تداعيات استقالة الحريري ودور دار الفتوى الوطني / بقلم: القاضي الشيخ خلدون عريمط

تداعيات استقالة الحريري ودور دار الفتوى الوطني / بقلم: القاضي الشيخ خلدون عريمط
(رئيس المركز الإسلامي للدراسات والإعلام)

من المؤكد أنّ استقالة الرئيس سعد الحريري المفاجئة من رئاسة حكومة إعادة الثقة، أحدثت زلزالاً سياسياً كبيراً في لبنان، وأعادت خلط الأوراق السياسية محلياً وعربياً، الى ما يشبه الانقسام الحاد بين اللبنانيين الذي أعقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005.
وبنتائج الاستقالة بات واضحاً أنّ حزب الله بدأ يشعر بأنّ لبنان خطى الخطوة الأولى نحو الخروج من قبضته الأمنية والسياسية، وأنّ الساحة اللبنانية التي كثيراً ما اعتبرها الحزب قاعدةً خلفية آمنة له، لينطلق منها بميليشياته نحو دعم المحور الإيراني ومشروعه الصفوي في سورية والعراق واليمن، باتت هذه الساحة تشكّل له كابوساً مرعباً، نتيجة لمضمون استقالة الرئيس سعد الحريري وإعلانها من الرياض، وما أعقبها من موقف عربي حازم بمجابهة أذرع إيران العسكرية في لبنان وبعض البلدان العربية وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي وشمال أفريقيا، حتى باتت نظرية ((الحرس الثوري الإيراني)) القاضية بمحاربة العرب بالعرب لم تعد صالحة بعد استقالة الرئيس الحريري، لأن لبنان ما قبل الاستقالة شيء، وما بعدها شيء آخر. وهذا ما عبّر عنه بوضوح الوزير السعودي ثامر السبهان بالقول: ((المملكة العربية السعودية لن ترضى أن يكون لبنان مشاركاً في حرب على السعودية، وسنعامل حكومة لبنان كحكومة إعلان حرب بسبب ميليشيات حزب الله، مشيراً الى أن لبنان مختطَف من حزب الله وإيران، واللبنانيين قادرون على إيقاف تجاوزات هذه الميليشيات)).

مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

والسؤال الكبير هل يمكن لرئيس الجمهورية ميشال عون المؤتمن على الدستور وعلى سلامة الأراضي اللبنانية وأمن واستقرار اللبنانيين أن يقنع حلفاءه وخاصة حزب الله بوقف تدخله في
بعض البلدان العربية؟ أم أن هذا القرار فوق طاقته، ولا يملكه حتى السيّد حسن نصرالله وحلفاؤه، فقرار السلم والحرب بالنسبة لحزب الله ومتفرعاته هو بيد مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي في طهران.
وهل ما زالت التسوية الرئاسية التي تحمّل خطاياها الرئيس الحريري قابلة للحياة؟ بعدما طعنها الرئيس ميشال عون بإصراره على أن سلاح حزب الله باقٍ لحين انتهاء أزمة الشرق الأوسط؟ وأعقبها بطعنة أخرى من وزير خارجيته بعقد لقاء مطوّل بناءَ لطلبه ومن دون موافقة رئيس مجلس الوزراء مع وزير الخارجية السوري؟ واستمرار تغوّل حزب الله وميليشياته في بعض الساحات العربية وخاصة تدريبه لميليشيات الحوثي وقيادته للعمليات الصاروخية الموجهة ضد أراضي المملكة العربية السعودية، والتي كانت من الأسباب الرئيسية لإعلان الاستقالة – الموقف التاريخي للرئيس سعد الحريري – الذي ضحى كثيراً وتقبّل مُرّ الصبر لتجاوزات بعض وزراء حكومته من أجل الحفاظ على أمن واستقرار لبنان، وهذا ما ورثه الرئيس الحريري من والده الشهيد الذي عشق لبنان وشعبه حتى الشهادة.

الرئيس سعد الحريري مع المفتي الشيخ عبداللطيف دريان

ولا شك بأن استقالة الرئيس سعد الحريري هي صرخة وطنية كبيرة وصلت صداها الى عواصم القرار الإقليمية والدولية بالقول، على إيران وأذرعها العسكرية والسياسية أن ترفع يدها عن لبنان، وأن توقف تدخلها بالشأن العربي، وأن تُبقي ثورتها المجنونة ضمن حدودها الجغرافية، فطريق فلسطين لا يمر في صنعاء أو بغداد أو دمشق، وصواريخ إيران ما هي إلا صواريخ مشؤومة لمقاتلة العرب بالعرب، وزرع الفتن والإرهاب في كل بلد تسلّل إليها نفوذ حرسها الثوري الذي يحلم بإعادة امبراطورية قوروش الفارسي الى شرقنا العربي.
مما دفع مفتي الجمهورية لأن يتحرك ويعلن من دار الفتوى بعد اجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى برئاسته بأنه متفهّم لاستقالة الرئيس الحريري وداعم لموقفه الوطني الحريص على بناء الدولة، وبسط سلطتها وسيادتها على جميع أراضيها. والعمل مع بعض القوى لاحتواء تداعيات الاستقالة بموقف وطني جامع، التقى فيه مع القيادات الإسلامية والمسيحية الفاعلة، بدعوة الجميع للمزيد من الهدوء والتبصّر والحكمة، ومعالجة الخلل الداخلي، ووضع حدٍّ للتدخل الخارجي بالشأن اللبناني لتستقيم الأمور الى طبيعتها بحفظ حقوق الجميع، ولتعود عجلة النهوض بمؤسسات الدولة القوية والوطنية العادلة والجامعة. وهذا هو الدور التاريخي لمفتي الجمهورية وأركان دار الفتوى المؤتمنة على دور لبنان العربي، والحفاظ على حقوق المسلمين خصوصاً واللبنانيين عموماً. ودور دار الفتوى الوطني هذا، هو استكمال للدور الريادي الذي اضطلعت به دار الفتوى في عهد المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد الذي كان دوره كما هو الآن دور مفتي الجمهورية جامعاً وموجّهاً وحاضناً لكل مكونات الشعب اللبناني، ليبقى هذا الوطن عربي الوجه واللسان والدور، وساحة لقاء، وواحة حوارٍ وتلاقٍ بين كل التوجهات الساعية لبناء الإنسان المؤمن والمؤتمن على هذه الأرض المباركة.

القاضي الشيخ خلدون عريمط/ رئيس المركز الاسلامي للدراسات والاعلام

ومن المؤكد أن الرأي العام اللبناني عموماً والإسلامي خصوصاً، يشعر بكثير من الأمان والاطمئنان بسبب سياسة الاحتواء التي تقوم بها دار الفتوى للحفاظ على الوحدة الوطنية، والعيش الواحد وإبعاد لبنان عن المحاور الإقليمية وتكامله مع محيطه العربي، الذي لا يمكن لأي فئة أو حزب أو جهة أن تسلخ لبنان عن أمّته العربية بكل ما لها وما عليها.

تداعيات استقالة الحريري ودور دار الفتوى الوطني / بقلم: القاضي الشيخ خلدون عريمط – مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

تداعيات استقالة الحريري ودور دار الفتوى الوطني / بقلم: القاضي الشيخ خلدون عريمط – مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *