الشرق الأوسط الروسي/ بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟!
الشرق الأوسط الروسي/ بقلم: محمد خليفة

في العام الأول للثورة السورية كان بعض الفهلويين السوريين يعلقون على وقوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلف بشار الأسد, وخاصة في مجلس الأمن الدولي واستعمال ((الفيتو)) مرة تلو مرة لإحباط أي مشروع قرار يدينه ويدين سلوك زمرته الإجرامي بقولهم: إن هذا الموقف لا يخدم مصالح روسيا, وبوتين لا يعرف مصالحه ومصالح بلاده! ولم يكن ينقص سوى أن يتطوع الفهلويون من المعارضة السورية لتعليم بوتين ولافروف مبادىء السياسة.
وبعد التورط الروسي المباشر في المقتلة السورية تنبأ هؤلاء الفهلويون بالهزيمة السريعة التي تنتظر قوات روسيا, ومصير محفوف بالمخاطر للرئيس بوتين على الصعيد الشخصي بسبب جرائمه في سورية!
أما الآن وفي ضوء تعاظم النفوذ الروسي في الشرق الأوسط فقد كفّ هؤلاء الطارئون على السياسة عن إعطاء الدروس والتحذيرات للقادة الروس في كل مناسبة, لأنهم اكتشفوا سذاجتهم وبراءتهم أمام حقائق العالم السياسي القائم على القوة الهمجية لا المبادىء الانسانية. ولا بد أنهم مصدومون بحقائق الواقع وتغير العلاقات الدولية لصالح بوتين وروسيا في سورية والشرق الاوسط, وفي أوروبا أيضاً!

مجلة الشراع 16 تشرين اول 2017 العدد 1819

الشرق الأوسط كله, العربي والايراني والتركي, يتحول الى العصر الروسي بثبات, ويغادر العصر الأميركي.
القيصر بوتين يحصد جوائز جرائمه في سورية وتجني دولته مكاسب استراتيجية ضخمة جراء تدخلها العسكري وتدمير حلب, وتهجير مليون شخص من أهلها, ويصبح في نظر شعبه فاتحاً تاريخياً يحقق في بضع سنين ما لم يحققه القياصرة والسوفيات معاً في البحار الدافئة طوال التاريخ.
زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز الى موسكو ليست حدثاً عادياً في تاريخ المنطقة, ولكنها تعبير عن تحول تاريخ عنوانه البارز تقهقر النفوذ الأميركي والغربي بعد مائة سنة, وتقدم النفوذ الروسي على كافة المحاور.
تركيا الدولة الأطلسية التي وقفت على أخطر جبهات الحرب الباردة في مواجهة الامبراطورية السوفياتية, تبتعد يومياً عن الغرب, وتتقارب مع الروس, وتنسق معهم بكل ما يتعلق بالأزمة السورية وتبدو في حالة تحول استراتيجي من الغرب الى الشرق, وقد لا يتأخر الوقت حتى تنسحب من حلف ((الناتو)) ويصبح سلاحها روسياً شرقياً, ومصالحها الاقتصادية والتجارية بين آسيا وافريقيا بدلاً من أوروبا.

القوات البحرية الروسية

ايران الدولة الاقليمية الثانية حليف ثابت لروسيا, وعدو لدود لأميركا, وعلاقاتها مع الروس علاقات لا يبدو أنها مهددة بأي شكل, والمراهنات على صراع روسي – ايراني في سورية ما زالت حتى اللحظة رغبوية لا تقف على أرض الواقع.
وبموازاة هاتين الدولتين الكبيرتين اللتين شكلتا مع روسيا حلفاً ثلاثياً يدير شؤون سورية في كل تفاصيله, باتت روسيا قبلة الزعماء العرب الآخرين ملوكاً ورؤساء, ويتنافسون على كسب ثقة القيصر الروسي بدلاً من القيصر الأميركي بعد أن تراكمت خيباتهم وتجاربهم الفاشلة مع هذا الاخير عبر عشرات السنين, واتضح لهم أن مصائرهم قد لا تكون أفضل من مصير الشاه الايراني الأخير محمد رضا بهلوي أو مصير حسني مبارك.
الملك سلمان بحكم ما تتمتع به بلاده من مكانة وزعامة عربية وإسلامية حالياً فإن دلالات ونتائج وأبعاد زيارته الى موسكو تختلف عن زيارة أي قائد عربي آخر ممن سبقوه إليها: ملك البحرين, أمير قطر, وملك الاردن, وملك المغرب, والرئيس المصري فضلاً عن رئيس حكومة لبنان ورئيس حكومة العراق وغيرهم.
زيارة الملك سلمان الى روسيا لا تكتسب أهميتها من كونها الأولى في تاريخ العلاقات الثنائية, بل من كونها تتوج تحولات جيو- سياسية على مستوى المنطقة والعالم لصالح روسيا وضد مصالح الغرب, وخاصة أميركا. ولا شك أن السعوديين لا يحبون بوتين الذي يتحالف مع عدوّهم الايراني, ولا يحبون روسيا التي قاتلوها في أفغانستان قتالاً عنيداً ساهم في هزيمتها وفي انهيار الامبراطورية السوفياتية ودحر خطرها عن الخليج والشرق الأوسط. لذلك لا يجب أن يخطىء أحدنا في فهم دوافع الرياض من تقاربها مع موسكو. فالزيارة لا تعكس أبداً تغيراً في العواطف والمواقف الحقيقية, بل تعكس مقتضيات وضرورات الأمن والدفاع والمصلحة, وتعكس موازين القوى العالمية. كما يجب عدم نسيان حاجة دول الخليج الصغيرة لحماية دولة عظمى من أطماع الجيران الأقوياء ومؤامراتهم التي لا تتوقف ولا تفتر.
مصر التي طردت السوفيات بشكل مهين عام 1972, هي التي تسعى بإلحاح وقوة لاستعادة العصر الذهبي للعلاقات بينهما في الحقبة الناصرية.
والعراق الذي ضحى به ميخائيل غورباتشوف وشيفارنادزة عام 1990, فوقع تحت الاحتلال الأميركي الكامل يعود الى الفلك الروسي تدريجياً من خلال البوابة الايرانية أيضاً.
وليبيا التي دخلها الغرب لإسقاط القذافي عام 2011 تعود الى الروس بفضل خليفة حفتر.
والجزائر حافظت على علاقات جيدة ومستقرة مع الروس منذ الاستقلال ولكنها مترددة في قبول طلبهم بإقامة قواعد روسية على أراضيهم.
إذن فالروس دمروا سورية وهجّروا شعبها فكسبوا العرب ولم يخسروهم كما خيل للفهلويين من المعارضة السورية, لأن العلاقات الدولية قائمة على القوة لا على الاخلاق والمبادىء. ولكن السؤال الجوهري هنا هو هل تستطيع روسيا توفير الأمن والطمأنينة لعرب الخليج خصوصاً على حساب حليفتها ايران..؟ وهل تختلف روسيا عن أميركا جذرياً..؟؟
الأرجح أن العرب لن يجدوا بغيتهم في موسكو كما لم يجدوها في واشنطن التي أعطوها كل ما يملكون طوال سبعين عاماً, وعليهم جميعاً الاعتماد على النفس وبناء قوة عربية موحدة للدفاع عن أمنهم وثرواتهم, وأن يبنوا مشروعهم النووي للتوازن مع ايران وإسرائيل, وعليهم أن يتخلوا عن سفاسف الخلافات مع الجار التركي ليبنوا تحالفاً إقليمياً قوياً يحمي شعوبهم من التهديدات الاستراتيجية المتزايدة ويردع الطامعين والغزاة.

الشرق الأوسط الروسي/ بقلم: محمد خليفة – مجلة الشراع 16 تشرين أول 2017 العد 1819

الشرق الأوسط الروسي/ بقلم: محمد خليفة – مجلة الشراع 16 تشرين أول 2017 العد 1819