ملتقى العروبيين السوريين في أوروبا/ بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها
ملتقى العروبيين السوريين في أوروبا/ بقلم: محمد خليفة

شهدت مدينة كولن الألمانية يومي السبت والأحد الماضيين 28 – 29 ت1/اكتوبر فعالية جديدة ومميزة للمعارضة السورية, تمثلت بانعقاد ((ملتقى العروبيين السوريين في أوروبا)). إذ للمرة الأولى منذ بدء الثورة قبل سبع سنوات يلتقي العروبيون طيفاً واحداً لبلورة رؤاهم إزاء القضية السورية وتحديد مواقفهم من أهم إشكالياتها وملفاتها الداخلية والاقليمية, وإعادتها الى نصابها القومي. خصوصاً أن انعقاده جاء في ظرف دقيق, حيث تقف سورية كدولة وشعب على مفترق طرق حاسم وخطير, وبعد أن أصبح وجودها ومصيرها محكوماً بإرادة أعدائها من الدول الكبرى والمجاورة, وخاصة روسيا وايران وأميركا وإسرائيل. وبعد أن ((اكتشفت)) هذه الأطراف في سورية العربية ((مجمعاً مركباً وفسيفسائياً لشعوب وأثنيات وطوائف غير متجانسة)), وغير قادرة على التعايش في ما بينها, كما سبق أن وصفها هنري كيسنجر نقلاً عن مفكري الصهيونية, وكما يردد اليوم فلاديمير بوتين, متفقين على أنه يجب تفريق هذه ((الشعوب)) عن بعضها بالقوة وإعادة رسم جغرافيتها وتشكيل تركيبتها السكانية بحجة وقف ما يسمونه حرباً أهلية, وطائفية, لا ثورة شعبية ضد نظام تسلطي متوحش يخدم مصالحهم في المنطقة, فيحمونه من شعبه!

مجلة الشراع 6 تشرين ثاني 2017 العدد 1822

شارك في الملتقى نخبة مثقفين ومناضلين وسياسيين مخضرمين جاؤوا من تسعة بلدان أوروبية, وينتمون لثلاثة أجيال, عاشوا المحنة السورية في كل مراحلها, وبمختلف جوانبها, منذ أن استولى انكشاريو ((البعث)) على السلطة في الستينيات ثم احتكروا السياسة, وسحقوا المجتمع. منهم: د. عيسى حداد, عزت الشيخ سعيد, محمد خليفة, د. عدنان بكيرة, رحاب حسون, د. سليم منعم, د. محيي الدين بنانة, محمود سليمان, عمر يونس, جمال الأطرش, عبد الرحيم خليفة, د. تغلب الرحبي, حسين محمود, يحيى الخطيب, علي الحسيني, هيفرون الوسي, تهاني معتوق, ناديا عقيل, ميرفت خليل, باسمة سعيد. وهم يمثلون طوائف ومكونات متعددة, عربية وسريانية وكردية, مما أغنى المداولات التي اتسمت بالنضج والعمق والجد, وسادها التنوّع والتعدد في مناخ من الديموقراطية, وتزاوج فيها الفكر والسياسة. وكان واضحاً أن جهوداً تحضيرية مكثفة قد سبقته، تمثلت بإعداد ست ورقات تتميز بالرصانة العلمية، ضمت ((ورقة مبادىء أساسية)) تمثل دستوراً للملتقى, وخمس ورقات نقاشية حددت مفاهيم من هو العروبي, وماذا قدم العروبيون للثورة, ومفاهيم الديموقراطية والدولة المعاصرة, وما هي مآلات الثورة, والأخطار والمهددات التي تواجه سورية كدولة وشعب في المرحلة القادمة, وإمكانيات بناء شبكة تعاون وتفاعل بين القوى العروبية في الساحة السورية تعزيزاً لدورهم وحماية لبلدهم.
وقد اختار المنظمون مقاربة هذه الإشكاليات عبر منظور قومي ديموقراطي منفتح, فسورية بلا عروبة تعني سورية بلا هوية ولا تاريخ ولا حضارة, وقابلة للتشظّي والتذرر الى جماعات أثنية ودينية متناحرة, وهي في المحصلة بلا مستقبل, ولا دور. سورية من منظور العروبيين, قلب العروبة النابض, ومركز المنطقة والاقليم, والجناح الشرقي للوطن العربي. وأكد المشاركون أن سورية المعاصرة تأسست عام 1918 على أساس العروبة, ولا بد أن تبقى هكذا, لأن العروبة هي روح سورية كما قال أحدهم. وأكد آخر أنها خرجت من ربقة الهيمنة العثمانية ممزقة جغرافياً دينياً وأقوامياً نتيجة (نظام الملل والنحل) الذي اعتمدته السلطنة خمسة قرون. ووجد آباء الاستقلال الأول أن العروبة هي الناظم الأوحد لجميع مكوناتها, وهي الهوية الحضارية والتاريخية لأهلها, وكان المسيحيون العرب والسريان في مقدمة من أصل وحدث أواصر العروبة التاريخية في مفهوم القومية الحديثة وبلورها, ولولا إجماع السوريين على العروبة لما اتحدوا, ولما ظهرت سورية التي نعرفها اليوم. ويمكن البناء على هذه الحقيقة لإعادة توحيد سورية ضمن إطار منطقة عربية وأمة عربية تجمع شعوبها على وحدة هويتها ومصيرها ومصالحها.
ورأى المشاركون أن ثورة الشعب السوري الحالية هي ثورة حرية وإصلاح وتقدم وديموقراطية على الثوابت نفسها التي قامت عليها سورية العروبة, ثورة هدفها التخلص من سيطرة ((زمرة أو طغمة)) مستبدة وفاسدة دمرت الدولة, ومزقت المجتمع والهوية, وفرطت بمقومات السيادة الوطنية, ورهنت البلاد لدى الدول الأجنبية مقابل إبقائها في السلطة, حتى أصبحت بمثابة عصابة عميلة لأعداء سورية, بما فيها إسرائيل. ورأى المشاركون أن مفتاح الحفاظ على سورية وإنقاذها من الاخطار التي تكتنفها وإعادة الوحدة الوطنية بين مكوناتها هي إسقاط ((النظام)) بكل دعائمه العسكرية والأمنية والأيديولوجية والحزبية, لأن التجربة أظهرت أن نظام الأسد هو بيت الداء والدواء.

بطبيعة الحال تطرقت الحوارات والمداولات بين المشاركين لقضايا ومسائل كثيرة, جوهرية وفرعية, كالعلاقات مع دول الجوار والموقف من كل منها, وخاصة تركيا, والدول العربية بحسب مواقفها من الثورة, وتطورات الأزمة سلباً وإيجاباً. ودروس الثورة والمعارضة وأخطائهما وسبل تجاوزها في المرحلة القادمة. وأكد الجميع أن الثورة ستستمر وتتواصل حتى تحقق أهدافها التي قامت لأجلها, وأن الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية هي ((النهج)) الذي بدأ الشعب يختاره لتجاوز أخطاء الثورة وضغوط القوى الخارجية. ورغم التباينات العميقة أحياناً والثانوية أحياناً أخرى فإن العقلانية والوطنية والديموقراطية هي ما تغلب في النهاية.
وأوضح البيان الختامي للملتقى إنه ليس ولن يكون حزباً أو إطاراً سياسياً ينضم الى قائمة القوى والتشكيلات الحزبية والسياسية. ومع أنه لم يحدد ماهيته بشكل صريح إلا أن استشفاف الوثائق والمناقشات يمكنه استنتاج أنه فضاء حر للتفكير المتجرد, وشبكة عمل عصرية شفافة, ورافعة وطنية لمعالجة الإشكاليات, وووضع الدراسات حولها, ودفع الأطراف والجماعات الوطنية للعمل مع بعضها بشكل منهجي, وربما يمكن القول إن القائمين على الملتقى دشنوا حجر أساس لمرجعية ثورية تطمح لتصويب الاتجاهات الوطنية بموضوعية ومنهجية علمية وروح ديموقراطية بعيداً عن الحزبية الضيقة والأيديولوجيا الجافة. وقد قرر أصحاب الملتقى تحويله دينامية متطورة تجتمع كل ستة شهور على مستوى الهيئة العامة, واختارت بالإنتخاب الحر هيئة أمناء لقيادة المشروع وتنفيذ التوصيات التي طرحها المشاركون.

ملتقى العروبيين السوريين في أوروبا/& / أميركا وايران: نحو اختبار قوة في الساحة السورية – اللبنانية: بدء معركة إخراج إيران وميليشياتها من سورية/ بقلم: محمد خليفة – مجلة الشراع 6 تشرين ثاني 2017 العدد 1822

ملتقى العروبيين السوريين في أوروبا/ بقلم: محمد خليفة – مجلة الشراع 6 تشرين ثاني 2017 العدد 1822

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *