التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة
*تفاهم غربي على تدمير النظام العربي القديم
*عمل جاد لانهاء الصراع العربي – الاسرائيلي
*تغيير الأنظمة القومية والاسلامية بالقوة لاستئصال الارهاب
*وضع العرب تحت نظام وصاية دولي مدعم بقواعد عسكرية
*إقامة دول فيدرالية ووضع دساتير تحمي الاقليات
*اعتراف دولي بمناطق نفوذ دائمة لايران وتركيا واسرائيل

 

تتسم المرحلة الحالية في الشرق الاوسط بسمات المراحل الانتقالية. وتوحي المعطيات المتوافرة الى أن المنطقة العربية بخاصة, والشرق الاوسط بعامة، يقتربان من نهاية مرحلة لها معالمها السياسية وصراعاتها وتحالفاتها المميزة, والدخول في مرحلة جديدة, لها ايضاً معالمها وأولوياتها الخاصة, ولها تحالفاتها المختلفة محلياً ودولياً. ومن البدهي أن عملية الانتقال من مرحلة الى أخرى تتطلب حسم ملفات معلقة وإنهاء صراعات مزمنة.
وعليه فالمرحلة الحالية هي مرحلة تجهيز التسويات والحلول عبر قنوات الدبلوماسية المفتوحة والسرية. وفي هذا الصدد تمكن الاشارة الى الاستحقاقات والأحداث المتسارعة التالية كمؤشرات على المساومات الاقليمية والدولية الجارية, وعمليات تجهيز التسويات والحلول:
*قمة ((سوتشي)) الثلاثية بين بوتين وحليفيه اللدودين رجب طيب اردوغان وحسن روحاني يوم الاربعاء ( 22 ت2/نوفمبر الجاري) التي تتوج قمماً أولية عديدة (تركية – ايرانية, وروسية – ايرانية, وروسية تركية)، ويتوقع أن تحسم قمة ((سوتشي)) بعض ملفات الأزمة السورية الاساسية وخاصة المسألة الكردية, ومستقبل الاسد في السلطة.
*مؤتمر الرياض 2 الذي ينعقد في اليوم نفسه تمهيداً لجولة جديدة من المحادثات على مسار جنيف, هي تطورات تستمد أهميتها من كونها تقودنا الى نهاية مسار استغرق خمس سنوات بدون نتائج ملموسة بصرف النظر عن قيمة هذه النتائج.
*نهاية ((داعش)) المفترضة في سورية والعراق تطرح السؤال عمن هو التالي في الساحة السورية تحديداً؟
*معلومات مسربة من جهات دولية عديدة تتقاطع في توكيد وجود قنوات سرية بين العواصم المعنية بالأزمة السورية الكبرى والاقليمية لحل عقدة ((الرئيس البديل للأسد)) وعقدة ((النظام القادم)) في سورية.
*التصعيد الجاري في لبنان, واحتمالات التأزيم والتوتر التي يحملها, بما في ذلك آثارها على الاستقرار المحلي والاقليمي, ومخاطر عودة الانقسام الطائفي والسياسي الى البلد, وقد يدفع الى أزمة طويلة المدى, ذات ابعاد اقليمية متداخلة ومعقدة.
*الصراع بين الأطراف العراقية على مستقبل الشراكة الداخلية, ومصير العراق كدولة وكيان وهوية.
*ما هو مصير الحلم الكردي بالانفصال عن العراق أولاً, وربما في سورية لاحقاً..؟.
*المعلومات المتداولة عن اتصالات سرية بين واشنطن وعواصم المنطقة لإبرام صفقة تسوية كبرى بين اسرائيل والقيادة الفلسطينية بوساطة أطراف عربية, ربما تكون أسوأ من صفقة أوسلو في ضوء اختلال موازين القوى وتغير الاولويات الاقليمية, يرجح أن تطوي ملف الصراع العربي – الاسرائيلي الى أمد بعيد بعد أن استنزف امكانات العرب لسبعين سنة, وبلغ مشارفه الأخيرة حالياً بظهور صراعات أكثر حدة منه لها أولويتها.
*احتدام الصراع العربي – الايراني على مستوى المنطقة بعامة, وارتفاع حدته واتساع نطاقه باستمرار, ونجاح المملكة العربية السعودية في حمله الى الجامعة العربية واتخاذ قرار قوي في الاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية العرب يوم الاحد الفائت 19 ت2/نوفمبر يمهد لنقله الى مجلس الأمن, وتدويله, وتزايد احتمالات المواجهة العسكرية في اكثر من ميدان.
هذه العناوين تلخص الموضوعات والازمات التي تطغى على الساحة الاقليمية حالياً وتشغل بال الجميع, محليين وأجانب. ومن الملاحظ أن غالبية المحللين يتناولونها مجزأة, ويأخذون كل ملف منها على حدة, الى حد الغرق في تفاصيلها, وهذا المنهج في التحليل مهما كان مفيداً في فهم تفاصيل كل حدث منها, إلا أنه يفقد التحليل أبعاداً وامتدادات موضوعية واستراتيجية مهمة.

من النظام العربي الى الشرق الاوسط
ويستطيع المحلل الذي ينظر الى ((الشرق الاوسط)) نظرة شاملة, وينجح في تجميع أجزاء الصورة المبعثرة، التوصل الى استنتاجات بعيدة المدى لا تتحقق بدون شمولية الرؤية . فالمبادرات والتحركات السياسية, والصراعات الجارية لا تحدد مصير سورية, ولا مصير العراق فقط, أو تحدد اتجاه الاحداث في لبنان, أو الصراع العربي – الاسرائيلي والقضية الفلسطينية, ولا تحدد وجهة التطورات القادمة في اليمن .. إلخ, ولكنها ترسي أسس وملامح وهوية الشرق الأوسط الجديد كله وترسم صورته النهائية, وتعيد تشكيل نظامه الاقليمي الذي سيحل محل ((النظام القومي العربي)), و((النظام الشرق الاوسطي)) القديمين.
ولفهم مدى التحول بين المرحلتين من المفيد استرجاع سمات النظام العربي السابق في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, وحتى نهاية القرن العشرين:
1- كان هناك نظام عربي تقوده الدول الكبرى والمركزية فيه: مصر, السعودية, سورية, العراق, الجزائر.
2- أدت ((جامعة الدول العربية)) دور المنظمة الحاضنة لمفهوم الأمة العربية متجاوزة التجزئة التي أوجدها النظام الاستعماري الدولي السابق بين 1918 – 1945. وكانت وظيفة الجامعة خلق وترسيخ دعائم العمل العربي المشترك, والتضامن القومي, والتنسيق بين الدول الاعضاء. وقد أنجزت الجامعة معاهدات عربية ذات أهمية تاريخية أكثر منها واقعية, وخاصة معاهدة الدفاع العربي المشترك, والوحدة الاقتصادية, والتعاون الأمني, وبلورت ديناميات عمل عربي – عربي في كل المجالات, وعلى مستوى الهياكل والأنساق القطرية.
3- كانت القضية الفلسطينية القضية القومية الأولى للعرب بلا خلافات تذكر حولها.
4- كان هناك شعور قومي بين العرب بوحدة الاهداف والمصالح, يترجمه التضامن الفعلي بين الدول, والتنسيق في القضايا الدولية. وكانت ((الجامعة)) تجسد هذه القناعات, وأداة العرب لبناء نظامهم القومي, ورافعتهم الدولية, ولا ريب أنها أنجزت الكثير وعجزت عن تحقيق الكثير.
5- كان هناك رفض عربي قاطع للتدخل الخارجي في شؤونهم, ورفض لكل أشكال الاستعمار والوصاية والتبعية, ورفض لوجود القواعد الاجنبية على الارض العربية.
غير أن هذا النظام ترهل مع الوقت وبسبب كثرة التحديات الخارجية والداخلية أصابته شروخ عميقة بدأت مع هزيمة 1967 ثم اتفاق كامب ديفيد المصري – الاسرائيلي, وتفاقمت مع أزمة الخليج التي سببها احتلال العراق للكويت, وعودة القوات الاجنبية لتحريرها, ثم بدأ سقوطه التام بالغزو الاميركي للعراق 2003, ثم اكتمل سقوطه بعد عام 2011 في أعقاب الحروب التي أشعلتها الأنظمة الديكتاتورية, وعودة القوات الاجنبية الامبريالية الى ليبيا (2011) واستعانة نظام الأسد بجيوش روسيا وايران, وخلق العوامل المساعدة لدخول القوات التركية الى ثلاث دول أيضاً, واحتلال ايران التام للعراق وسورية ولبنان واليمن. وتراجع القضية الفلسطينية الى مكانة متدنية في سلم أولويات الدول العربية.
ويمكننا رصد الحقائق التالية التي تلخص سمات الوضع الراهن:
1- ثلاث من الدول العربية الخمس الرئيسية (مصر, سورية, العراق) تحطمت عوامل ريادتها وقوتها وتأثيرها على المستوى العربي. والدولة الرابعة (السعودية) تصارع محاولات حصارها من قبل ايران, وضربها لإسقاطها. والخامسة (الجزائر) عزلت نفسها.
2- انهار دور الجامعة العربية ولم تعد مؤثرة في العمل العربي. وفقدت مؤتمرات القمة قيمتها, وفقدت معاهداتها ومواثيقها التاريخية زخمها وفعاليتها. ولم يعد التضامن العربي فاعلاً, وتفشت الصراعات بين الدول العربية بمعدلات عالية, وهناك دول تستمر في عضويتها فيها من باب الحياء لا من باب الايمان والانتماء كالعراق وسورية ولبنان.
3- تراجعت القضية الفلسطينية الى آخر الاهتمامات, وصارت سياسة السلام بأي ثمن مع اسرائيل وبلا شروط هي السياسة القومية لدول وأطراف عديدة, وتكاثرت الدول التي تقيم علاقات تعاون مع اسرائيل في مجالات التطبيع الاقتصادي والأمني بسبب ظهور تحديات جديدة, وعلى رأسها التحدي الايراني الذي يحتل اربع دول عربية وما زال يتوسع.
4- تخلت معظم الدول العربية عن خطابها الثقافي والسياسي القومي العربي, وتبنت خطاباً بديلاً, إما قطرياً انعزالياً, وإما اسلامياً, وإما شعوبياً (فارسياً) معادياً بصراحة للخطاب القومي التقليدي (العراق, الصومال, جيبوتي, آريتريا).
5- انتشار القواعد الأجنبية على الارض العربية, روسية وأميركية وإيرانية وتركية.
6- عودة التدخل الاجنبي (الاستعمار) الى عدد غير قليل من الدول.
7- انهيار المناعة العربية, وانكشاف العديد من الدول أمام الدول الأجنبية, المجاورة والكبرى, حتى أن اثيوبيا باتت في وضع يمكنها تهديد مصر استراتيجياً.
8- تراجع أهمية القدرات والثروات العربية الاقتصادية وخاصة النفط الذي بدأت الحاجة له تتراجع, ونتج عن ذلك ضعف القدرة التنافسية والتبادلية, وتراجع معدلات النمو ومستويات التنمية, وانتشار الفقر والبطالة والأمية والمديونية.. إلخ.
9- انفتاح ملفات الأقليات العرقية والطائفية, وخاصة المسألة الكردية في سورية والعراق, ومسألة جنوب السودان التي حلّت بالانفصال. وهناك اعتقاد بأن دولاً عديدة مهددة من داخلها عرقياً وطائفياً, والأرجح أن قوى خارجية تستغل وتتلاعب بهذه المكونات, كالعامل الاسرائيلي والغربي في المسألة الكردية, والعامل الايراني في بقية الدول, وخاصة العراق وسورية ولبنان واليمن.
10- خسارة العرب مكانتهم على المسرح الدولي, ولا سيما في مناطق نفوذهم وتأثيرهم التقليدية كأفريقيا, والعالم الاسلامي.
ولا بد من الاعتراف في المحصلة بأن العالم العربي يواجه استباحة واسعة, ومهدد بمزيد من التفكك والعجز والحروب والصراعات الداخلية والاقليمية, سواء صراعاته البينية, أو بين أطرافه وأطراف أجنبية ودولية. أو أن تكون أراضيه ساحة لصراعات دولية لا ناقة له فيها ولا جمل. كما لا بد من الاعتراف أن العرب والوطن العربي أصبحا مادة وموضوعاً ومسرحاً وحسب، للأطراف الدولية الكبرى والتحولات الجيوبوليتيكية الجارية في المنطقة, ولم يعودا طرفاً فاعلاً في المعادلات الاقليمية والدولية. فمصير العديد من الدول العربية يتقرر حالياً في عواصم أخرى, ويجري حسمه في مداولات لا يشارك فيها أي طرف عربي, كما جرى قبل مائة قرن في مساومات وتسويات القسمة بين بريطانيا وفرنسا وايطاليا وروسيا وتركيا وايران بين 1918 وحتى 1948. بين سايكس بيكو, واحتلال دولة الاحواز, وإقامة اسرائيل.
القراءة المتعمقة للمبادرات والتحركات التي تصدر عن الأطراف الاقليمية والدولية بشأن المنطقة العربية ومحيطها, أي ما بات يطلق عليه ((الشرق الأوسط الجديد)) توحي بأن التطورات تتجه لتحقيق الاهداف التالية:
أولاً- إضعاف فكرة القومية العربية ثقافياً وسياسياً, والحيلولة دون إحياء ((النظام العربي القومي)) الذي يصطدم بمصالح وأدوار الدول الاقليمية الثلاث أو الاربع, واستبداله بنظام يمثل ((الشرق الأوسط الجديد)) ويضم اسرائيل وايران وتركيا واثيوبيا. وتهميش ((الجامعة العربية)) الى الحد الأدنى, وتعميق التناقضات والصراعات العربية – العربية, والسعي لتغيير هويات بعض الشعوب والدول والحديث عن (دول سنية, ودول شيعية, ودولة يهودية) بدلاً من دول عربية ودولة اسرائيلية.
ثانياً- تغيير الانظمة التقليدية (الاسلامية) في الخليج من داخلها, ومكافحة نزعات التطرف الدينية في بنياتها الاجتماعية, بحجة استئصال جذور الارهاب وتجفيف منابعه, ووقف تمويله, وإجبار الانظمة التي تحتضن تلك النزعات والثقافات على التحول طوعاً الى أنظمة مدنية غير دينية, تتبنى ثقافات العولمة والحداثة والانفتاح.
ثالثاً- إنهاء الصراعات السابقة ذات الطبيعة القومية والتحررية, وخاصة الصراع العربي – الاسرائيلي. وفرض تسوية توفر الامن والازدهار لإسرائيل وتحقق التفوق عسكرياً, وفرض التطبيع معها على العرب, وإنشاء نظام أمني للمنطقة تشترك فيه الدول العربية وإسرائيل وتركيا وايران. وإنهاء سيطرة العرب على البحر الاحمر ومضيق باب المندب, وإضعاف تاثيرهم الحضاري والجيوسياسي في افريقيا.
رابعاً- معالجة المسألة الكردية, بتوفير شروط أفضل لأكراد العراق وسورية , أقلها منحهم الحكم الذاتي, أو كيانات شبه مستقلة, في ظل أنظمة فيدرالية.
خامساً- توسيع نطاق الفكرة لتشمل الاقليات الدينية كافة مسلمة ومسيحية في ظل أنظمة فيدرالية, ووضع دساتير تنص على محاصصات سياسية وادارية, وتشارك في صياغة هذه الدساتير الدول الاجنبية, كما حصل في العراق, ويحصل في سورية.
سادساً- وضع العرب تحت ((نظام وصاية)) غير معلن, تتقاسم الادوار والمهام فيه روسيا وأميركا, بالتعاون مع اسرائيل وتركيا وايران, ورسم أدوار كل منها ومناطق نفوذه المقبولة بموجب تفاهمات جماعية وضمانات روسية – اميركية.
سابعاً- إدامة وجود القواعد العسكرية في العراق وسورية والخليج وليبيا لتكريس الوصاية. واتجاه لإنشاء قواعد روسية في مصر والجزائر.

المقاربة الغربية للشرق الاوسط
خلف هذه الاتجاهات والمساعي تكمن مقاربة فكرية وتاريخية شاملة. فلقد توصلت الدول الغربية وروسيا الى أن الوطن العربي القديم كان خلال القرن العشرين, سيما بعد مرحلة التحرر الوطني موطناً لتيارين جارفين إسلامي سلفي وقومي ثوري, فأنتج رجعية دينية متطرفة وحركة قومية متشددة, تقاومان بعناد تيارات الحداثة الكونية, وأنتج جماعات إرهابية سببت للغرب تهديدات أمنية مزمنة, وصلت ذروتها في (هجمة نيويورك – ايلول/سبتمبر 2001) وهجمات لندن ومدريد وباريس وبروكسيل.
لذلك اقتنعت مراكز البحث والقرار في الغرب وروسيا بحتمية توسيع تدخلها في العالم العربي لإجباره على خيارات يحددونها له, وتفرض عنوة, أهمها تفكيك الانظمة الاسلامية والقومية التقليدية, وإقامة أنظمة عسكرية وأمنية أكثر استجابة للغرب ثقافياً وسياسياً, وإستئصال جذوة الاسلام والقومية العربية معاً.
ولتطبيق هذه المقاربة الاستشراقية و((الهينتغتونية)) بدأوا باستغلال الأزمات العادية والطارئة في العالم العربي, منذ حربي الخليج الاولى والثانية, بغزو العراق ونشر القواعد, وتفجير التناقضات بين السنة والشيعة, والمسيحيين والمسلمين, والعرب والفرس, وبين الانظمة العربية بعضها بعضاً. وقد شكلت ثورات الربيع العربي فرصة مواتية لتحقيق هذه الاهداف, إذ سمحوا للدولة العميقة بالانقلاب على ثورات الشعوب وإحياء الانظمة الاستبدادية, ثم رحبوا بتدخل ايران في عموم المنطقة بهدف التدمير والتخريب وتعميق العداء العربي – الايراني ليكون بديلاً عن الصراع العربي – الاسرائيلي. كما ساهمت دول الغرب بطرق متشابهة في انتاج وتفعيل ((القاعدة وداعش)) لتشويه الاسلام, وتبرير التدخل بحجة الحرب على الارهاب, ولتفكيك المجتمعات العربية طائفياً وعرقياً, وخلق هجرات مليونية مبرمجة للأهداف نفسها, ثم سكتت عن تدخل روسيا في سورية, ورحبت به كما لو أنه يترجم تفاهماً سرياً. وسمحت لتركيا وايران واسرائيل برسم مناطق نفوذها, ولم تتدخل إلا حين تجاوز أحد الاطراف الحدود المسموح له بها، فإيران يجب أن تعود الى العراق وتتوقف عن التوسع في سورية واليمن, وعلى تركيا أن تقبل بفيدرالية في سورية والعراق لحماية الاكراد.
ولنتأكد من صواب هذا التحليل الشمولي لتطورات المنطقة علينا ملاحظة أن خلافات الأطراف الغربية على ما يجري هي في حدها الأدنى, والتعاون في حده الاقصى منذ الحرب العالمية الثانية, وبلغ أوجه في ادارة باراك أوباما, وبدا أن الغرب الاميركي والاوروبي قد فوض روسيا بالمهمة القذرة, وسمح لإيران بدور مماثل طالما أن المستهدف هو المكون السني السلفي, الأكثر رجعية, على مبدأ أن القضاء على الأفاعي السامة يحتاج لكلاب مسعورة!
وفي ضوء ذلك يمكننا تطبيق الرؤية السابقة على أهم التطورات الجارية ميدانياً في المرحلة ما قبل الأخيرة وتحديد آفاقها:
ففي مسارات آستانة وسوتشي تجري عمليات القسمة الاستعمارية القذرة بين الدول الاقليمية الفاعلة حالياً في أزمتي سورية والعراق.
وفي التفاهمات الاميركية الروسية بشأن سورية يجري التفاوض عبر قنوات سرية بين الخبراء على رسم مناطق النفوذ الدائمة للدولتين, وعندما يلتقي الرئيسان دونالد ترامب وفلاديمير بوتين يجري توقيع تفاهمات واتفاقات مجهزة سلفاً.
وفي التفاهمات بين روسيا واسرائيل , وبين اميركا وروسيا الاتفاق على تثبيت نطاق الامن الاستراتيجي للدولة اليهودية في سورية ولبنان والاردن .
وفي سياق التفاهمات والاجتماعات بين كل هذه الاطراف يجري التحضير لفرض كيانين كرديين في العراق وسورية في اطار دولتين فيدراليتين, ويجري العمل على طمأنة تركيا بهذا الحل ونزع اعتراضه عليه. ويبدو أن التفاهم الدولي على تحسين وضع الاكراد محسوم.
يجري عبر القنوات السرية بين الدول الكبرى, والاقليمية, والعربية التفاهم على مرحلة انتقالية في سورية, يبقى الاسد خلالها, ثم يتم سحبه من المشهد بطريقة مرضية للجميع. وفي آستانة وسوتشي يجري تجسير الهوة بين تركيا وايران, وبين روسيا وتركيا لتطبيع العلاقات بين انقرة ودمشق, لتقوم تركيا بدورها في إقناع المعارضة العسكرية والسياسية بتليين مواقفها من الاكراد ومن نظام الاسد.
وفي مسارات الرياض وجنيف يجري الضغط على المعارضة السورية لتقبل ببقاء الاسد في الفترة الانتقالية.
وبين القاهرة والرياض ورام الله يجري العمل على طبخ التسوية التي يسعى لها ترامب وإدخال حماس لها, كشرط مسبق مقابل تحجيم النفوذ الايراني المنطقة.
وفي الاتصالات السرية بين بيروت وعواصم العرب والغرب بوساطة موسكو يجري الضغط على ايران وحزب الله لتخفيض مستوى تورطهما في ملفات المنطقة العسكرية مع الاعتراف بمصالحهما السياسية, وإذا لم تفلح الوساطة فإن المواجهة العسكرية بين اسرائيل وحزب الله وايران ستكون حتمية, وسيكون للدول العربية المتضررة من التوسع الايراني دور غير مباشر فيها.
والاتجاه العام هو تعميق الصراع بين ايران وجماعاتها, وكل من الدول العربية واسرائيل بدعم اميركي. وفي ضوء مواقف الجانبين تبدو احتمالات المواجهة العسكرية أمراً مؤكداً قبل التوصل لتسوية طويلة المدى تشمل لبنان وسورية والخليج. وهناك من له مصلحة في إطفاء نار الصراع العربي – الاسرائيلي عبر تسوية مشوهة, وإذكاء نار الصراع العربي – الفارسي بصورة أعنف وأوسع.

التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

المعارضة السورية بين الاستحقاقات والامتحانات/ & / التحضير لولادة نظام الشرق الأوسط الجديد: تغيير أنظمة بالقوة ومناطق نفوذ لإيران وتركيا واسرائيل / بقلم محمد خليفة

Print Friendly, PDF & Email