سقط الشيطان / كتب حسن صبرا

من هنا نبدأ

سقط الشيطان /كتب حسن صبرا

مجلة الشراع 11 كانون الاول 2017 العدد 1827

في القرآن الكريم آيات عديدة تتحدث عن إبليس والشيطان بما هو عدو للإنسان والايمان والاخلاق.. لكن الله عزّ وجل لم يذكر اسم شيطان واحد أو إبليس، بل ترك المفرد رمزاً لكل فاسد موسوس في النفس، محرض على الانحراف فاسق..
علي عبدالله صالح هو إبليس اليمن وشيطانه.. وهو يصف نفسه متباهياً بحكم اليمن لثلاثة وثلاثين سنة بأنه كمن يرقص على رؤوس الثعابين.. لكن الثعابين هي التي قتلت علي صالح وهو يتحنجل في إحدى رقصاته وكانت آخر رقصة له قبل الرحيل.. بل ربما كانت هي النهاية الطبيعية المنطقية لإيقاف رقصه.
رقيب الجيش الجاهل الفقير المعدم الذي كان حارساً منسياً عند إحدى جزر مضيق باب المندب بعيداً مئات الكلمترات عن صنعاء وحيداً بين زرقة البحر وزرقة السماء وأنيس الحجر بعيداً عن كل بشر، قتل في صنعاء بعد ان حكم لأكثر من ثلاثة عقود جمع خلالها بين ما جمع المال والسلاح والسلطة والقصور.. وفرّق من ضمن ما فرّق بين الأخ وأخيه والقبيلة تتناثر والاحزاب تتمزق، والرجال الشرفاء يسقطون وهو راقص وحيداً فوق رؤوس الناس وهو يصفها بالثعابين لأن كثيرين منها تعلموا منه الرقص، فمنهم من سقط ومنهم من تبعه وكثيرون استفادوا قبل أن ينقلب عليهم أو ينقلبوا عليه.
لعله لم يبدأ عهده باغتيال أشرف حكام اليمن وأكثرهم إنجازاً لشعبها ابراهيم الحمدي وشقيقه عبدالله.. لكن وصول علي صالح إلى حكم صنعاء كان يجب أن يمر بالغدر بالحمدي وشقيقه بعد ان دعاهما إلى غداء.. فقتلهما ثم أمر بحمل جثتيهما إلى دار رميت على أرضها جثتا مضيفتي طيران فرنسيتين والجميع عارٍ.. أي شيطان علي صالح هذا؟

كان هذا أول غدر بالناصريين الذين كان ابراهيم الحمدي عضواً في تنظيمهم الطليعي – فرع اليمن رئيساً لها..
وكان الغدر الأخير حين قتل قادة التنظيم الناصري نفسه وقد ظهر كتنظيم شعبـي وحدوي ناصري في اليمن.. وعلى رأسه المظلوم عيسى السقاف..
وبعدها اشترى بالمنصب هذا التنظيم وجعل مسؤوله عبد الملك المخلافي على يمينه مشرفاً على لجنة الانتخابات التشريعية في تسعينيات القرن الماضي.. ومن سخرية اليمن أن ينقلب المخلافي على صالح ليصبح نائب رئيس وزراء وزير خارجية عهد عبد ربه هادي منصور.
كان علي صالح ابناً قبلياً لزعيم قبائل حاشد التي تحمي قبيلة سنحان التي ينتمي إليها صالح وهو الشيخ عبدالله حسين الأحمر، وكان يناديه يا والدي.. وما تغير سلوك صالح مع الأب كما مع الابن.
قرّبه إليه ليكون شريكاً في السلطة.. وفتح له كل الابواب لإقامة المشاريع التجارية التي سجلها كلها بإسم ابنه صادق عبدالله الأحمر، قبل أن ينقلب عليه ويطيح به ويلاحق صادق إلى الرياض لاجئاً يملك من الثروات ما ينافس به صالح نفسه.
أعطاه تراخيص إنشاء مدارس الايمان التابعة لجماعة الاخوان المسلمين بمدرسين سوريين من الاخوان زرعها في أرض الزيدية حيث عائلات المتوكل والمهدي والشامي والحوثي والوزير..
ثم جاء بمقبل الوادعي السلفي ليزرع مدارس للسلفيين في أرض مدارس الايمان وهي أرض الزيدية – فتقاتل الجميع وعلي صالح يتابع رقصه.
وعندما أقام الوحدة مع الحزب الاشتراكي الحاكم السابق في جنوبي اليمن زرع بذور الحرب داخل دولة اليمن الواحد.. فدخلت قواته الشمالية أرض الجنوب غازية وليست ابنة أصيلة حامية للدولة.. احتلت القصور والدور والاراضي والمرافىء والمزارع والتجارة ومواقع الادارة.. حتى شعر كل جنوبي قاتل من أجل الوحدة انه إنما كان يقاتل لسراب كان الاستعمار الانكليزي أرأف بهم من الوحدة مع صالح.
كانت الوحدة مع الحزب الاشتراكي اليمني اعترافاً من الحزب السوفياتي بهزيمته وفقدان مبرر وجوده وقوته بعد انهيار موسكو بيد بوريس يلتسين السكير المجنون لذا اعتبر صالح هزيمة الحزب الاشتراكي حقاً مكتسباً له كي يقتل قادته وينكل بهم في الشمال العاصمة والجنوب الذي كان.. ويفتح الطريق أمام الجماعات المتمسلمة الاخوانية والسلفية..
ثم جاء دور الاخوان ليزجهم صالح في حرب ضد الحوثيين وقد ظهرت عليهم علامات التشييع ضد الامامية، والبعض يقول ان الحوثيين ما كانوا ولن يكونوا يوماً شيعة اثني عشرية.. ومع الاخوان عمد الراقص على رؤوس الثعابين إلى الزج بإبن عمه القبلي العميد – اللواء علي محسن الأحمر في ستة حروب ضد الحوثيين، وقد وجدها فرصة للتخلص من الاحمر الآخر باعتباره منافساً لابن العقيد أحمد صالح قائد الحرس الجمهوري في وراثة الجمهورية بعد ان فتح حافظ الأسد باب التوريث الذي كان أحد أسباب سقوط حسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا ثم صالح في اليمن.. وكان أحد أسباب تدمير سورية المستمر ممنهجاً حتى الآن.
لم يصدق صالح ان الجماهير اليمنية التي خرجت عام 2011 ضده في إحدى محطات الربيع العربي يمكن أن تهزمه وهو الذي هزم كل الثعابين التي تراقص فوق رؤوسها.. حتى أنهكها وانتزع سمومها وحولها إلى أفاعي ((مصبّرة)).
واجهها وأراد قتالها فإذا كل الثعابين القاتلة تشارك الجماهير ثورتها ضد صالح حتى أسقط في يده فارتضى التنازل والمشاركة في السلطة بحزبه المؤتمر الشعبي.. الذي تناثر بعد ذلك.. مع ضمان بالاحتفاظ بما سرق من اليمن وقد قدرته إحدى وثائق الأمم المتحدة بأنه مبلغ ضخم يتراوح ما بين 30 إلى 60 مليار دولار.
عاد علي صالح إلى الرقص مع الحوثيين، بعد ان نجا من محاولة قتل رتبها ضده علي محسن الأحمر، فحملته طائرة إلى الرياض التي عالجته وأعادته إلى اليمن حليفاً مع عبد الملك الحوثي وإيران هذه المرة.

علي عبد الله صالح

لكن علي صالح ارتكب غلطة الشاطر.. فهو نجح في اللعب مع ثعابين اليمن.. أما مع إيران فما من أحد بقادر على أن يجاريها في الرقص حين تلبس لبوس التقية وتتخندق بالتهذيب الايراني، الذي يذبح بالقطنة..
علي صالح أراد العودة إلى الرقص مع إيران ظاناً انها ستكون راقصاً كبقية الراقصين.. لكنه سقط في أول حنجلة له: لم يكن متعباً فقط.. بل كان زميله في الشطرنج استاذاً بارعاً.. حشره في بيت اليك ليقول له كش ملك.. وقد كان صالح يأمل أن يستمر بلعبه شريكاً لملك آخر.. لكنه سقط أثناء الانتقال ليلاً من خانة كش الملك إلى ملك طالما غدر علي صالح بأهله وأشقائه واخوته.
ما قصرت المملكة العربية السعودية مع اليمن، وخصوصاً مع علي صالح، فقد انتقلت من عداء كامل وحربي مع اليمن الجمهوري منذ ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962 عداوة لجمال عبدالناصر الذي ساندها في مواجهة الاماميين المدعومين من الرياض وكل الرؤساء الذين مروا في اليمن من عبدالله السلال إلى عبد الرحمان الايرياني إلى ابراهيم الحمدي إلى حسين الغشمي ما كانوا أصدقاء لملوك السعودية سعود وفيصل ثم خالد.. إلى أن بات علي صالح رئيساً أوحد للبلاد بعد تجربة ساخرة للمجلس الرئاسي اليمني (صالح، الغشمي، الاحمر).
وعندما كان اليمن يحتاج مالاً كانت السعودية تسارع إلى نجدته وصرفت السعودية في اليمن مليارات الدولارات، مشاريع عمرانية وطبية ومساعدات لصالح وآل الاحمر وابو لحوم والقبائل والعشائر وكانت تتقبل مشاركة اليمن في مجلس التعاون لكن على مراحل لكن صالح كان دائماً يختار مناكفة المملكة، فهو وقف مع العراق حين اجتاح الكويت في 2/8/1990 وهو دخل في مجلس التعاون العربي بقيادة صدام حسين مع حسني مبارك والملك حسين نكاية بالرياض.
ومع هذا عندما قامت الثورة الشعبية ضده عام 2011، كانت الرياض تبحث عن حل يجعله شريكاً في السلطة لا قتيلاً كمعمر القذافي ولا لاجئاً كزين العابدين بن علي ولا معزولاً كحسني مبارك ولا عدواً رجيماً كما بشار الأسد.
وعندما أصيب علي صالح في مسجد قصره الجمهوري لم يجد إلا الرياض منجدة له فطببته من حروقه في مستشفياتها ورعته عامين كاملين فلما عاد إلى اليمن قلب ظهر المجن وتحالف مع الحوثيين في الانقلاب على الشرعية التي وسعت له طريقاً في مؤسساتها وأولها في الجيش وفي الحكومة.
سألنا مسؤولين سعوديين لماذا لم تشتروا علي صالح الفاسد عاشق المال والسلطة الذي سرق المليارات ليكون عوناً لكم في مواجهة الحوثيين، فكان الجواب انه مخلوق لا عهد له ولا ثقة به كاذب غدار لا يفي بوعد ولا يصدق بكلمة.. تعطيه اليوم فينكر غداً ويحاربك بعد غد.
وماذا عن ابنه أحمد؟ والجواب في أكثر من مرة: طالما ان والده موجود إلى جانبه لا يمكن لأحمد أن يتخلى عن أبيه.
الآن يعود أحمد إلى اليمن خليفة لوالده قسرياً بعد ان رفض ثوار اليمن توريثه، كما رفض المصريون توريث جمال مبارك والليبيون توريث سيف الاسلام القذافي.. فهل تتوافر فرصة لأحمد كي يغسل إرث والده السلبـي ضد السعودية؟ وهل يفتح المجال لقتال جدي ضد الحوثيين بحيث يوفر هو القوات البرية ويوفر التحالف العربي الغطاء الجوي.
الآن بدأت اليمن مرحلة جديدة.. من دون الشيطان.
حسن صبرا

سقط الشيطان /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون اول 2017 العدد 1827

سقط الشيطان /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون اول 2017 العدد 1827

سقط الشيطان /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون اول 2017 العدد 1827

Print Friendly, PDF & Email