البدعة أنواعها وحُكمها/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

البدعة أنواعها وحُكمها/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} سورة الحديد.
ليُعلم أن دين الإسلام دين عظيم مبارك، وأحكامه راقية تصلح لكل زمان على كرِّ الدهور ومرِّ العصور، وأصول ديننا الكريم الكتاب والسنة، ومن الكتاب والسنة عرفنا حُجيَّة الإجماع والقياس، وقد أوضح الفقهاء والعلماء المعتبرون نفائسَ المسائل، وكشفوا الحقائق، وشرحوا المتشابهات، فصنّفوا في شتى العلوم أصولاً وفروعًا ومتونًا وشروحًا، واستنبطوا قواعد العلوم ودقائق التعريفات، فمن رام الهدى فليرجع إليها، ولا يتخبط تخبط التائه بين الفرق المتناحرة التي يدّعي كلٌّ منها احتكار الحق. فمنهم من يُشبّه الله بخلقه، ويزعم أنه على الحق، والحق ما قال ربنا عزّ وجل: {ليس كمثله شيء} سورة الشُورى. ومنهم من يدَّعي أن الله لم يخلق الشر، ويرى قولَه موافقًا للقرآن، وهو في حقيقة الأمر موافقٌ لوسوسة الشياطين، والقرآن يشهد أن الخير والشر بخلق الله وحده، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدَّره تقديرا} سورة الفرقان، وقال أيضاً: {من شر ما خلق} سورة الفلق. ومنهم من يُنكر تقسيمَ البدعة إلى حسنة وسيئة، ويرى أن التحريم يُبنى على قاعدة مزعومة هي ((لم يفعله رسولُ الله)). فنقول: كم وكم حدثت أشياء بعد عصر رسول الله لم يكن فعلها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام، وليس تركُ الشيء دليلاً على تحريمه.

فضيلة الشيخ اسامة السيد

الدليل القرآني على البدعة الحسنة
وقد أردت في هذا المقال أن أتعرض للكلام على موضوع تقسيم البدعة مستعينًا على ذلك بالأدلة الصحيحة الصريحة تبصرةً لمن يريد الاستبصار، وتذكرةً لمن يريد الانتفاع بالخير، فنقول وبالله التوفيق: إن الآية المذكورة أعلاه فيها دليلٌ واضح لمن يقنع على أن البدعة قد تكون حسنة، وقد تكون سيئة، فقد ورد النص بصيغة المدح كما هو مُلاحظ من قوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} ووقع بعده: {ورهبانية ابتدعوها} فقد سمَّى القرآنُ الكريم فعلَهم هذا بدعة، ويتأكد هذا بقوله: {ما كتبناها عليهم} أي أن الله تعالى لم يفرضها عليهم، وإنما أرادوا بذلك التقرُّبَ إلى الله.
والبدعة لغةً: ما أُحدث على غيرِ مثالٍ سابق. يقال: جئت بأمر بديع، أي مُحدَثٍ عجيبٍ لم يُعرف قبل ذلك.
وفي الشرع: المحدَثُ الذي لم ينصَّ عليه القرآن ولا الحديث. ولا يجوز تفسير القرآن بما يُخالف لغة العرب لقوله تعالى: {إنَّا أنزلناه قرءانًاً عربياً} سورة يوسف. فالتفسير الموافق للغة يُفيد أنهم ابتدعوا شيئاً لم يأمرهم الله به، وكان ما ابتدعوه حسنًا بدليل قوله تعالى: {فما رعوها حق رعايتها} وكلمة ((حق)) تُشعر بشرف المذكور، وذلك أن بعضهم ما رعاها حق رعايتها، ولو رعوها لكان حسنًا، كما يُفهم من تتمة الآية: {فآتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون}، قال المفسر اللغوي أبو حيَّان الأندلسي في ((البحر المحيط)): ((وابتدعوا رهبانية يعني أحدثوها من عند أنفسهم. وقال قتادة: الرأفة والرحمة من الله، والرهبانية هم ابتدعوها)). وقال الضحاك: {فآتينا الذين آمنوا} وهم أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، وكثيرٌ منهم فاسقون، هم الذين لم يرعَوها)). فلو كانت البدعة هنا أمرًا قبيحًا لما قال: {فما رعوها حق رعايتها}.

الدليل الحديثي على البدعة الحسنة
وإذا ما عُلم هذا من القرآن الكريم فيناسب ذكر الدليل الحديثي في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، فمن ذلك ما رواه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عمِلَ بها بعده من غير أن ينقُص من أُجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً كان عليه وِزرُها ووِزرُ من عمل بها من بعده من غير أن ينقُص من أوزارهم شيء)) فدلَّ الحديث صراحةً على تقسيم البدعة إلى حسنةٍ وسيئةٍ، فإن قيل: ((هذا معناه من سنَّ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لا بعد وفاته))، قلنا: الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والدليل هنا يفيد خلاف ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل: من سنَّ في حياتي. والعبرة بعموم اللفظ، ولا يسوغ إخراج النص عن عمومه بغير دليل. قال الرازي في ((المحصول)): ((صرف النص عن ظاهره بغير دليل عبثٌ، والنُصوص تُصان عن العبث)).

مجلة الشراع 27 تشرين ثاني 2017 العدد 1825

 

وقد قال بعض الوهابية: ((المعنى من أحيا سنة كان تَركَ الناسُ العملَ بها))، فنقول: هذا تأويل، والوهابية يذمون التأويل والمتأولين، ويعتبرون التأويل من عمل الشيطان، وإن سلّموا بالتأويل قلنا: هذا تأويل بدون دليل.
وقد استفاد أهل العلم من هذا الحديث تخصيصَ حديث مسلم الذي فيه ((وكلُّ بدعة ضلالة)) بأن المراد منه غالبُ البدع لا كلها، وهي التي تكون على خلاف الكتاب والسنة، والأصل في لفظة ((كل)) العموم ما لم تُصرف عنه بقرينة، وحديثُ جريرٍ المتقدم دليل لصرفها في هذا المقام عن العموم، وذلك كقوله تعالى عن الريح التي دمّرت قوم عاد: {تدمّر كل شيء} سورة الأحقاف، فإن لفظها عام ومعناها مخصوص، حيث لم تدمر تلك الريحُ كلَّ ما على وجه الأرض بدليل تتمة الآية ((فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم)). وفي الحديث الصحيح ((كل عين زانية)) ومعناه أغلب العيون لا تسلم من النظرة المحرمة، ولا ينطبق ذلك على الأنبياء للعصمة. قال النووي في شرحه على مسلم: ((وكل بدعة ضلالة)) هذا عام مخصوص، والمراد به غالب البدع)). ويؤيد هذا المعنى ما جاء في صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: ((كنّا نصلي يومًا وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال: سَمِعَ اللهُ لمن حمِدَه. قال رجلٌ وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف قال الرسول: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)). فإن قيل: هذا إقرارٌ منه صلى الله عليه وسلم فلا يكون حجةً في البدعة الحسنة، قلنا لو كانت البدعة مذمومةً لمجرد كونها بدعة لنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن البدعة أولاً ثم أقرّ الصيغة، وحيث ابتدع هذا الصحابي شيئًا لم ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينهه عليه الصلاة والسلام عن هذه البدعة بل أثنى على ما قال، دلَّ الإقرار على جواز إحداث بدعة حسنة.
وقد نصّ الإمام الشافعي على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، كما روى ذلك عنه الحافظ البيهقي بالإسناد الصحيح في ((مناقب الشافعي)) ورواه أيضًا ابنُ تيمية شيخ الوهابية كما في ((مجموع الفتاوى)).

أمثلةٌ على البدع الحسنة
وليُعلم أنه قد ابتدع ناسٌ من الأكابر من السلف والخلف بدعًا حسنةً تلقتها الأمة بالقَبُول، وما زال العمل عليها جاريًا إلى اليوم، فمن ذلك: جمعُ سيدنا أبي بكر المصحف، وجمعُ سيدنا عمر الناس على إمام في التراويح كما في صحيح البخاري، وقال سيدنا عمر: ((نِعم البدعة هذه))، وزيادةُ سيدنا عثمان نداءً آخر يوم الجمعة كما في البخاري وغيره، ونسخُه المصاحف، ونقطُ يحيى بن يعمر المصحفَ كما رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف. ومن البدع الحسنة أيضًا الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من أحدثه ملك إربل المظفر أبو سعيد كوكبري أحد الملوك الأمجاد والكُبراء الأجواد كما روى ذلك الحافظ السيوطي في ((حسن المقصد في عمل المولد))، واستحسن ذلك العلماءُ في مشارق الأرض ومغاربها كالحافظ ابن حجر الذي قال في ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) في الكلام على حديث صوم عاشوراء: ((فيستفاد من هذا الحديث فعلُ الشكر لله تعالى على ما تفضّل به في يوم معين من حصول نعمة أو رفع نقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود، والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بُروز النبي صلى الله عليه وسلم)). وقال الحافظ السيوطي في ((حسن المقصد)): وقد استخرج له (أي للمولد) إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً.
وجاء في ((البداية والنهاية)) لإبن كثير: ((كان يعمل المولد الشريف (يعني الملك المظفر) ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهمًا شجاعًا عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه. ثم قال فيه: كان محمود السيرة والسريرة.
وهناك بدع حسنة كثيرة يطول سردها وهي ثابتة بلا نزاع.

عجيبة
ومن العجب أن ابن تيمية يرى سنية هذا الاحتفال فيقول في كتابه ((اقتضاء الصراط المستقيم)): فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون فيه أجرٌ عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فماذا يقولون عن حبيبهم ابن تيمية ؟! أهو مبتدعٌ يُكفّرونه كما فعلوا بغيره أم ماذا؟!!!
وهنا نقول لمن ينكر البدعةَ الحسنة بدعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك: قد ابتدعتم أنتم في الدين ما لم يأذن به الله ولا رسوله، ولا رخّص به أحدٌ من الأئمة، حيث أفتيتم بتوسعة المسعى فأخرجتموه عن حدّه الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص شيخكم ابن تيمية على تكفير وقتل من سعى خارج حد المسعى القديم بنية العبادة كما في ((مجموع الفتاوى)) فماذا تقولون؟!!! أم تسمون ذلك من المصالح المرسلة، فيكون زعمكم أنه مصلحة مرسلة بدعة لم ينص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا تهور أعمى لا يستند إلى حجة.
وإن من أقوى ما يُستدل به على إسكاتهم وإسقاطهم قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ)) رواه الشيخان واللفظ لمسلم. فلم يقل صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا فهو ردٌ، بل قيّد بقوله ((ما ليس منه))، والبدعة منها ما هي من الدين أي موافقة للدين، ومنها ما لا يوافق الدين فهي ردٌ.
هذا وكلُّ من عرف الوهابيةَ يشهد عليهم أن مسألة البدعة عندهم استنسابية، فمن المشهور عنهم قولهم ((إن قول صدق الله العظيم بدعة قبيحة))، والله تعالى يقول:{قل صدق الله} سورة آل عمران. ويحرّمون عملَ المولد مع ما فيه من المقاصد الحسنة، ويحرّمون قراءة الفاتحة على الأموات المسلمين بلا حجة، كما يحرّمون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، ويحرّمون أن يقول المصلي للآخر: تقبّل الله، ويحرّمون قول: مرحبا، وجمعة مباركة، ورمضان كريم، وأشياء يطول ذكرها مما اتفق المسلمون على جوازها بخلاف الوهابية المنكرين، وقام عليها الدليل الثابت الذي لم تفهمه الوهابية، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والحمد لله أولاً وآخراً.

البدعة أنواعها وحُكمها/ بقلم: الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 27 تشرين الثاني 2017 العدد 1825

البدعة أنواعها وحُكمها/ بقلم: الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 27 تشرين الثاني 2017 العدد 1825

البدعة أنواعها وحُكمها/ بقلم: الشيخ أسامة السيد – مجلة الشراع 27 تشرين الثاني 2017 العدد 1825

Print Friendly, PDF & Email