هل جاء الدور على مركز دراسات الوحدة العربية..؟! / بقلم: محمد خليفة 

أم على قلوب أقفالها..؟!

هل جاء الدور على مركز دراسات الوحدة العربية..؟! / بقلم: محمد خليفة 

يبدو أن أزمة التمويل التي ضربت مؤسسات إعلامية لبنانية عريقة كصحيفة ((السفير)), وأجبرتها على التوقف ما زالت مستمرة, وتهدد مؤسسات أخرى. وتشير معلومات رسمية الى أن الأزمة وصلت الى ((مركز دراسات الوحدة العربية)) وأخذت تهدد استمراره. وتوضح أن مؤسس المركز ورئيس مجلس أمنائه ولجنته التنفيذية خيرالدين حسيب قد تقدم باستقالته من مهامه بعد أن باءت بالفشل محاولاته لإنقاذ المركز ودفعه لمواصلة رسالته القومية العلمية التي بدأها قبل أربعين عاماً. ويتضمن عدد شهر ت2/نوفمبر 2017 من مجلة ((المستقبل العربي)) خطاب الاستقالة التي تعتبر جرس إنذار أخير, واحتجاجاً علنياً على أزمة مبرمجة وغير مبررة.

مجلة الشراع / 30 تشرين أول 2017 / العدد 1821

على ذلك فلا بد أن نتوقع الأسوأ في القريب العاجل, لأن الدكتور حسيب هو عمود المركز لا مديره, بل هو الأب الروحي له, والربان الذي قاد مسيرته وحدد بوصلته منذ أن كان مشروعاً في السبعينيات حتى أصبح صرحاً علمياً مرموقاً على الصعيدين العربي والعالمي, وبارومتراً يقيس نبضات العقل العربي وتجلياته الفكرية, والمؤسسة الوحيدة التي استطاعت حشد وتعبئة ((جيش علمي)) من المفكرين والأكاديميين من الدول العربية كافة, وتنسيق أسلحتهم وابتكاراتهم العقلية في كل الاختصاصات البحثية في بوتقة مشاريع تعود بالنفع والفائدة على جميع العرب دولاً ونخباً. والواقع أن المركز تحول بمعجزة الى ((جامعة عربية ثقافية وعلمية)) تخدم العالم العربي, وتتفوق على ((الجامعة العربية)) الأصلية التي قصرت نشاطها على السياسي, وأهملت الفكري والعلمي, وهي على ضوء إخفاقاتها في أداء رسالتها وتراجع فاعليتها, ليتها ركزت على الدور الثقافي والتربوي والعلمي, فهو المجال الذي يحصن مقومات الأمة العربية, ونضال شعوبها للوحدة بأقل قدر من الخلافات والصراعات بين الأطراف والمحاور السياسية ومراكز القرار.
في عام فاصل ومحوري من تاريخ لبنان والعرب المعاصر هو عام 1975 تأسس المركز ودشن باكورة أعماله الرائدة بإصدار مجلة ((المستقبل العربي)) الشهرية. كانت بيروت عاصمة متعددة الوجوه, من عاصمة للتنوير والابداع والثقافة بلا منازع, ورائدة للصحافة الحرة, وقاعدة صناعية لنشر وتوزيع الكتاب بلا رقابة, ومنبر للحريات السياسية, في محيط عربي وإقليمي يكتنفه القمع والاستبداد السياسي والفكري. ورغم غنى وثراء لبنان على هذه الأصعدة كان تأسيس (المركز) اضافة نوعية حقيقية لثروات لبنان المذكورة. ولكن بيروت بسبب ريادتها في المجالات السابقة كافة, كانت في ذلك العام الفاصل تتعرّض لمؤامرة كبرى أيضاً, ولا سيما بسبب دورها التنويري القومي, وتأثيرها النفاذ في محيطها بدءاً بالأقرب فالأبعد, فكان هناك من يعمل لإشعال حرب أهلية تحطم لبنان ودوره, وتضعه تحت وصاية أكثر الانظمة العربية توتاليتارية وعداء للحرية والعقل والفكر.
وكان العالم العربي بدءاً من مصر يمر بمرحلة انتكاس ونكوص عن مشروع النهضة والتنوير والوحدة الى مشاريع تكريس القطرية والانعزالية والتفريط بالنهج القومي والاستسلام للعدو, لذلك جاء تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية تعبيراً عن رد عقلاني على اتجاهات الانعزالية والقمع الفكري. ورغم قساوة الظروف التي مرت بلبنان منذ ذلك الوقت, صمد المركز, وواصل رسالته التنويرية, وتوسع في الابداع والانتاج والحوار. وحافظ على استقلاليته ونأى عن التبعية لأي نظام أو محور عربي أو اجنبي, فكسب ثقة النخب العلمية بصرف النظر عن اتجاهاتها وتياراتها, واكتسب صدقية وقوة تحصنه من مكائد الانظمة والمحاور المذكورة, وأصبح له (جيشه) القومي من المفكرين الراسخين والعلماء الجادين الذين يدافعون عن رسالته.
إن انجازات المركز كثيرة جداً, أعظمها أنه نقل الفكر القومي من مستوى العاطفة والحماس الى مستوى العقل والعلم والتخطيط والعمل بمنهجية تضاهي أرقى مراكز الابحاث في الغرب. وقد أتيح لي شخصياً المشاركة في بعض ندواته, ومعاينة أساليب ومناهج عمله وفضاءات الحرية والعقلانية الرحيبة المتوافرة فيه وللمشاركين في ندواته التي تتفوق على أي ندوات مشابهة في العالم العربي. وأجزم أنه يتفوق على كثير من مراكز البحث والجامعات في العالم المتقدم على مستوى التنظيم والالتزام والرصانة المهنية والمنهجية. وأجزم أيضاً أن معظم نجاحاته تحققت بفضل خيرالدين حسيب الذي يشرف على كل صغيرة وكبيرة في المركز وأعماله وندواته ومنشوراته.
ويسجل لهذا المركز أنه كان رائداً أيضاً في نشر ثقافة ((حقوق الانسان)) على الأرض العربية, وساهم في تأسيس أول ((منظمة للدفاع عن حقوق الانسان)) في العالم العربي. وكان رائداً في نشر ثقافة ((الديموقراطية)) وتأصيلها وتوطينها في البيئة العربية الثقافية والسياسية أكثر من أي منظمة أو حزب.
لكل ذلك يبدو أن محاولات التخلص من المركز وتعطيله ظلت هدف أعدائه وأعداء ((المشروع القومي العربي الحداثي)). ويكشف خيرالدين حسيب باقتضاب أن حروباً ناعمة وخشنة ظلت تلاحقه, حتى حاصرته وأوقعته في أزمة مصيرية.

للأسف ان مظاهر التنوير والتقدم والحداثة في العالم العربي هي المستهدفة, وعلى رأسها هذا المركز التنويري الرائد. ولا بد من القول ان أي عجز يمنعه عن مواصلة رسالته ودوره إنما هو كارثة حقيقية لكل حريص على مصالح العرب وتقدمهم, وشهادة إدانة حقيقية للنظام العربي الرسمي الذي يبدد أموالاً طائلة في مصاريف لا طائل منها سوى إدامة التخلف والاستبداد. وعلى ((الأمناء)) الذين ساهموا في توفير الدعم له طوال اربعة عقود بذل مزيد من الجهود لإنقاذه وتطويره, لأن توقفه كارثة حقيقية, وخاصة للمفكرين والمؤمنين بالأمة العربية ورسالتها القومية المعاصرة.
ولا شك أن المستهدف الأول من محاصرة المركز وغيره من وسائل العلم والاعلام والفكر في لبنان هو لبنان نفسه وعاصمته بيروت, من أعداء العروبة وأعداء التقدم, وأعداء العقل.
بيروت التي استهدفت دائماً بسبب هويتها ودورها الحضاري في المحيط العربي يراد لها أن تكون بؤرة لنشر ثقافة دينية متعصبة ورجعية ومعادية للعرب, ولذلك فالدفاع عن المركز هو دفاع عن عروبة بيروت, وبيروت العروبة.
المال في العالم العربي وفير ورخيص ويهرق كالنفط والماء السائب والدماء التي تهرق ظلماً وعدواناً من الطغم الفاسدة ولكنه – المال العربي – للأسف مسخّر للفساد ونشر الثقافة الطفيلية السطحية ولوأد النهضة ومحاصرة العقل العربي بالخرافة والخوف والجهل.

هل جاء الدور على مركز دراسات الوحدة العربية..؟! & / ألغاز ((داعش)) تتكشف بين الرقة ودير الزور كيف ولماذا تكرر سيناريو ((الجرود اللبنانية)) في شرق سورية..؟/ بقلم: محمد خليفة  – مجلة الشراع 30 تشرين اول 2017 العدد1821

هل جاء الدور على مركز دراسات الوحدة العربية..؟!/ بقلم: محمد خليفة  – مجلة الشراع 30 تشرين اول 2017 العدد1821

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *