً؟ / بقلم عبد الهادي محيسن – مجلة الشراع 25 كانون أول 2017 العدد 1829

غوته – كبير شعراء الألمانية هل مات مسلماً؟ / بقلم عبد الهادي محيسن – مجلة الشراع 25 كانون أول 2017 العدد 1829

Print Friendly, PDF & Email