فتاوى غريبة متعلقة بالمرأة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

فتاوى غريبة متعلقة بالمرأة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إنَّا عَرَضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا} سورة الأحزاب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ضُيِّعت الأمانةُ فانتظر الساعة. قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أُسنِد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) رواه البخاري.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: قال ابن بَطَّال: معنى أُسند الأمر إلى غير أهله أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفَرَض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تَوْليةُ أهل الدين، فإذا قلّدوا غير أهل الدين فقد ضيَّعوا الأمانة التي قلَّدهم الله تعالى إيَّاها.

فضيلة الشيخ اسامة السيد

حفظ الشريعة أمانة
ليُعلم أن الأمانة في العلم أهم من الأمانة في المال والمتاع، والمراد بالأمانة في قوله تعالى:{إنَّا عَرَضنا الأمانة}التكاليف الشرعية. قال الطبري في جامعه: ((يعني بالأمانة الدين والفرائض والحدود)). ويدخل في ذلك أيضاً حفظ أمانات الناس بعضهم لبعض لأن الواجب على من ائتمن على وديعة أن يحفظها إن وَثِق من نفسه وإلا يعتذر عن قَبول الوديعة، وهذا من جملة الأحكام الشرعية التي ينبغي مراعاتها لمن دخل فيها.
وإذا ما عُلم هذا فنقول: إن حفظ الدين والأحكام والوقوف عند حدود الشرع التي حكم الله بحرمة تجاوزها من أهم المهمات وأولى الأولويات، ولذلك فإن المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء كبيرة جداً، فمن كان في موقع يقصده الناس للفتوى ويأخذون بكلامه ينبغي أن يكون أهلاً لتحمل هذه الأمانة وأن يحذر من خيانة ما ائتمنه عليه المسلمون، ويكون عند حُسن الظن، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله لا يقبضُ العلم انتزاعًا ينتزعُه من العباد ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا)).
فالعلماء ينبغي أن يكونوا الأسوة والقدوة، وإليهم المرجع عند الاختلاف، كما قال تعالى في سورة النساء:{وإذا جآءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.
وليس عبثًا أن الشرع اشترط في الخليفة أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد، أي أنه وصل في العلم إلى مثل رتبة الأئمة الأربعة، لا كأغرار اليوم الذين يدَّعون العملَ الإسلامي ويعملون بزعمهم على تنصيب خليفة لربما لا يعرف أحكام الاستنجاء، ولكن الأمر كما روى النووي في ((كتاب المجموع)) عن الإمام الشافعي أنه قال: “من سَاَمَ نفسَهُ فوق قدره ردَّه الله إلى قدره”. أي من أقام نفسه فوق ما يساوي ردَّه الله تعالى إلى قيمته.

فتاوى بالجملة
إن كثيراً من المصائب في الكلام في أمور الدين تأتي من تجاوز الشخص حدَّه فيفتي بلا علم في مسائل يتطرق إليها لهوىً في نفسه بُغية الإيهام بسعة العلم أو لأن بعض من في مجلسه قد جرَّه إليها أو بهدف الشُهرة على طريقة من قال: ((خالف تُعرف)) فيشذ فيفتي في مسائل برأيه المعوج ما أنزل الله بها من سلطان، ويخالف بذلك الكتابَ والسنةَ وإجماعَ المسلمين، ويوهمه إبليس أن ما قاله فتحٌ فتَحَ الله به عليه لم يسبقه إليه أحد، وما هو في الحقيقة إلا مكيدة أوقعه فيها الشيطان وزيَّن له الباطل فرأى سوء عمله حسنًا، وهذا لا شك من أعظم المصائب.
وفي هذا المجال أضرب بعض الأمثلة لبعض الفتاوى الشاذة الصادرة عن بعض أدعياء العلم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي، وقد دعانا الشرع الشريف إليه فكان لا بد من القيام بما أمر الله تعالى به، ولينظر القارئ في بعض الفتاوى وليحكم على مستوى أصحابها الذين انبروا في هذا الزمن العصيب للقيادة العلمية في أمتنا، ولنأخذ مثالاً على ذلك بعض فتاويهم المتعلقة بالمرأة: فقد حكم المفتي السابق للوهابية ابن باز بتحريم قيادة المرأة للسيارة ورأى أن ذلك يؤدي إلى الخلوة المحرمة والاختلاط بالرجال، وقد جاءت هذه الفتوى عبر موقعه الرسمي. ومثله رأى الشيخ ابن عثيمين، وصرَّح الفوزان في تسجيل له عبر وسائل التواصل بتحريم قيادة المرأة للسيارة لأنها قد تذهب إلى عشيقها في أي وقت.
ومن الفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان ما أفتى به بعضهم بإباحة أكل الرجل لزوجه في حال الجوع الشديد وزعم أن هذه الفتوى تدل على تضحية المرأة وطاعتها لبعلها ورغبتها في أن يصير جسداهما جسدًا واحدًا. وأفتى عبد الرحمن البراك بقتل من يبيح الاختلاط بالنساء في ميادين العمل والتعليم وأكد ذلك على موقعه الإلكتروني واصفًا من يقوم بهذا العمل بالمرتد الكافر الواجب قتله. وأفتى أحد مشايخهم وهو يوسف الأحمد في تسجيل له منشور عبر وسائل التواصل بهدم الكعبة منعًا للاختلاط بين الرجال والنساء الذي يحصل في الطواف. وقال أبو إسحاق الحويني في تسجيل له منشور عبر وسائل التواصل أيضًا بأن وجه المرأة كفرجها. وأفتى الفوزان بأن وجه المرأة أعظم عورة من فرجها وحرّم على البنات ممارسة الرياضة البدنية. وأفتى ابن باز أن الرجل لا يجوز أن يشاهد المذيعة في التلفزيون ما لم يكن معهما شخص آخر ليمنع الخلوة بينهما. وقد حرم بعض مشايخهم على المرأة أن تعمل على ((الفيس بوك)) ما لم يكن معها محرم.
وفي عام 2002 احترقت مدرسة بنات في مكة فمنع ما يسمى ((هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) رجال الإسعاف من الدخول لأنهم ليسوا محارم البنات، بل مُنِع رجلٌ يريد أن يسعف ابنته لأنه أجنبي على البنات الأخريات فاحترقت واحترقن.
وكل هذا مشهور عبر مواقعهم الإلكترونية إلى غير ذلك من فتاوى فاسدة يطول ذكرها ويصعب حصرها وفي ما ذكرناه كفاية يستدل به على مستوى عقولهم الخرقاء.
ومما يدل على أنهم لا يستندون في ما يقولون إلى دليل ولا برهان أنه ما إن أصدر منذ مدة قريبة الملك سلمان بن عبد العزيز أمرًا ملكيًا يسمح فيه بقيادة المرأة السيارة حتى انقلب شيوخ الوهابية على فتاويهم السابقة وقالوا بحل ذلك، وصدر عما يُسمى ((هيئة كبار العلماء)) تعليقاً على القرار الملكي الذي قضى بالسماح للمرأة بقيادة السيارة يقول ما يلي: ((حفظ اللهُ خادمَ الحرمين الذي يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية)). وغرّد مشاري العفاسي على صفحته التويتر بكلام للألباني يبيح فيه قيادة المرأة للسيارة حيث قال الألباني: إن كان يجوز لها أن تقود الحمار فيجوز لها أن تسوق السيارة وهل من قائل بأنه لا يجوز أن تسوق الحمار؟ لا لم يقلها أحد.
فاعجبوا لذلك أشد العجب، ولو سأل سائل: على ماذا تبني الحركة الوهابية أحكام التحليل والتحريم وأي قواعد يعتمدون في فتاويهم وكيف يسوغ لعالم أن يتقلَّب من التحريم إلى الإباحة؟!!! لا شك أن قرار الملك مصيب ولكن أين ذهب المشايخ بأنفسهم في هذا التعارض القبيح؟!!!

مجلة الشراع 25 كانون اول 2017 العدد 1829

انظروا التاريخ يا أدعياء السلفية
وهنا نقول: من أين لكم يا أدعياء السلفية أن تأتوا بمثل هذا؟ فقد اضطهدتم المرأة وظلمتم أنفسكم بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وأين أنتم من وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء حيث قال: ((استوصوا بالنساء خيراً)) رواه مسلم.
ألم يقرأ هؤلاء في التاريخ أن النساء كن يخرجن مسافرات مع الرجال على الهوادج على الإبل، وقد خرجت عائشة رضي الله عنها للصلح بين المسلمين يوم الجمل.
ألم ينظروا في كتب العلماء أن كثيراً من العلماء تفقهوا على شيخات، وأن أم الدرداء كانت تُدرّس الرجال وكانت فقيهة، وزارت رجلاً مريضاً من الأنصار في المسجد كما روى ذلك البخاري في صحيحه.
ألم يتصفح هؤلاء كتاب ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر في ترجمة نسيبة بنت كعب حيث قال: ((شهدت بيعةَ العقبة وشهدت أحدًا مع زوجها وولدها، وشهدت بيعة الرضوان، ثم شهدت قتالَ مسيلمة باليمامة وجُرحت يومئذ اثنتي عشرة جراحة)).
ألم يقرع أسماع هؤلاء أن جواز خروج المرأة كاشفةً وجهها هو إجماع، وقد نقل الإجماعَ ابنُ جرير الطبري في جامعه وغيره، فما بالهم لا يكادون يفقهون حديثاً.
وإنني لأحزن حزناً عظيمًا مما آل إليه حال هؤلاء الذين لا همَّ لهم إلا الخوض فيما لا علم لهم فيه بالرأي القبيح، ولا يرون إلا رأيهم ويسفّهون رأي من سواهم، ويضربون بكلام أئمة الإسلام عرض الحائط وكأنهم فقهوا ما لم يفقهه الصحابةُ والتابعون وأتباعُ التابعين وأئمةُ المذاهب الأربعة. وبينما الفتن تموج بأمتنا كموج البحر تراهم مع ذلك سلمًا على العدو حربًا على المؤمنين، وما فلسطين وما يجري فيها ببعيد، وما ذاك إلا فكر ابن تيمية الذي وصل لمحمد بن عبد الوهاب فعاثوا به في الأرض فسادًا وضلالاً.
فلا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله أولاً وآخراً.

فتاوى غريبة متعلقة بالمرأة/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 25 كانون اول 2017 العدد 1829

فتاوى غريبة متعلقة بالمرأة/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 25 كانون اول 2017 العدد 1829

فتاوى غريبة متعلقة بالمرأة/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 25 كانون اول 2017 العدد 1829

Print Friendly, PDF & Email