العرب واليونيسكو: دروس للمستقبل/  بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟!

العرب واليونيسكو: دروس للمستقبل/  بقلم: محمد خليفة

يمثّل فشل المرشحين العرب الثلاثة في الفوز برئاسة منظمة اليونيسكو في الدورة الاخيرة لحظة كئيبة أخرى في مرحلة عربية سماتها الأبرز الاخفاق والخيبة وانعدام الوزن الدولي. وما يزيد الكآبة والخيبة هنا أن الهزيمة بدت تحصيل حاصل, بينما كان الفوز ممكناً, بل مضموناً, لولا الانقسام العربي، جذامهم العضال منذ الجاهلية الأولى الى الجاهلية المعاصرة!
لماذا ثلاثة مرشحين عرب دفعة واحدة لمنصب واحد؟
ولماذا تم ترشيح مرشحين فرانكوفونيين علاقتهم بالعرب أشبه بعلاقة المستشرقين..؟!
لا جواب, لأنه لا حاجة للتفسير, فالعرب اليوم أضافوا الى ظاهرة إنقسامهم التقليدي بعداً جديداً هو الخصام السوريالي الغامض الذي لا نفهم له معنى أو هدفاً, وتمتد آثاره الى منصة اليونيسكو. وجود مرشحين مصري وقطري في هذا الوقت يعني حتماً حلبة مصارعة رومانية, لا ساحة منافسة ثقافية. وإذا أضفنا الى المشهد مرشحة لبنانية فذلك يحيلنا الى لبنان الذي يغرد خارج السرب العربي في فضاء بلا هوية.
أمر يدعو للأسف حقاً ألا يتفق العرب على مرشح وحيد يمثلهم ويحظى بدعمهم ويكسبهم احترام ما بقي لهم من الأصدقاء على الساحة الدولية, لا سيما وأنهم كسبوا على مدى 35 عاماً جولات الصراع الجدي مع عدوهم الحقيقي: اسرائيل, وحاميتها الكبرى: أميركا, وكلتاهما عبّرتا عن إفلاس منطقهما بالإنسحاب أكثر من مرة أمام المنطق العربي المدعم باحترام وتأييد غالبية دول العالم.

مجلة الشراع 23 تشرين اول 2017 العدد 1820

مرشح قطر د. حمد الكواري يتفوّق بالكفاءة على المرشحتين المصرية واللبنانية, ومؤهل أكثر منهما لحمل اسم العرب, ويستحق الفوز, ولكن ترشيحه جرى في وقت غير مناسب, وكان يجب أن يحسب بشكل أفضل, والإدراك أنه لن يفوز, طالما استمرت الأزمة، بين قطر وبين شقيقاتها الأربع, فخسر الرجل, وخسرنا معه بعد أن ثبت في المنافسة الصعبة حتى الجولة النهائية.
المرشحة اللبنانية ضعيفة وبلا أمل وغير مؤهلة لتمثيل العرب فلماذا يساندوها, ويثير ترشيحها شبهة تعمد تشتيت الأصوات العربية!
أما المرشحة المصرية فهي مؤسفة أيضاً, ففي مصر مئات المرشحين الأكثر أهلية وكفاءة.
المنصب والمهمة المسندة اليه فائقة الأهمية, وكنا بحاجة للفوز به في هذه المرحلة بالذات, لا توقاً للوجاهة, ولكن لأن العالم يشهد صعوداً خطراً للتيارات اليمينية والعنصرية المعادية للإسلام والعرب, ليكون المنصب موقعاً دفاعياً عنهم وعن ثقافتهم وتراثهم. وكان أجدى للعرب وأجدر بهم تقديم مرشح فلسطيني مرموق, يوحّد جبهتهم أولاً, ويتسبب بالمزيد من الجلطات لإسرائيل وأميركا, طالما تقلصت ساحات الصراع بيننا وبينهم الى هذا الحد!, ويرسل رسالة قوية للعالم في زمن الحصار المضروب حول القضية الفلسطينية.
اليونيسكو لا تشبه أي منظمة أممية أخرى, فهي التي تمثل الثقافة والتراث والحضارة والتاريخ, ولذلك تستحق منا الاتحاد للفوز برئاستها لدورة ودورتين وثلاث. ولأننا اصحاب فضل كبير على العالم في هذا المضمار, فقد وقف العالم معنا في مواجهاتنا السابقة خلال السبعينيات والثمانينيات مع دولتين بلا حضارة ولا ثقافة ولا تاريخ: أميركا واسرائيل. وما برح يقف معنا في وقت الجد لا الهزل.
وفي هذه المناسبة لا بد من تذكر مديرها الاسبق (السنغالي) أحمد مختار امبو رجل المبادىء الذي تصدى لاستكبار وسيطرة الدول الاستعمارية على اليونيسكو والنفوذ اليهودي – الصهيوني فيها, بجرأة نادرة وكفاءة علمية فذة, دون أن يفرط بالنزاهة, فكسب احترام حتى الدول الغربية المحايدة, وانهزمت أمامه أميركا واسرائيل وحليفاتهما في أوروبا, فانسحبتا من المنظمة ورفضت أميركا تسديد حصتها في ميزانيتها, وانتصر معه العرب والأفارقة والمسلمون وبقية الشعوب في العالم الثالث, لأن المعركة كانت معركتهم جميعاً, وتخفي صراعاً بين حضارتين, تحاول واحدة سحق الأخرى, وتزييف التاريخ, وإشعال (صراع الحضارات).

مقر اليونسكو

ولا شك أن الثلاثة (العرب والمسلمون والأفارقة) بحاجة دائمة للتضامن مع بعضهم في ساحات اليونيسكو, نظراً لأهميتها كجبهة مقاومة ودفاع عن تراثهم الانساني, وحماية حقوقهم الثقافية التي تتعرض لاستباحة من الدول الامبريالية أخطر من الاستباحة العسكرية لبلدانهم, ونهب ثرواتهم الاقتصادية.
كان مختار امبو (1921 ) أول مدير يونيسكو يقود الثلاثة في معركة بهذا الحجم والمستوى ويتصدى للإمبريالية الثقافية ويعمل على دحض أكاذيب المستشرقين والصهاينة بحق الاسلام والتاريخ الاسلامي, وأول من قاد معركة الدفاع عن التراث العربي في فلسطين, وقد صمد في مواجهة الحملات الدولية المغرضة من أعدائه والتي طالته في شخصه وسلوكه ودينه ولم يتراجع, وضرب المثل الأعلى لرجل القيم المبادىء, وللمسلم الايجابي المعاصر.
علينا استخلاص الدروس من تجربة امبو ومن التجربة الاخيرة والاستعداد للدورات القادمة, لأننا بحاجة ماسة لمرشحين عرب ومسلمين أكفاء نواجه بهم حملات العداء للاسلام وكراهية المسلمين في الغرب حيث يعيش اكثر من مائة مليون مسلم, ونواجه موجات العنصرية الصاعدة والتطرف, وسياسات التهويد في فلسطين وللعقل الانساني في الغرب عموماً ونهب كنوزنا وآثارنا ومتاحفنا.
نعم علينا الاستعداد منذ الآن للدورة القادمة بعد أربع سنوات فنقدم مرشحاً قوياً نتفق عليه مع الدول المسلمة والافريقية لهذا المنصب الحيوي, ويمكن لمنظمة التعاون الاسلامي عبر منظمتها الفرعية للتربية والثقافة والعلوم وضع استراتيجية ثقافية يقودها المرشح الذي تتفق عليه الدول الخمسون, وهي للعلم أكبر كتلة دولية منظمة بعد الامم المتحدة. وبهذه الطريقة يمكننا أن نجعل من اليونيسكو منظمة يديرها العرب والمسلمون بشكل دائم.
ليس هذا حلماً ولكنه هدف واقعي قريب المنال, وتحقيقه مهمة عاجلة للدفاع عن هويتنا وموقعنا في تاريخ العالم المعاصر والمستقبل على حد سواء.

العرب واليونيسكو: دروس للمستقبل/ & الحقائق العشر الثابتة في العلاقات الكوردية – العربية: لا حرب عربية ضد الكورد بل حرب إيرانية – تركية ضدهم/ بقلم: محمد خليفة – مجلة الشراع 23 تشرين أول 2017 العدد 1820

العرب واليونيسكو: دروس للمستقبل/  بقلم: محمد خليفة – مجلة الشراع 23 تشرين أول 2017 العدد 1820