الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ بقلم الشيخ أسامة السيد
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى:{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} سورة آل عمران.
إن الخطاب في هذه الآية الكريمة لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي خصَّها الله تعالى بصفات حميدةٍ طيبةٍ منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك إرشادًا للناس إلى الخير، وتحذيرًا لهم مما يضرهم في دينهم ودنياهم، ولقد ذمَّ الله تعالى بني إسرائيل بقوله عزّ وجل:{لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} سورة المائدة.

مجلة الشراع 11 كانون الاول 2017 العدد 1827

ثم إن الآيات التي تؤكد الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر كثيرة، وغالبًا ما تُقرن بالإيمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصفة الفلاح، قال تعالى:{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيزٌ حكيم} سورة التوبة.
وقال تعالى أيضًا:{ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} سورة آل عمران.
وأما صفة غير المؤمنين الذين جاهروا بضلالهم أو أظهروا الإيمان ونافقوا في قلوبهم فهي عكس ذلك، قال تعالى:{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهَون عن المعروف} سورة التوبة.

 

فضيلة الشيخ اسامة السيد

المراد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فيتبين إذًا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الصالحين، وهو عمل يُراد منه الإصلاح والاستقامة، لا التشفي والفضيحة، فمن كان مخلصًا في هذا العمل لله تعالى كان ثوابه عظيمًا، ومن كانت نيته على خلاف هذا فقد خرج عن جادة الصواب، ولا يستوي المخلص مع غيره، كما لا تستوي الظلمات والنور، بل لا يجد من لم يُرِد وجهَ الله الأثرَ والقبولَ الذي يجعله الله للمخلصين، وبالتالي على الداعي إلى الله أن يقصد بقلبه ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، فإن أجرى اللهُ الخيرَ على يده وهدى به الناس فذاك غاية المرام. وقد جاء في كتاب ((الزهد والرقائق)) لعبد الله بن المبارك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن ليُعلّم الناس: ((لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها)) وذلك أن الحرص على هداية الناس وتخليص من استطاع الداعي تخليصه من مستنقعات الجهل وإخراجه من الظلمات إلى النور عملٌ نبيل ومسعى جليل، بل هو عمل الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، ومن وفَّقَهُ اللهُ لاقتفاء نهج الأنبياء فقد أراد به خيرًا عظيمًا. وحيث إن المنكرات قد زادت وانتشرت في بلادنا وفي زماننا هذا أكثر فأكثر فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملٌ ضروريٌ للتخفيف من الشرور المستشرية كالخيانة وأكل أموال الناس بالباطل والغيبة والنميمة إضافة إلى ترك الالتزام بما أمر الله به كالصلاة والزكاة والصيام والقيام بحقوق الزوجة وحقوق الزوج وحقوق الأولاد وحقوق الآباء والأمهات ومراعاة حق الجيران، فصرنا نرى العقوق وقطيعة الرحم وتفكك الأسر وتشرذم الإخوة، حتى إن العداوة لتقع بينهم فتصل إلى حدِّ المقاتلة والهجران إلى الموت لسبب تافه، ولغرض دنيويٍ رخيص، إضافةً إلى انتشار العادات القبيحة الفاسدة، حتى صرنا نرى التباهي بالتشبه بالفجَّار والفسّاق في عاداتهم في الملبس وغيره مما يُعارض وينافي عاداتنا التي ورثناها جيلاً عن جيل، وكابرًا عن كابرٍ عن سلفنا الصالح مِن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلِ الأئمة والتابعين، وكل ذلك أمراضٌ هدّامة تفتك بالبلاد والعباد والمجتمعات.

الخطر كبير
وأضف زيادة على ذلك تفشي منكر آخر خطر جدًا وهو الإفتاء بغير علم، فإنك قد ترى كثيرًا من الناس إذا دار الحوار في أمر دنيوي أو خاض الخائضون في حديث يتعلق بفن من فنون العلوم العصرية يحجم عن الكلام خشية أن يظهر عَوَره بالدخول في ما لا علم ولا خبرة له فيه، ولكن إذا ما جرى الكلام في مسائل الشرع تراه يقتحم برأيه وكأنه مفتي البلاد، فيفتي بالتحليل والتحريم، والتحسين والتقبيح، ولربما تطاول على الأئمة الأعلام فتراه يقول: ((هم رجالٌ ونحن رجال))، فيحكم بتخطئة أبي حنيفة والشافعي، ويتهم فلانًا وفلانًا من الأئمة بالغلط لينصر رأيه، ويدلي بدلوه، ويُعجب بقوله شاذٌ أرعن فيعتقده ويظنه من الدين فتنشأ الفُرقة والتشتت، لا سيما وقد كثرت المخالفة لأهل الحق في العقيدة والأحكام، فصار في مجتمعنا من يعتقد عقائد فاسدة ويدّعي أنها عقيدة المسلمين ويدعو إليها، كالذين يُشبّهون الله تعالى بخلقه، ويحاربون تقديس الله وتعظيمه، فيعترضون على من ينزّه الله جلّ وعز عن المكان والجهة والجسم، وهؤلاء يعتقدون والعياذ بالله أن الله عزّ وجل جسم ويتصف بصفات الجسم، وأنه يسكن السماء، ويستقر فوق العرش بذاته، فيثبتون له الحدّ والأعضاء، وهذا عين ما قالته اليهود حين زعموا أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم تعب في اليوم السابع فاستلقى على العرش، وقد ردّ الله تعالى عليهم في القرآن الكريم بقوله:{ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لُغوب} سورة ق. واللغوب هو التعب.
وقد روى ابن المعلِّم القرشي في كتابه ((نجم المهتدي)) عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: ((سيرجع قومٌ من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفاراً، فقال رجلٌ: ((كفرهم بماذا يا أمير المؤمنين، أبالإحداث أم بالإنكار؟)) فقال: ((بل بالإنكار، فينكرون خالقهم ويصفونه بالجسم والأعضاء)).
فاعجب لأمثال هؤلاء كيف جرَّهم إبليس إلى هذا المستنقع وزيّن لهم أنه الحق، وقد قال تعالى:{أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضلُّ من يشآء ويهدي من يشآء} الآية سورة فاطر.

كلنا مسؤول
وإذا ما استفحل الخطر إلى هذا القدر الفظيع فإن الواقع الذي نشهده يتطلب بذل الجهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكلنا مطالبون اليوم بحماية أهلنا وأولادنا ونسائنا ومجتمعاتنا، وبلادنا وأوطاننا من الأوبئة الشنيعة التي يسعى الملحدون والمجرمون إلى نشرها في مجتمعنا الإسلامي بطريق التغرير ببعض الجهلة ممن لم يفقهوا الدين ولم يعرفوا الشرع حق المعرفة بُغية إفساد الأمة من الداخل، وهذا من أخطر الخطر، فإن سكتنا أصابنا الذل والهوان، وإن سعينا قدر الوسع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، رجونا بذلك الخير عند الله يوم الجزاء، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُ القائمِ على حدود الله والواقع فيها كمَثَل قوم استهموا (أي اقترعوا) على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم فقالوا لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خَرْقًا ولم نؤذ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعًا)) رواه البخاري.)) وقوله: ((القائم على حدود الله)) معناه الذي يسعى في دفع المنكرات وإزالتها والتحذير منها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويُفهم من هذا أننا مسؤولون جميعًا، وأن البلاء إذا نزل بسبب فساد البعض عمَّ، فلا يقولن قائل والحال هكذا: ((ما لي وللناس، فليفعلوا ما يريدون))، فإن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست وظيفة المشايخ فقط وأصحاب الشهادات الأزهرية وحملة الإجازات في علوم الشريعة، ولم تنزل الشريعة على النبي صلى الله عليه وسلم ليعمل بها الصحابة فقط، بل قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) رواه البخاري. وقال أيضًا ((بلّغوا عني ولو آية)) رواه البخاري.

الحكمة في الأمر والنهي
فالشيخ أو المفتي أو القاضي أو الدكتور أو المهندس أو الفلاح أو صاحب المهنة كلهم يقع على عاتقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابط ذكرها العلماء ينبغي مراعاتها حتى لا يخرج الآمر والناهي عن حد الحكمة، بخلاف ما نرى اليوم وما رأينا من قبل حيث كان يعمد البعض إلى تفجير المباني لمجرد أن فيها حانوتًا يشيع فيه بعض المنكر، أو يقتلون امرأة أو يبترون أعضاءها لمجرد خروجها سافرةً، وليس هذا من الدين في شيء، ولا هذا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو إجرام وفسادٌ في الأرض نهى الله ورسوله عنه، فقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
وروي أن أحد الواعظين دخل مجلس الخليفة المأمون العباسي فوعظه وأغلظ له القول فقال المأمون: يا هذا إن الله قد أرسل من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني، أرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، وقال تعالى خطاباً لهما:{فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى} سورة طه.
فإذا كان هذا الخطاب مع فرعون الذي طغى وبغى وتجبَّر وادّعى الألوهية من دون الله تعالى، وعاث في الأرض فسادًا وضلالاً وبغيًا وإجرامًا وتنكيلاً فكيف ينبغي أن يكون تعامل المؤمنين فيما بينهم إذًا؟ نسأل الله حسن الحال.
والحمد لله أولاً وآخراً.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ بقلم الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 11 كانون الأول 2017 العدد 1827 

Print Friendly, PDF & Email