يا حبيبتـي.. يا شادية/ كتب حسن صبرا

يا حبيبتـي.. يا شادية/ كتب حسن صبرا

شادية

كانت شادية أول فتاة أحلام في حياتي، أحببتها بكل ما كانت تظهر فيه من أدوار في أفلام السينما المصرية، هي عشقي الكبير خصوصاً في شرائط الأبيض والأسود فيما اعتقد ككثيرين انه الزمن الجميل.
أحببت في شادية جمالها، ابتسامتها، أنوثتها، أغانيها، أدوارها المرحة وهي فتاة خفيفة الدم، مصرية بكل خصائصها، سمرتها، لهجتها، ظرفها، حبها.. والأهم من ذلك دلعها، حتى إذا ما أطلق عليها دلوعة الشاشة الكبيرة رسخ في ذهني انها أهم فتاة دلوعة في الكون.
عشقت أغانيها الخفيفة حتى استقر في وجداني أغنيتها الشهيرة ((يا حسن يا خولي الجنينة يا حسن، يا غالي علينا ادلع يا حسن)) حتى ظننت انها تغني لي وحدي.. ولكأن الموسيقار محمود الشريف وضع نغمها الحالم خصيصاً لمن أحب شادية وأوائل من أحب شادية..

وأحببت مع وقبل وبعد يا حسن، أغاني ((دور عليه تلقاه دور عليه دور)) لحن منير مراد الذي غنته شادية لكمال الشناوي.. وكانت واحدة من أهم أغاني شادية مع كمال الفنان الرسام الممثل فتى الشاشة الأول هو ((سوق على مهلك سوق، بكرا الدنيا تروق)).. وما زلت أحتفظ على هاتفي بهذه الأغنية وقد أداها كمال الشناوي وشاركته فيها، في احتفال قدمه سمير صبري، الفنانة الكبيرة هدى سلطان.. منذ أكثر من عشرين سنة. وقد وقفت مع كمال الشناوي في 33 فيلماً وربما هو الأعلى رقماً بين ممثلين بطلين في تاريخ السينما المصرية.
أحببت من شادية ((خمسة في ستة فتلاتين يوم غايب عني وغاب النوم)).. كما مع فاتن حمامة أغنية ((ألو ألو احنا هنا ونجحنا أهو في المدرسة، بارك لنا وهات لنا وياك هدية كويسة ألو ألو ألو.. احنا هنا)). وأحببت كما كل جيلي ((شبك حبـي شبك قلبـي وشبك روحي)) كما أغنية ((يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا ونبنـي طوبة طوبة في عش حبنا)) وكم كانت إذاعة البرنامج العام في القاهرة سخية على مستمعيها وهي تكرر إذاعة هذه الأغنية مساء كل خميس، وهو اليوم الذي يعتمده المصريون للخطوبة وحفلات الزواج..
أسعدتنا شادية وهي حبيبة اسماعيل ياسين في فيلم ((بنات حواء)) كما حبيبة شكري سرحان في فيلم ((الستات ما يعرفوش يكذبوا)) كما محسن سرحان في فيلم ((ليالي العمر)) وقد فاجأتنا كما صدمتنا في فيلم ((المرأة المجهولة)) مع كمال الشناوي، بطولة عماد حمدي وزهرة العلا وشكري سرحان حين يظهر في الفيلم كإبن لشادية.
حبيب قلبنا عبد الحليم حافظ حلمنا وبطل أجمل أغانينا وقف مع شادية في ثلاثة أفلام هي أولاً ((لحن الوفاء)) وثانياً ((دليلة)) وهو أول فيلم مصري بالألوان وقد أدت فيه شادية دوراً مزدوجاً، وفيلم ((معبودة الجماهير)).. وشكل هذا الثنائي الجميل قيثارة حب تعزف على أوتار قلوبنا الشابة وعقولنا الندية ومشاعرنا الطرية.. حتى اندمج كل منا كشاب في شخص عبد الحليم وكل فتاة كانت تتمنى أن يحبها حليم كشادية فكانت ثنائيات ((تعالي أقول لك)) وهي أول ثنائيات حليم وشادية، و((حاجة غريبة)) و((احنا كنا فين)) و((احتار خيالي)) وكانت المودة كبيرة بين الفنانين إلى درجة ان الناس عاشت في حلم زواجهما لكثرة ما يظنون من شبه بينهما.. وكم كان حليم ودياً وهو يحضر إلى الاستديو لمشاركة شادية أغنيتها بفقرة من أغنية ((الليالي)) الخاصة به ليردد ((كل كلمة حب حلوة قلتهالي)) وكان منير مراد ملحن أغنية شادية يستأذن حليم أن يدخل فقرة من أغنيته في أغنية شادية لكن حليم أصر على الحضور إلى الاستديو حتى لا يحدث أي خلل في الصوت.
أما مع فريد فكانت قمة في خفة الدم حين أدت دورها زوجاً بالقوة في فيلم ((انت حبـي)) وهي تغني ثنائياً من ألحان موسيقار الشرق ((يا سلام على حبـي وحبك)) أو تنسجم معه في أغنية ((زينة)) واحدة من أجمل ((فيديوهات)) السينما العربية وقد أبدعت هند رستم في الرقص عليها بثياب بدوية وفريد يكرر في مضارب البدو وخيامها موقف الغناء في القطار وهو يغني وهند ترقص على أغنية ((يا مقبل يوم وليلة)).
وكررت شادية وقوفها مع فريد في فيلم ((ودعت حبك)) مع أحمد رمزي.. وقيل يومها ان شادية كانت متزوجة من عاشق السينما المصرية الحالم ذي الصوت المميز والاداء المتكامل عماد حمدي وانه بعد ان شعر بأن بين شادية وفريد حباً عميقاً طلّق شادية لتجد بعدها بعلها فناناً كبيراً هو صلاح ذوالفقار، ويصعد عماد بنادية الجندي ليتزوجها ثم يطلقها بعد ان فتح لها طريق السينما ونقلها من أدوار ثانوية إلى بطولة مطلقة.
وقد روجت الاشاعات لزواج غريب بين شادية والكاتب الصحافي مصطفى أمين الجاسوس الذي اعترف بتسليمه وثائق للاستخبارات الأميركية وضبط وهو في حديقة منـزل الدبلوماسي الأميركي في الاسكندرية..

المعجزة
ولا يمكن الكتابة عن شادية من دون ذكر فيلم ((المعجزة)) الذي شكلت فيه شادية ثنائياً فنياً مع فاتن حمامة، وكان بطل الفيلم الشاب الجميل الذي أضاع فرصة عمره بعد هذا الفيلم واعتزل دون أن يترك أثراً وهو عمرو الترجمان.
في هذا الفيلم اشترطت فاتن حمامة حتى تشارك فيه بطلة كما شادية ألا تغني الدلوعة.. فوافقت شادية وأرادت أن تثبت نفسها كممثلة لا تستند إلى أغانيها لرفع مساحة دورها..
عرض الفيلم وذكرت الناس الفتاة النشالة التي أدت شادية دورها وتفوقت على الصحافية التي أدت دورها فاتن.

وطنيات شادية
((من أمانة عليك أمانة يا مسافر من بعيد.. أمانة عليك أمانة لتبوس لي كل ايد حاربت في بورسعيد)) التي غنتها شادية بعد سقوط العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 اثر تأميم جمال عبدالناصر لقناة السويس.. إلى ((يا حبيتي يا مصر)) التي كانت أيقونة شباب مصر في ثورتهم ضد نظام حسني مبارك في 25 ك2/يناير 2011 قدمت شادية العديد من الاغنيات الوطنية منها ((قولوا لعين الشمس ما تحماش)) وقدمت في حرب ت1/اكتوبر 1973 ((يا أم الصابرين)).
وشاركت المجموعة في النشيد الوطني ((حبيبـي الوطن الأكبر)) ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب وغنائه مع عبد الحليم وصباح ونجاة ووردة..

هذه الشادية الجميلة من هي؟
انها فاطمة أحمد شاكر والدها مهندس زراعي وشقيقتها عفاف تزوجت من كمال الشناوي.. حملت اسم شادية من ثلاثة مصادر الأول هو المخرج حلمي رفلة الذي أسند إليها بطولة فيلم ((العقل في اجازة)) مع محمد فوزي، الثاني هو عميد المسرح العربي يوسف وهبـي وقد قيل انه أخذ من فيلم شادية ((الوادي)) اسمها والثالث هو عبقري الاداء عبد الوارث عسر، وقد أسماها شادية الكلمات.
بدايتها الفنية كانت عام 1947 أي سبقت عبد الحليم بعدة أعوام، وقد أطلقها المخرج الكبير أحمد بدرخان (والد المخرج علي ربما كان آخر من تزوج سندريلا الشاشة سعاد حسني) بدأت معه في فيلم ((أزهار وأشواك)) بدور صغير ثم أهداها قيمة فنية صاعدة المخرج حلمي رفلة الذي كان له فضل تقديمها بطلة في أول إخراج له أمام الموسيقار المجدد محمد فوزي الذي كان يدخل ميدان الانتاج لأول مرة بفيلم ((العقل في اجازة)).
عبقري السينما الممثل والمنتج والمخرج أنور وجدي أمسك بها وقدمت معه ومع غيره أفلاماً عدة أهمها ((ليلة العيد)) عام 1949 و((ليلة الحنة)) عام 1951.
أحب جمهور السينما هذه الفتاة ذات الصوت الهادىء الرفيع أحياناً المليء بالدلع والحب، وتمثيلها كمراهقة عاشقة.. فأقبل على أفلامها مما دفع المنتجين إلى التقدم إليها لأفلام عديدة فقدمت ((حمامة السلام)) و((عدل السماء)) و((الجسد)) و((ساعة لقلبك)) و((ظلموني الناس)) وأصبحت نجمة الشباك وتربعت عليه طيلة ربع قرن.. قدمت فيها أفلاماً ناجحة مادياً وجماهيرياً وسينمائياً وغنائياً حتى قال عنها كمال الشناوي ان أفلام شادية بنت عمارات وجابت أراضي، وكبرت الأرصدة في المصارف..

شادية

في ثنائيات الكوميديا مع بعلها الفنان صلاح ذوالفقار أبدعت شادية في فيلم ((عفريت مراتي)) وفي فيلم ((مراتي مدير عام)) وفي فيلم ((كرامة زوجتي)) وكلها أفلام شارك الثنائي فيها الفنان الكوميدي الصاعد عادل إمام الذي شق طريقه بعناد وثبات حتى تربع هو على عرش السينما العربية الضاحكة والهادفة منذ العام 1985 حتى اليوم (32 سنة وهو الآن في السابعة والسبعين من عمره).
وفي فيلم ((أغلى من حياتي)) كانت نقلة مختلفة بين الثنائي شادية وصلاح وجسدا أيقونة الهتاف العاطفي: منى.. أحمد وهما إسما شادية وصلاح ومن الطريف ان ثنائياً فنياً حقيقياً مشكلاً من أحمد حلمي ومنى زكي حمل اسمي البطلين في فيلم ((أغلى من حياتي)).
أجمل وأرقى أفلام شادية بعد ذلك هو دورها  حميدة في ((زقاق المدق)) مع صلاح قابيل ويوسف شعبان وحسن يوسف وعقيلة راتب، ونور في فيلم ((اللص والكلاب)) مع شكري سرحان وكمال الشناوي وزين العشماوي، و((امرأة في دوامة)) مع أحمد رمزي وسميحة أيوب، و((التلميذة)) مع حسن يوسف وفؤاد المهندس.
أما أبدع أفلام شادية فهو ((نحن لا نزرع الشوك)) قصة يوسف السباعي أمام الفنان الصاعد يومها محمود ياسين، وقد غنت فيه أغنية صارت عنواناً لحالة الفتاة المظلومة التي عملت خادمة.. وهي ((والله يا زمن ما في أيدينا زرعنا الشوك)).

المسرح
هي مسرحية وحيدة قدمتها شادية اسمها ((ريا وسكينة)) مع الفنانة القديرة سهير البابلي والفنان المسرحي الكبير عبد المنعم مدبولي والفنان أحمد بدير.
أبدعت شادية في الاداء المسرحي وأبدعت غناء وخفة دم ودلعاً وهي في الاربعينيات من عمرها.. وما عادت إلى المسرح بعد ذلك لكنها أثبتت قدرتها الابداعية في الغناء والتمثيل السينمائي والمسرحي والاذاعي.

اعتزال
تأثرت شادية ربما بما غنته توجهاً إلى الله ((خذ بيدي)) من كلمات الشاعرة علية الجعار، ثم من كلمات قالها في همس محمد متولي شعراوي فكانت أول وأخلص المعتزلات.. لم تتحول إلى داعية كما المدعية سهير البابلي وسهير رمزي اللتين عادتا إلى الفن بعد ان كفرتاه لحاجتهما إلى المال فسقطتا مرة أخرى في المحاولة وما عادتا إليه.
شادية احترمت نفسها وقناعاتها وما أطلت بعد الاعتزال على الناس وما شاهدها أحد في لقاء عام فني أو اجتماعي، وظلت حتى أيامها الأخيرة تعيش حياتها الخاصة بكل هدوء.. وما منعها هذا عن تشجيع زميل قديم أو صاعد على عمل فني قدمه على خشبة المسرح أو في السينما أو عبر التلفزيون بما يؤكد انها اعتزلت الشهرة لكنها لم تعتزل الحياة.. وان كانت حياتها هي التي انتهت لكن شهرتها ما تزال مطبقة في الآفاق.
حسن صبرا

يا حبيبتـي.. يا شادية/ كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827

يا حبيبتـي.. يا شادية/ كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827

يا حبيبتـي.. يا شادية/ كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827

يا حبيبتـي.. يا شادية/ كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827

Print Friendly, PDF & Email