إستقالة معلم /كتب حسن صبرا

من هنا نبدأ

إستقالة معلم /كتب حسن صبرا
انتحر سعد الحريري سياسياً حين رشّح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، جاء رئيساً للحكومة وفق صفقة مع عون تقضي بالشراكة كل وفق منصبه في السلطة التنفيذية، هذا رئيس جمهورية وهذا رئيس حكومة.
تراجع سعد الحريري عن الإنتحار السياسي الذي أوغل فيه طيلة أحد عشر شهراً زوجاً مخدوعاً وهو رئيس حكومة، فكاد يخسر كل شيء.. لم يعد هو رئيس حكومة، لكن عون ظل رئيساً للجمهورية وهذه هي المشكلة التي أورثها سعد الحريري لجمهوره الذي طعنه الحريري مرتين: مرة حين جاء بعون رئيساً ومرة حين تركه رئيساً وهو ما عاد رئيساً للحكومة..

مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

واذا كانت الناس عرفت كل آثار الصفقة التي عقدها الحريري مع عون كي يأتي به رئيساً.. وشاهدت آثارها تسليماً سياسياً كاملاً لـ عون في أن يفعل ما يشاء من خلال صهره في السلطة، في التعيينات وفي قانون الانتخاب وفي الاساءة الى انتماء الحريري وجمهوره العربـي، وفي مسايرة نظام الهمجي في دمشق، وفي العنصرية التي تفجرت وقاحات في أحاديثه، فإن الناس وتحديداً جمهور الحريري لم يعرف تفاصيل الصفقة.. بين الرجلين وهل شملت مثلاً صفقة بواخر الكهرباء؟ والنفط والغاز، ومشاريع التلزيمات للطرقات، وكيفية التخلص من النفايات.. وكل روائحها قذرة تشل الصدور والعيون والأنوف..
فهل يفصح الحريري عما تم بينه وبين عون او بين مدير مكتبه نادر الحريري وصهر عون جبران باسيل؟
مهم جداً التلطي خلف كشف دور ايران في لبنان والمنطقة.. لكن أليس انتخاب عون هو التزام الحريري الكامل بالخط الايراني الذي يهاجمه الحريري الآن؟
وهل يعقل ان عشر سنوات من تبني عون الكامل للخط الايراني ودفاعه عن الهمجي بشار الاسد ضد الشعب السوري، وإسقاطه من مقره من رئاسة الحكومة وهو في لقائه مع باراك حسين أوباما في واشنطن وفي تحميله وتياره ووالده وحكومات حريرية مسؤولية الفساد في لبنان طيلة عقود، عبر الإبراء المستحيل.. لم تقنع الحريري بأن عون لا يمكن ان يتحول من رهانه على ايران لإيصاله الى الرئاسة، فإذا به بعد احد عشر شهراً من المساكنة مع عون يستعيد الوعي الذي كان مفقوداً عنده عندما اختاره للرئاسة، فيهاجم ايران نفسها وحزب الله، ولا يتحدث بحرف واحد عن عون؟!

الرئيس سعد الحريري

ثم ان الحريري باع جمهوره مبرراً ترشيحه عون للرئاسة بأنه قفز من المجهول الذي يذهب اليه الوطن ببقائه سنتين وعدة اشهر من دون رئيس للجمهورية.. لكن المأساة لا تتكرر إلا بشكل ساخر هزلي مضحك حين يقدم الحريري على الفراغ نفسه في رئاسة الحكومة.
أيهما أهم او أخطر عند جمهور الحريري: ان يكون الفراغ في الرئاسة المارونية؟ أم ان يتمترس في الرئاسة السنية؟
وطالما سيكون خائناً كل من يقبل من السنّة ان يكون رئيساً للحكومة الآن وبعد استقالة الحريري.. غير الحريري، فهل يضمن جمهور الحريري ان تعود الرئاسة الثالثة الى الحريري نفسه.. ام سيكون الفراغ دائماً طالما ان كل من يقبل من السنّة الآخرين سيكون خائناً؟
تحدث الحريري كثيراً عن ربط نزاع في معظم المسائل المصيرية مع حزب الله، وكان مشكوراً كثيراً من جمهوره انه لم يدفعه الى الصراع المسلح معه في فقدان فظيع للتوازن بين أقوى جيش في المنطقة هو حزب الله، وبين التيار الأزرق الذي انتزع مؤسسه رفيق الحريري شبابه وفتياته من الشارع ليرسله الى أرقى جامعات العالم.. ليكون سلاحه قلماً او سماعة طبيب او مسطرة مهندس..
لكن سعد الحريري في استقالته من رئاسة الحكومة.. وضع هذا الجمهور الوفي عند خط النار المباشر مع حزب الله وايران.
كانت المواقع الجوهرية التي حفظت لبنان من العودة الى الحرب الأهلية، وتحديداً الحرب المذهبية كما في سورية والعراق.. هو التزام سنّة لبنان بالاحتكام الى السلم في مواجهة خصومهم، وسيظل السنّة في هذه الحالة حفظاً لوجودهم السياسي في لبنان، وحفظاً لأرواح أبنائهم كما أبناء الآخرين كل الآخرين كما وطنهم لبنان.. وقد أثبتوا خلال أشرس سنوات الخصام مع حزب الله مثلاً.. (وحركة امل) ان رهانهم على الاحتكام الى الديموقراطية النسبية هي الطريق الصحيح لمسار لبنان الوطن ومواطنيه.. فمن يضمن الآن ان يطال انفجار الصراع العربـي – الفارسي، او السعودي – الايراني، سنّة لبنان كما طال سنّة سورية فتم تهجيرهم وهم لا يريدون القتال.. وهم يعلمون انهم سيكونون وحدهم، وحدهم في أي مواجهة.. فضلاً عن ان دخول الشيعة في اي حرب داخلية ستوحدهم بأكثر مما هم متوحدون.. بينما سيكون دخول السنّة في أي حرب داخلية مشروعاً تفتيتياً بأكثر مما هم مفتتون الآن.
استقالة الحريري هي اعتراف منه، بل تسجيل منه بأن العهد الذي يتغنى بكثرة ((إنجازاته)) لم ينجـز ما يستحق ان يبقى الحريري رئيساً للوزراء فيه، فهل تدفع استقالة الرجل بميشال عون وتياره الى استعادة فزاعة الإبراء المستحيل؟

الرئيس سعد الحريري

الاقامة الجبرية المزعومة
كان أمراً مؤسفاً أن يتورط سياسيون كبار في ترداد أخبار نشرت في وسائل تواصل اجتماعي عن توقيف سعد الحريري في الرياض، وعن إلزامه إذاعة بيان الاستقالة المكتوبة، وعن وصف خيالي منذ لحظة استدعائه المزعوم إلى الرياض واقتياده إلى غرفة فيها مكتب لموظف بسيط أجلس الحريري خلفه وقد انتزعت منه ساعته وهاتفه لإذاعة بيان الاستقالة.
كما كان اصطياداً إعلامياً لإذاعة بيان الاستقالة من الرياض وكان من البديهي أن يذيعه من بيروت، بما سمح لبث هذه الاشاعات حوله.
كما ان توقيت الاجراءات الملكية ضد عدد كبير من الامراء والمسؤولين السعوديين سمح للإشاعات أن تنتشر ويتم تعامل البعض معها كأنها حقيقة، خصوصاً ان قول رئيس الكتلة النيابية لتيار المستقبل فؤاد السنيورة ان قرار الحريري لم يعلم به أحد في لبنان عزز نشر هذه الإشاعات، بل وتوكيد البعض لها.
وترداد البعض بأن جمهور الحريري قلق من أخبار احتجازه في الرياض ليس صحيحاً، فمسارعة الملك سلمان لاستقباله أثلجت صدور الحريريين، ورغم ان الملك وولي عهده استقبلا الحريري عدة مرات في الأشهر السابقة فإن لقاءهما به مؤخراً كان دلالة أكيدة على وضع الحريري الجيد في المملكة.. وهو أمر ينشده جمهور الحريري في لبنان، ويعزز ثقتهم بأن الرياض تدعمهم.
والمهم أيضاً زيارته لدولة الامارات العربية المتحدة للقاء ولي عهد أبو ظبـي الشيخ محمد بن زايد، الذي ساد الجفاء الثقيل بينه وبين الحريري لسنوات مضت ولم يكونا يلتقيان لأسباب لا علاقة لها بالسياسة، وعودة الحرارة إلى العلاقة بين الرجلين، ((بفولت)) عالٍ من الأمير محمد بن سلمان يؤكد ان أموراً إيجابية عديدة كسبها الحريري من حركته الأخيرة، ستظهر نتائجها الشخصية تباعاً..

الحرب – الحرب!!
لكن هذا لا ينفي أن استقالة الحريري تؤشر إلى أمر خطير إقليمياً، مرتبط أولاً بالنـزاع السعودي – الايراني حيث ردت إيران على استقالة حكومة لبنان التي كان أمين عام حزب الله كفيلها، بصاروخ حوثي انفجر فوق الرياض، ومهما زعم البعض بأن الصاروخ ما كان إلا تدبيراً سعودياً للفت الأنظار عن الاجراءات الملكية الأخيرة، إلا ان مسارعة المتحدث بإسم عصابة علي عبدالله صالح للتهديد بأن الصواريخ الايرانية ستضرب كل مكان في السعودية ودولة الإمارات، وانها ستصيب المشاريع المقترحة في البحر الأحمر و((نيوم)) وغيرها، كشف ان الصاروخ حقيقة وليس اصطناعاً كما ان سقوط طائرة الأمير منصور بن مقرن بن عبد العزيز حقيقة واقعة على جبهة السعودية – اليمن، خصوصاً ان شريط فيديو نشر كاملاً عن حفل وداع الأمير وبقية المسؤولين، الذين راحوا ضحية إسقاط الطائرة على أرض مطار أبها، قبل ركوبهم الطائرة..
لا يمكن فصل النـزاع السعودي – الايراني عن نزاع آخر أميركي – إيراني، وبالتالي إسرائيلي – إيراني، ستكون ساحته لبنان.. وللأسف.
وكان أمراً مثيراً للاهتمام أن يعلن الحريري استقالته بعد 24 ساعة تقريباً من استقباله مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي في بيت الوسط، وقد تردد ان ولايتي عرض وساطة الحريري مع الرياض بما يظهر دعوة إيرانية لاستسلام السعودية للأمر القائم.. وكان الرفض السعودي مجسداً في استقالة الحريري نفسه..
صحيح ان إيران أحبطت من جراء استقالة الحريري، وقد نزع الغطاء السني عن إدارة حزب الله للبنان سياسياً وحكومياً ونيابياً وقضائياً وعسكرياً وأمنياً، لكن إيران ليست من النوع الذي يستسلم وهي ترى انها كانت على قاب قوسين أو أدنى من إعلان الانتصار النهائي في كل من لبنان وسورية والعراق واليمن، وما كان تصريح الرئيس حسن روحاني عن ان كل ما يجري في هذه البلدان يتم وضعه في طهران، وأن لا شيء يصدر فيها إلا بإرادة إيران إلا تعبيراً عن أمر واقع خرج منه الآن سعد الحريري.
إذن
استقالة الحريري يمكن وضعها في الاطار الاقليمي ضمن خارطة طريق للمواجهة الأميركية – الإيرانية، وكذلك المواجهة السعودية – الايرانية.
لكن الأخطر هو المواجهة الاسرائيلية مع حزب الله، وهي أحد تجليات المواجهة الأميركية – الايرانية.
الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله واردة جداً.. وتسريبات وسائل إعلام الغرب انها ستكون مختلفة عن حرب صيف 2006، وان إسرائيل دربت فرقاً من جيشها على حرب برية لاحتلال مساحة كافية من جنوبي لبنان، لإبعاد حزب الله مساحة 40 كلمتراً عن الحدود كما هو مبعد عن حدود الجولان السوري بالمسافة نفسها.
وان مشروع إيران لربط جنوبي لبنان بجنوبي سورية حرباً، تقابله إسرائيل بربط الجنوبين سلماً بعد انتهاء الحرب، وأن إعلان إنهاء الحرب بقرار دولي جديد يعطي للقوات الدولية الحالية أنياباً سيشهد وجوداً عسكرياً روسياً لتنفيذ القرار الجديد.. هذا كله يبدأ باستقالة الحريري وفق مصادر عربية دولية.
حسن صبرا

إستقالة معلم /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

إستقالة معلم /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

إستقالة معلم /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

إستقالة معلم /كتب حسن صبرا – مجلة الشراع 13 تشرين ثاني 2017 العدد 1823

 

1 Response

  1. ايمن السيسي says:

    دوما الاستاذ حسن صبرا م اهم وانقي من يحللون المشهد السياسي في لبنا ن فضلا عن قوته في مواجهة الباطل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *