تحرّي الحق والحقيقة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

تحرّي الحق والحقيقة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وإن تُطع أكثر من في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله إن يتَّبعون إلا الظن وإن هم إلا يَخْرُصُون} سورة الأنعام.
من المعلوم أن كثيراً من الناس يتبعون الظن، بل يعتقدونه ويربطون أفعالهم وأقوالهم به، فتراهم يُعادون ويُصافون ويُبغضون ويُوادّون اعتمادًا على الظن، ولو عادوا إلى الصواب وسلكوا طريق الرشد لعلموا أن ما ظنوه بعيدٌ من الحقيقة بُعد المشرق من المغرب، فكان الجدير بهم ابتداءً أن يُراعوا تحري الحقيقة، وذلك أن الظن لا يقوم مقام الحق، وأن الريب لا يوازي اليقين، وقد قال ربنا عزّ وجل: {وإن الظن لا يُغني من الحق شيئاً} سورة النجم. قال النسفي رحمه الله في تأويل هذه الآية: ((أي إنما يُعرف الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم واليقين، لا بالظن والتوهم)).
فإذا عُلم هذا فليقف طالب الحق على الحقائق، ولا يتسرعن في القول والفعل مع انخرام أسباب اليقين بما يروم معرفته، وذلك كي لا يضع رفيعاً أو يرفع وضيعاً أو يُخدع بمجرد المظاهر، فلقد قيل:
لا تأخُذنَّ من الأمور بظاهر إن الظواهر تخدَعُ الرَّائينا
فكم غرّت الظواهر أعينًا، وكم أتلف سوء الظن نفسًا، وكم أُخذ بريء بالتخمين، وهلك صالحٌ بجريرة طالح، وهذا من المخاطر المردية التي تجر المجتمعات إلى ما لا تُحمد عُقباه، فمخطىء من ظن السراب ماء، وواهم من ظن ((التنك)) ذهبًا لمجرد لمعانه تحت أشعة الشمس، وإنما حال كثير من الناس كحال مسجون في بئر لا يرى من السماء إلا قدر فم البئر، وربما لو اجتمع إليه مئات ومئات ليوضحوا له حقيقة الأمر ما قَبِل منهم إلا إذا خرج من البئر فرأى الحقيقة بأُم عينه.

فضيلة الشيخ اسامة السيد

الاحتياط وعدم التسرع في إطلاق الأحكام
روى القرطبي في جامعه وغيره في سبب نزول قول الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبينوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين} سورة الحجرات، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل رجلاً إلى بني المصطلق بعدما آمنوا بالله ورسوله ليأخذ منهم مال زكاتهم، فلما أبصروه أقبلوا نحوه يريدون إكرامه، فهابهم لشيء كان بينهم في الجاهلية، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أن القوم قد همّوا بقتله ومنعوا صدقاتهم، فقدم وراءه وفد بني المصطلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ((يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قِبَلَنَا من الصدقة، فاستمر راجعًا، وبلغنا أنه يزعم أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك)). فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله تعالى: ((فتبينوا)) من التبيين، وقوله: ((أن تصيبوا)) أي لئلا تُصيبوا، ((أن)) في محل نصب بإسقاط الخافض، وقوله: ((قومًا بجهالة)) أي بخطأ، ((فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) أي تندمون على العجلة وترك التأني.
وقد روى مسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه)).
ولذلك ينبغي التيقظ والاحتياط والحذر، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام على الناس، فمعرفة عين الحقيقة تحتاج إلى بحث وتدبر، ومن أراد أن يقف على الأحداث ومجريات الأمور كما هي لزم التأني واكتسى حُلة الصبر، وقهر نفسه لتنقاد له بترك العجلة، وبحث عن عيوب نفسه قبل التفتيش عن عيوب غيره، فلربما كان هو مضيعاً للحقوق ولا يدري، وذلك أن بعض الناس يضيعون حق الله، فلا يلتزمون ما أوجبه الله تعالى عليهم من التكاليف الشرعية بأداء الواجبات واجتناب المحرمات، ومن كان لمثل هذا مضيعًا كان لما سواه من الحقوق أضيع، ومن قاده الهوى هوى، ومن جعل الرفق قائده سلم.
وقديمًا رُوي أن شُريحاً القاضي رحمه الله أتاه مرة شاكٍ يشكو له ويبكي بكاء مُرًا، وشريك في مجلسه يسمع شكواه بهدوء، فقال أحد الحاضرين: أصلح الله القاضي ألا تنظُر إلى كثرة بُكائه، فقال شريح رحمه الله: ((إن إخوة يوسف عليه السلام جاءوا أباهم عشاءً يبكون وهم ظَلَمَة)).
فلا ينبغي الأخذ إذن بمجرد ظاهر الأمر، بل بالقطع واليقين، وليس لنا أن نحكم بأن الظاهر يفيد كذا بلا شك مع إمكان أن يكون الحق على خلاف الظاهر، فلربما ظهر جانبٌ مستور أفاد حقيقةً لم تكن بالحسبان.

مجلة الشراع 18 كانون اول 2017 العدد 1828

النظرية لا تقوم مقام الحقيقة
ومن هنا فإنه لا ينبغي بناءُ الأمر على الاحتمالات كما هو حال أصحاب النظريات الذين يتكلمون في دعم نظرياتهم اعتماداً على تخمينات وظنون، أو لربما تكلموا في قضية ما من باب التخمين والنظر المجرد عن دليل الشرع، فأخذها عنهم غيرهم ونشرها على أنها حقيقة، كالذين يزعمون أن الكون ابتدأ بانفجار كتلة غازيةٍ كبيرةٍ نتج عنها شمس وقمر وأرضٌ وفضاء ما زال في تباعد، وهذا مناقضٌ لقول الله تعالى:{ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} سورة ق. أو يقولون إن أصل الإنسان قردٌ وهذا تكذيبٌ لقول الله تعالى:{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} سورة التين. ويكفي في نقض النظرية أنها مجرد نظرية، أي تنطلق الألسن فيها بالأوهام لا بالحقائق، ولربما سقطت النظرية في الغرب أو تكلم أصحابها فيها على الاحتمال لا على القطع، وروَّج لها بعض أدعياء الثقافة في بلادنا على أنها حقيقة، بل وأوّل بعضُهم القرآنَ على ما يوافق النظرية، وهذا من أخطر الخطر، لأن اللازم اعتقاد بطلان النظرية إن عارضت القرآن، لا تأويل كتاب الله على ما يوافق النظريات والأوهام، فإن ما ناقض القرآنَ الكريمَ ضلال وجهل، والواقع يشهد لذلك ولا يعارضه منصف، وقد رام بعضُهم تأويلَ القرآن بما يتوافق مع نظرية الاستنساخ المزعومة سابقًا وتبين كذبُ صاحبها وأُودع السجن. ولذلك فليُعلم أن الحذر في القول والفعل مطلوب، لاسيما إذا كان المتكلم ذا شأن وكان ممن يُقتدى بهم، ويُرجع إليهم للفصل في القضايا وترتيب أمور الناس، فقد رُوي أن الإمام الأكبر أبا حنيفة رضي الله عنه رأى غلاماً على السطح فقال له: يا غلام احذر أن تزل. فألهم الله تعالى الغلام فقال: ((أنا إن زللت زللت وحدي، أما أنت إن زللت زلّت الأمة))، فأطرق أبو حنيفة رحمه الله ومشى.
ومن هنا نقول: على من أراد اتباع الحق أن يقف عند حدِّ الشرع ولا يتعدى ذلك، ولا يتأتى هذا إلا بالعلم، وحيث ابتعد أكثر الناس من العوام وأصحاب المناصب المتوسطة والمتقدمة عن تحصيل علم الدين ومراعاة جانب الشرع رأينا كيف صارت تنبني القضايا على الرأي المحض وغلبة الظن والتوهم، فترنو العين للسراب بدل مشاهدة الواقع، ويُؤخذ سعدٌ بجريرة سعيد، والله عزّ وجل يقول: {إنَّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} سورة النساء. ويقول أيضاً: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} المائدة.
فليُعلم أنه حيث ظهر الحق كانت المبادرة إليه قدر الحاجة والوسع مطلوبة، وكان الجهر به عندئذ للإصلاح مع الضوابط التي تقتضيها الحكمة عملاً عظيماً يُحبه الله ورسوله، وحيث التبست الأمور كان الرفق وإعادة النظر مرة بعد مرة عينُ الحكمة.

على مثلِ الشمسِ فاشهد أو دع
ومثل هذا الكلام أيضاً يتوجه إلى مريد الشهادة على الحوادث والوقائع، حيث كثيراً ما ينبني حكم ما على شهادة ما من إنسان اجتمعت فيه مواصفات مخصوصة، وقد جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: تَرَى هذه الشمس فاشهد على مثلها أو دع. قال القرطبي رحمه الله بعد ذكره الحديث: ((وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يُخطئ)).
وإذا ما كان الأمر هكذا، وكانت الحكمة والمصلحة تقتضي العمل بما بيّنّاه وقلناه، فلماذا التهور ولماذا يُقحم بعض الناس أنفسهم فيما لا يعود عليهم بالنفع والخير، بل بالهلكة والضير، فإن من لم يَعُدَّ كلامَه من عمله كان ما يُفسد أكثر مما يُصلح.
روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة)). قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ((فالمعنى لا تجد في مائة إبل راحلةً تصلح للركوب، لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئًا سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويُلين جانبه)).
وروى البيهقي رحمه الله عن الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال: ((قال لي أستاذي يا مالك مَنِ السَّفِلةُ؟ فقلت: من أكل بدينه، فقال: مَن سَفِلةُ السَفِلة، فقلت: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه، فَصَدَّقني)) أي قال لي: صدقت.
نسأل الله السلامة والحمد لله أولاً وآخراً.

تحرّي الحق والحقيقة/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 18 كانون اول 2017 العدد 1828

تحرّي الحق والحقيقة/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 18 كانون اول 2017 العدد 1828

تحرّي الحق والحقيقة/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 18 كانون اول 2017 العدد 1828

Print Friendly, PDF & Email