الإنتحار في لبنان في تزايد ولا يوجد من ينقذ

الإنتحار في لبنان في تزايد ولا يوجد من ينقذ

الإنتحار في لبنان 1

بين عامي 2004 و2014، زاد عدد حالات الانتحار المسجّلة في لبنان 2.4 أضعاف. في العام 2004، وثّقت 60 حالة فقط. في العام 2014، 143 حالة. منذ بداية العام الحالي، سجلت 92 حالة انتحار. يشهد لبنان كل ثلاثة أيّام حالة انتحار واحدة، بين مواطنين لبنانيين، ونازحين، وعمّال وعاملات أجانب، إلى جانب المنتحرين في السجون. معظم الأرقام المسجلة لا تعكس الواقع بدقّة، فهناك إنتحارات لا يبلّغ عنها، وإنتحارات قد يظهر التحقيق مع مرور الوقت أنّها كانت جرائم قتل.

الإحصائيات الأدقّ عن الإنتحار في لبنان، تصدر عن قوى الأمن الداخلي، كونها الجهة الوحيدة القادرة على جمع معطيات مباشرة فور وقوع الحادث. تصدر ((منظمة الصحة العالمية)) إحصائيات دوريّة، آخرها صدر في العام 2012 وحُدِّث في العام 2016، ويشير إلى أنّ معدلات الانتحار في لبنان، من بين الأقلّ عالمياً، أي بنحو 0.9 حالات إنتحار بين كلّ 100 ألف. ولكن، إن افترضنا أنّ عدد سكان لبنان يناهز 4 ملايين، فذلك يعني أنّ وتيرة الانتحار عالية على قياسٍ محليّ.
محاولة البحث عن أرقام الانتحار الدقيقة في لبنان، كالنبش في كومة قش. جمعية Embrace المعنية بالتوعية بشأن الصحة النفسية، ستصدر تقريراً جديداً عن معدلات الانتحار نهاية العام 2016. التقرير قيد الإعداد، ولم ينشر بعد. نشاط الجمعية جدي، لكنه حديث العهد، إذ أنّها تأسست في العام 2013، ولا تملك إحصاءات تمتد على فترة زمنية طويلة.

الإنتحار في لبنان 2

لا يندرج الإحصاء ضمن مسؤوليات وزارة الصحة حالياً، بالرغم من إنشاء برنامج خاص بالصحة النفسية في الوزارة قبل عامين، ومن ضمن أهداف هذا الفرع تحسين آليات الرصد والتوثيق حول الاضطرابات النفسية عموماً، وحول ما ينتج عنها من حالات إنتحار بشكل خاص.
شركة ((الدولية للمعلومات)) تصدر دراسات عن الموضوع، وتعدّ مصدراً موثوقاً به لوسائل الإعلام، إذ أنّها تستند إلى بيانات قوى الأمن.
للحصول على ما بحوزة قوى الأمن من أرقام، يحتاج الأمر إلى أيّام، ويتطلّب ذلك أخذ إذن من مدير عام قوى الأمن الداخلي، للتواصل مع شعبة العلاقات العامة التي تتعاون عادةً بإيجابية وانفتاح مع الصحافة، ولكن عبر حلقة بيروقراطية طويلة، وبفعالية محدودة. مثلاً، نحصل على الأرقام كتلة واحدة، من دون تحديد وسيلة الانتحار، الأعمار، الجنس، توزع الحالات على المناطق، ونسبة الحالات بين النازحين والعمال الأجانب بدقة. معلومات كهذه، من المفترض أن تفصلك عنها نقرتان على الانترنت أو ثلاث على الأكثر.
بعض المعلومات عن أرقام الانتحار في لبنان، تنشر بشكل متفرق في الصحف، لكنها تبقى ناقصة، وغير معممة. من المرجح أن الأمر غير ناتج عن نية في الحجب، بل عن إفتقار حقيقي إلى بنية للرصد والتوثيق والنشر، إلى جانب تكتم بعض العائلات في حال إقدام أحد أفرادها على الانتحار، خوفاً من الوصمة. فوضى الأرقام هي جزء بسيط من سوء فهم كبير يحيط بموضوع الانتحار في لبنان. العام 2008 شهد قفزة كبيرة في حالات الانتحار المسجلة في لبنان، في العام 2007، كان عدد المنتحرين 54، في العام 2008 قفز الرقم إلى 103، واستقر في محيط الرقم 100، ليقفز في العام 2013 إلى 143. لا أحد يملك إجابات دقيقة وعلمية عن السبب المحتمل لهذا الانهيار. غالباً، يقفز الإعلام نحو استنتاجات سهلة وبديهية: الوضع الاقتصادي الخانق، الوضع السياسي والأمني المضطرب، وضع المنطقة المأزوم، عبدة الشيطان، الفقر، موسيقى الروك أند رول، شجاعة التخلّي عن حياة لا تطاق، الكفر، الإدمان.. في الواقع، فإنّ الحديث عن الإنتحار يترافق غالباً مع خوف وارتباك، يجعل الجميع ينظرون في الاتجاه الخاطىء، محمّلين بالكثير من الأساطير الفردية والجماعية عن موضوع أعقد من حصره في حلقات السبب والنتيجة المبسّطة.
ولأنّ الانتحار يشكّل مادة خصبة للأدب والسينما، فإنّه يكتسب في نظر الكثيرين بعداً صادماً ورومانسياً في آن. يمكن أن نرصد أنماطاً مكرّرة من الخطاب حول الانتحار، يناقض بعضها بعضاً. في معظم الحالات، تغيّب المعطيات البحثية والدراسات العلمية، لمصلحة إثبات منطق واحد مشبع بالاسقاطات الذاتية. فمن جانب، يهجم البعد الديني على المشهد. ما زالت العائلات اللبنانية التي تفجع بانتحار أحد أفرادها، تفكّر بأسئلة الدفن، وإمكانية الصلاة على المنتحر، وكلّ ما يرافق ذلك من عار وإذلال من قبل المؤسسة الدينية والمحيط العائلي والاجتماعي.
ومن جانب آخر، وفي محاولة لنفي خطاب الثواب والعقاب والكفر وإزهاق الحياة بخلاف رغبة الخالق، تتوالد خطابات تجعل من كلّ فعل انتحار انتصاراً للإنسان على عدمية الحياة، وتفترض بحتمية أنّ المنتحر اتخذ خيار الموت، كموقف واحتجاج.
كلا المنطقين ينبعان من تصورات عامة لا تعترف بتعقيدات النفس البشرية، وتطلق على المنتحرين أحكاماً خارجية. فحين نقول انتحار، نتخيل شابة بثوب أبيض، تحاول القفز من سقف بناء عالٍ، لأنّها ملّت من الحياة. نتخيل شاعراً يقفز عن صخرة الروشة، لأنّه أصيب بخيبة. نتخيل حبيباً يقتل حبيبته التي رفضت الزواج منه، ثمّ ينتحر. في الواقع، ينطوي الأمر على الكثير من الدماء، وأشلاء الأدمغة المبعثرة، والعظام المهروسة، والأضلاع المكسّرة، والملابس المضرجة بالدماء والتراب، والفرص الثانية المزهقة.

الإنتحار في لبنان 3

بعيداً عن الخوض تفصيلاً في كلّ سرديات الانتحار، يمكن اختصار كلّ ما يطرح حوله في النقاش العام بسؤال: هل المنتحر/ المنتحرة جبان أم شجاع؟ اللافت أنّ إجابة المختصين النفسيين عن السؤال تأتي متطابقة بشكل كافٍ لنفهم أنّ السؤال من أساسه إشكالية خاطئة، وبعيدة عن جوهر الموضوع. نوجه السؤال إلى أستاذة علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية والمعالجة النفسية رجاء مكي، فتقول: ((المنتحر ليس جباناً، ولا شجاعاً، والمسألة ليست مسألة تفاخر وتباهٍ، أو جبن واستسلام. الانتحار سلوك نفسي، وردة فعل نفسية، إذ تتفاعل الضغوط في نفس الفرد ويعمل على إبرازها بسلوك ما)).
كذلك تقول المعالجة النفسية في جمعية Embrace بيا زيون: ((من يصل إلى مرحلة الانتحار ليس جباناً ولا شجاعاً، بل هو شخص يعاني من ألم نفسي كبير، ويعيش في حالة نسميها tunnel vision، فلا يقدر على رؤية أيّ حلول للألم سوى إنهاء حياته. الموضوع غالباً ليس خياراً منطقياً ومحسوباً)).
يقول الطبيب النفسي ربيع الشمّاعي، مدير البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة اللبنانية، أنّ هناك فئات أكثر عرضة من غيرها لمعايشة ضغوط اجتماعية ترفع من احتمال إصابتها باضطرابات نفسية، وهي في لبنان: النازحون، السجناء، عائلات المفقودين، الناجون من التعذيب، عاملات المنازل، الناجون من العنف المبني على النوع الاجتماعي، الأقليات الجنسية (LGBT)، المراهقون.

تحقيق: عبير عبدالله

الإنتحار في لبنان في تزايد ولا يوجد من ينقذ /مجلة الشراع 13 تشرين الثاني 2017 العدد 1823

الإنتحار في لبنان في تزايد ولا يوجد من ينقذ /مجلة الشراع 13 تشرين الثاني 2017 العدد 1823

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *