عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة

عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة
*المهمة التي حددها بوتين بثلاثة شهور تدخل عاماً ثالثاً بلا أفق
*النصر زائف والثوار يوجهون ضربات قاصمة للأعداء الثلاثة
*بوتين يحكم سورية ويناقش شؤونها مع الدول الأخرى
*دي مستورا يرى ((مناطق خفض التوتر)) خطة للتقسيم
*التدخل الروسي أدى الى تهجير مليون سوري ومقتل أكثر من مائة ألف مدني
*التنازلات التركية للروس لإبعادهم عن الكورد
*هل يصل التطبيع التركي – السوري الى قمة بين اردوغان والاسد..؟!

مجلة الشراع 9تشرين اول 2017 العدد 1818

بقلم: محمد خليفة

مع إطلالة ت1/اكتوبر الحالي أكملت القوات الروسية في سورية عامها الثاني ودخلت الثالث. وهي التي قال بوتين في خطابه الى ((مجلس الاتحاد الروسي)) لنيل الموافقة على مهمتها عام 2015 إنها لن تستغرق سوى ثلاثة شهور. وفي 14 آذار/مارس 2016 أعلن وزير الدفاع سيرغي شويغو إنهاء المهمة وبدء الانسحاب, وسرعان ما اتضح أنها كذبة فاقعة. فهذه القوات ما زالت موجودة وتزداد تورطاً وغرقاً في بحيرة الدم السوري, وتخطط للبقاء خمسين عاماً, حسب الإتفاقية التي أبرمتها مع بشار الأسد. ولم تعد موسكو تتحدث عن نهاية وشيكة لها, بل تتصرف كما لو أنها تحكم سورية, إذ طالب وزير الخارجية سيرغي لافروف مؤخراً ((القوات غير الشرعية في سورية)) الإنسحاب بعد القضاء على((داعش)), قاصداً طبعاً القوات الاميركية.. وربما التركية!.
على أي حال شكل التدخل العسكري الروسي مفصلاً رئيسياً حاسماً في سياق الأزمة السورية لكل الأطراف الاقليمية والدولية, ولذلك ((احتفلت)) روسيا بمناسبة مرور العامين على تورطها من خلال تطورين:
الأول – عادت بعد عدة شهور من ((خفض التوتر)) الى رفع معدلاته الى المستوى الذي بدأت به مهمتها قبل سنتين. ففي 20 ايلول/سبتمبر الماضي عاد الطيران الروسي الى الهستيريا التي دمر بها حلب في شهوره الاولى, ولكن على محافظة ادلب المكتظة بالسكان المهجرين عنوة من كافة المحافظات, وشملت الغارات مناطق من ريفي حماة الشرقي والشمالي. عشرات الغارات يومياً بحجة الحرب على ((جبهة النصرة)), بينما يؤكد السكان والناشطون أن الغارات استهدفت المشافي والمناطق المدنية الآهلة حصراً, وأكدت الأمم المتحدة ذلك, ووثّقته ((هيومان رايتس ووتش)), والشبكة السورية لحقوق الانسان, وقالت الـ((غارديان)) السبت الماضي أن الروس دمروا خمسة مشافٍ في ادلب تدميراً تاماً في تسعة ايام, وهو ما أكده لنا الطبيب حسن حميدي العامل في مشفى ((كفرنبل)) الجراحي, إذ قال إن صاروخاً من الحجم الكبير اخترق ثلاثة طوابق من المشفى في ضربة واحدة.
سيناريو حلب 2015 – 2016 يتكرر الآن في ادلب بالهمجية نفسها, ويعتقد المراقبون أن الغارات على ادلب ليست مجرد ((احتفال)) بذكرى الغزو, ولكنه استعراض عضلات وتذكير للثوار المعارضين لمسار آستانا بجاهزية العصا للضرب إذا لم يذعنوا, كما أذعنت عشرات الفصائل التي سيقت الى آستانا لإبرام هدن غير متوازنة, ولا يلتزم بها النظام والروس والايرانيون. ويؤكد المراقبون أن النظام والروس بدأوا المعركة التي كانت متوقعة منذ حسم معركة حلب نهاية 2016 وإعادتها لسلطة الأسد, أي تدمير ادلب وتهجير الكتلة الكبرى من سكانها ثم تسليمها للأسد, لطي صفحة ((المناطق المحررة)) نهائياً, خصوصا أن النظام تعرض في ادلب لمهانة عالمية في ايار/مايو 2015 حين حررها الثوار فهربت فلول قواته منها حفاة مشاة, وكانت السبب المباشر لقرار الروس بالتدخل السريع لنجدته قبل أن يسقط فعلاً, وبناء على تقدير موقف من القيادة العسكرية الايرانية حمله قاسم سليماني الى موسكو على عجل في صيف 2015.
الثاني – حرب روسيا في سورية هي حرب بوتين شخصياً, ما دعا ((لوموند)) مؤخراً لنشر كاريكاتير يصوّر بوتين وهو يمسك بيد بشار الأسد ويرفعها بإشارة النصر وهو يقول ((الرابح يحصد كل شيء!)). بوتين الذي منع الاسد سابقاً من الاحتفال بعودة سلطته على حلب وإعلان النصر قرر الاحتفال بطريقته الخاصة, بما يعده ((انتصارات)) عسكرية وسياسية في سورية. وهو إذ لا يمكنه زيارتها, فقد زار تركيا يوم 28 ايلول/سبتمبر, وأجرى محادثات مع حليفه الجديد رجب طيب أردوغان تركزت على توسيع العلاقات الثنائية, والتعاون في مواجهة الأزمات المتفجرة في سورية والعراق. فتركيا هي الدولة التي فتحت أراضيها للثورة والمعارضة والشعب السوري طوال سنوات, مما أهلها لتكون اللاعب الرئيسي فيها.
وجدير بالذكر ان بوتين زار أنقرة عام 2014 وعرض على اردوغان التعاون معه لحل الأزمة السورية شرط أن يضغط على المعارضة لتقبل بقاء الأسد ولكن اردوغان رفض. أما الآن فقواعد اللعبة تغيرت, وغدا بوتين اللاعب الرئيسي, وأردوغان يطلب الإذن للمشاركة في التسوية وحفظ مصالح بلاده.

القوات الروسية: انقاذ نظام الأسد من السقوط ووضع سورية تحت وصايتها بالكامل

استطاع الروس احتواء الدور التركي وتوظيفه لصالح استراتيجيتهم في سورية, وفي المنطقة كلها, وتوقيت زيارة بوتين الى أنقرة الخميس الماضي مرتبط بذكرى مغامرته في سورية, أولاً, ومرتبط بالمرحلة القادمة من ترتيبات الملف السوري وبقية الملفات الاقليمية, وخاصة: الكوردي, والعراقي ثانياً. وذكرت مصادر من المعارضة أن بوتين وأردوغان ناقشا أفكاراً تتعلق بالمرحلة القادمة في سورية. وكان لافتاً تصريح بوتين في ختام محادثاته مع اردوغان ((الظروف متوافرة لإنهاء الحرب الأهلية في سورية, بعد القضاء على الارهابيين, والعودة الى الحياة الطبيعية)). ولكنه لم يقل كيف, ولم يتطرق الى العملية السياسية سوى الاشارة الى ما يدور في كواليس حميميم, وجلسات آستانا, وفرض هدن ومصالحات غير قائمة على أي خطة سياسية متفق عليها مع بقية الأطراف.
على أي حال فإن مناسبة مرور العامين, والتطورات الاخيرة تطرح أسئلة عميقة:
ماذا حقق الروس من تدخلهم في سورية.. هل انتصروا حقاً..؟
هل حسم الروس الصراع لصالحهم وصالح شريكتهم ايران, وصالح الأسد..؟
ما هي معالم وخطط السياسة الروسية في المرحلة القادمة والتي بحثها بوتين مع أردوغان..؟

ماذا حقق الروس في سورية ؟
ركزت القوات الروسية في السنتين السابقتين على سحق الثورة والمعارضة بأقصى قدر من البطش والتدمير. وحسب وزارة الدفاع الروسية, نفذ سلاح الجو زهاء مائة الف غارة, وثلاثين ألف طلعة, واستخدم أكثر من 162 سلاحاً جديداً, من الطيران الحربي والهليكوبتر, والغواصات والدبابات والآليات المتنوعة, والصواريخ والقذائف, وبعض هذه الأسلحة استعمل للمرة الأولى بغرض التجريب, أدت الى قتل 53 ألف ((إرهابي)) وتحرير 87% من أراضي سورية. وكانت القوات الروسية بررت تدخلها منذ البدء بالحرب على الارهاب, وخاصة تنظيم الدولة – ((داعش)), وجبهة النصرة – القاعدة.
بينما تؤكد المعارضة السورية ومعها الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان المحلية والاجنبية أن القوات الروسية استهدفت الحاضنة الاجتماعية للثورة, وتدمير البنى التحتية, والمنشآت المدنية من مشافٍ ومدارس ودفاع مدني وأسواق, بهدف تهجير السكان. ودمرت خلال عامين 126 مستشفى, و170 مدرسة, و47 سيارة إسعاف, وتهجير ما يزيد على مليون سوري, وقتل أكثر من مائة الف مدني, بينهم آلاف الأطفال والنساء.
وعلى الصعيد العسكري أظهرت القوات الروسية كفاءة اسلحتها, واختبرتها أمام العالم لإثبات مضاهاتها للأسلحة الأميركية والدعاية لها تجارياً, واكتشاف عيوبها لتحديثها, وتدريب قواتها على استعمالها بشكل ميداني. ومنها صواريخ ((كاليبر)) المجنحة، والقاذفات الاستراتيجية ((تو-95 إم إس)) و((تو-160)) ومروحيات ((كا-52)) وغيرها. واستطاعت إنشاء قواعد عسكرية بحرية وجوية وبرية دائمة على ساحل المتوسط, وعلى أرض الشرق الاوسط, حيث لم تطأ أقدام أي جنود روس في التاريخ هذه الأرض, وهو حلم قديم داعب خيال القياصرة والسوفيات. واستطاعت تعزيز القوة الروسية على المسرح الدولي ومنافسة نفوذ الدول الغربية في المنطقة من المتوسط الى الخليج.
وعلى الصعيد الاقتصادي, رفعت روسيا حجم مبيعاتها العسكرية بأكثر من 50% عما كانت عام 2014. وأبرمت اتفاقات اقتصادية مع السعودية ودول الخليج تتعلق بالنفط والغاز, واستطاعت بيع أسلحة الى دول عربية موالية للغرب. وهي الآن تراهن على استحواذها على ثروات سورية من النفط والغاز تنقيباً واستخراجاً وتصديراً, كما تحاول احتكار مشاريع إعادة البناء لشركاتها والشركات الايرانية, وهي بمئات البلايين.
وعلى الصعيد السياسي والاستراتيجي استطاعت القوات الروسية إنقاذ نظام الأسد من السقوط ووضع سورية تحت وصايتها بالكامل, وإقصاء الدول الغربية والعربية, والترويج للدور الروسي في الشرق الأوسط كمساند للأنظمة الاستبدادية ومعاد للثورات والديموقراطية, وإقامة منظومة دولية من الدول سيئة السمعة في مجال حقوق الانسان. وأمكنها توسيع تحالفها مع ايران, وكسب حلفاء جدد كالسعودية والامارات وقطر والبحرين والاردن ومصر, وجذب تركيا إليها, وهي دولة عضو في حلف ((الناتو)) تمر علاقاتها مع الغرب بأزمات عديدة, وأبرمت مؤخراً معها صفقة شراء صواريخ اس 400, رغم احتجاج الحلفاء الغربيين.
ولكن هل تتيح هذه الانجازات للروس ادعاء النصر وحسم الصراع في سورية..؟
قبل الاجابة تجدر ملاحظة المسائل التالية:
1 – في بداية التدخل كانت تقديرات العسكريين الروس أن العملية لن تحتاج أكثر من ثلاثة شهور, ولكنها الآن تدخل العام الثالث بدون نهاية.
2 – التورط الروسي يتضخم عدداً ونوعاً, ففي البداية اقتصر على القوات الجوية, ثم تطور الى نشر ((شرطة عسكرية)) على الأرض في عدة مدن, مما عرضها لضربات انتقامية وخسائر متزايدة, ويتوقع أن تزداد الضربات والخسائر طرداً مع تزايد الانتشار العسكري.
3 – اعترف الروس بأن كلفة التدخل لم تزد عن 3,5 مليار دولار بينما قدرت المصادر الغربية الخسائر بثلاثة أضعاف الرقم المذكور, وهي خسائر ثقيلة على الاقتصاد الروسي المرهق أصلاً.
4 – الكلفة السياسية والاخلاقية للتدخل كبيرة جداً, إذ أصبحت روسيا وقواتها موضع إدانات قانونية وحقوقية في العالم بسبب جرائم الحرب والابادة التي اقترفتها وانتهاكها للقانون الدولي الانساني, وارتضت لنفسها صورة الدولة الامبريالية, ونصيرة الحكام المستبدين وقاتلة الأطفال.
5 – الرئيس بوتين الذي يتحمل وحده مسؤولية التدخل يواجه الآن معارضة قوية ستؤثر عليه في انتخابات الرئاسة القادمة (آذار/مارس 2018) وبات الرأي العام الداخلي يتذمر من هذا ((النصر)) الذي يعود عليه بخسائر اقتصادية وبشرية وأخلاقية جسيمة.
((إنتصارات)) الروس في الواقع مشكوك فيها ومؤقتة, العسكرية والسياسية على حد سواء, بل يرى كثيرون من المحللين أن روسيا فشلت عسكرياً بعد سنتين في القضاء على الثورة والمقاومة رغم البطش والحرب الوحشية, بدليل استمرار العمليات القوية ضد قوات النظام وحلفائه في كل الجبهات, وهناك أمثلة كثيرة وقعت في الايام القليلة الماضية تثبت هذا الفشل وتدحض الانتصار المزعوم:
1 – الكمائن التي أقامها ثوار ((فيلق الرحمان)) في عين ترما فأوقعت 50 قتيلاً من جنود وضباط الفرقة الرابعة في جيش النظام خلال يوم واحد (28 أيلول/سبتمبر).
2 – الهجوم المباغت لتنظيم الدولة على طريق حمص – دير الزور فأوقع 58 قتيلاً من قوات الاسد وحزب الله وايران في يوم واحد (29 أيلول/سبتمبر).
3 – الهجوم الذي شنه الجيش الحر على جبهة حماة الشمالية والشرقية, وتحرير مواقع كثيرة, وقتل عسكريين روس (19 أيلول/سبتمبر).
4 – إسقاط طائرة هليوكبتر للنظام فوق البادية يوم الاثنين الماضي (25 أيلول/سبتمبر).
5 – قتل ضابط روسي كبير في دير الزور, ويؤكد بعض الثوار أن الضابط قتل على جبهة حماة لا في دير الزور, وأن عدداً من عناصر الشرطة العسكرية قتلوا في الهجوم الذي استفز الروس ودفعهم لشن عشرات الغارات الانتقامية في إدلب وريف حماة.
6 – تؤكد مصادر من الداخل أن عمليات المقاومة السرية قتلت في الشهور الأخيرة العديد من عناصر الشرطة الروسية في حلب. ودمرت أهدافاً كثيرة للنظام.
هذه العينة من العمليات تثبت أن انتصارات وإنجازات الروس والأسد والايرانيين هشة ومؤقتة, كما تؤكد أن المعارضة المسلحة ما زالت قادرة على القتال وإلحاق خسائر فادحة بالنظام وحلفائه في كل الجبهات رغم حظر التسليح والدعم عنها من كافة الدول الشقيقة والصديقة, وسيبقى الصراع يدور سجالاً ((يوم لك ويوم عليك)) ما دام الطرف الآخر يراهن على تفوقه العسكري فقط, ويرفض الحل السياسي المتوازن في سورية, ويقتصر سعيه على إجبار الدول الغربية على القبول ببقائه, وسحب اشتراطهم المسبق خروجه من السلطة كمقدمة لانتقال سياسي جدي حسب وثيقة جنيف 1. وهم في الواقع رضخوا تحت الضغط, ولكنهم يرفضون المساهمة في إعادة الاعمار ما لم يحدث تغيير حقيقي للنظام يبرر صرف عشرات المليارات.
وتعليقاً على هذا الوضع يرى مدير ((مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيا)) الروسي رسلان بوخوف أن القوة العسكرية لا يمكنها صنع سلام في أزمات معقدة كهذه, وأن نجاحات القوة الروسية بحاجة لعملية سياسية موازية وجدية تلبي مطالب الشعب السوري, تتضمن إزاحة الأسد وزمرته. أما إبقاء النظام تحت الحماية الروسية – الايرانية الدائمة فلا يحقق السلام الذي تحدث عنه بوتين في أنقرة. ورأى الباحث أن الوضع الراهن في سورية يعيد إنتاج الأزمة ويفاقمها ويطيل أمدها. ويرى كثير من الخبراء أن مقاومة السوريين للنظام والروس والايرانيين ستستمر, وتمنع استعادة الأسد للسيطرة على كامل أراضي الدولة كما يأمل.

القوات الروسية في سوريا

تكتيكات الروس القادمة:
إذن على ماذا يراهن بوتين لتفادي الغرق في مستنقع الدم السوري..؟
توحي التطورات الأخيرة والمؤشرات في المشهد السوري وامتداداته الاقليمية أن الروس يريدون استبدال الحل السياسي ببعض التدابير المسكنة والتي تستبطن احتمالات خطيرة على وحدة سورية:
أولها – إجبار الدول المحيطة بسورية على الرضوخ لشروطهم, ليعيدوا تسليم الحدود للنظام, وتطبيع علاقاتهم معه. وهذا ما يحصل حالياً مع كل من الاردن ولبنان والعراق, وأخيراً تركيا بضغط روسي. وتذكر مصادر موثوقة في المعارضة أن بوتين اشترط على أردوغان في قمة المصالحة في موسكو (10 آب/أغسطس 2016) عودة العلاقات بين تركيا ونظام الأسد, واقترح قمة للمصالحة بين الأسد وأردوغان في موسكو, ولكن أردوغان لم يوافق, وطرح تطبيعاً تدريجياً, وهو ما يجري منذ شهور. وتؤكد مصادر أن لقاءات بين عسكريين ودبلوماسيين من البلدين التقوا, وأن ضابطاً تركياً زار دمشق في أيار/مايو الماضي, وذكرت أن طهران تؤدي دوراً مشابهاً بين الطرفين, وكان ذلك شرطاً للقبول بدور تركيا في إبرام اتفاقات الهدن ودورها كضامن لاتفاقات (خفض التوتر). وربطت هذه المصادر بين هذا التطور وتوقف تركيا عن المطالبة بتنحي الأسد منذ تعيين يلدريم رئيساً للحكومة وكشف معارض يقيم في تركيا أن الأمن التركي أمرهم بعدم الهتاف ضد الروس والأسد في إحدى الفعاليات الاخيرة!

قواعد عسكرية روسية في سورية

وتقول مصادر المعارضة إن أنقرة اضطرت لهذه الخيارات المرة مع الروس والايرانيين والأسد, كما قبلت المصالحة مع القاهرة بسبب التهديد الكوردي في سورية والعراق, والحاجة للتصدي له مع ايران ودمشق, والقبول بصفقة كبيرة مع الروس مقابل تخليهم عن دعم الكورد السوريين الذي بدأوه بعد توتر العلاقات التركية – الروسية. ويرى صناع القرار التركي أن الخطر الكوردي الاقليمي في هذه المرحلة أولوية تتقدم على إسقاط نظام الأسد, لا سيما وأن الدول الكبرى تجاوزت هذا الشرط, وتبعتها الدول العربية أيضاً. وتنقل مصادر المعارضة السورية أن الاتراك رغم تحسن علاقاتهم مع الروس ليسوا مطمئنين لموقفهم من القضية الكوردية, وكأن الروس يبتزونهم بها, وهم مضطرون لتقديم تنازلات مستمرة لهم, ما دام الحليف الأميركي يسلح ويدعم الكورد في سورية لأغراض استراتيجية أبعد مدى من الحرب على ((داعش)).
ثانيها: تحاول روسيا تكريس ((الهدنة)) في مناطق خفض التوتر الاربع وتكريسها وإدامتها. وهذا الأمر يثير أيضاً الريبة في نوايا الروس البعيدة, حتى أن المبعوث الدولي ديميستورا شكك الأسبوع الماضي في جلسة مجلس الأمن بأهداف تكريس هذه المناطق ورأى فيها ((تقسيماً هادئاً)) ولا تخدم إعادة توحيد سورية وكررت الموقف بعض الدول وخاصة فرنسا. وأياً كانت نوايا روسيا فالخطة نفسها تبدو استجابة لتفاهمات سرية مع الكورد في الشمال, والاسرائيليين في الجنوب, والايرانيين في بقية المناطق. وهي تستخدم محادثات آستانا مع بعض الفصائل العسكرية التي تفتقر لمؤهلات التفاوض مع الروس كوسيلة لدق الأسافين بين أجنحة المعارضة, وإضعاف وفد جنيف والذي تمثله ((الهيئة العليا للمفاوضات)) و((الائتلاف الوطني)).
وعلى صعيد آخر تجري روسيا مفاوضات غير رسمية في قاعدة حميميم مع عشرات الفصائل والتجمعات السياسية لإبرام مصالحات مشوهة مع نظام الاسد, لإضعاف المعارضة التي يمثلها الائتلاف, وقطع الطريق على مسار جنيف الذي اختارته الأمم المتحدة والمجتمع الدولي, وقد احتج ديمستورا أيضاً على هذا التكتيك الروسي أيضاً المعطل للحل السياسي الأممي.
وتشمل تكتيكات الروس إصرارهم على ضم ما يسمى ((منصة موسكو)) الى وفد المفاوضات الرسمي بحجة ((توحيد المعارضة ومطالبها)) للإلتفاف على إسقاط الأسد, وتغيير أجندة الحل التي حددها قرار مجلس الامن 2254.
وآخر هذه التكتيكات استبعاد أي دور فاعل للولايات المتحدة، والدول الأوروبية, ثم استبعاد الدول العربية عدا التي توافق على المشاركة بشروط موسكو عبر بوابة آستانا. ويبدو أن الأميركيين غير مهتمين بتراجع دورهم في هذا الصدد.
ثالثها: تحسين الوضع الانساني تدريجياً في المناطق التي ترضخ لصفقات المصالحة بشروط النظام مع ممثلي المدن والمناطق السكانية المحاصرة لسنوات عديدة, وللفصائل التي ترضى بصفقات آستانا أيضاً. وهي سياسة تبدو ظاهرياً ذات أهداف إنسانية, ولكنها في الواقع سياسة تجويع وتركيع, تستخدم الغذاء والدواء ومياه الشرب كسلاح قاتل مقابل الاستسلام والقبول بالعودة الى سلطة الأسد.
والسؤال المهم هنا هل هذه السياسات التي تتبعها روسيا وايران ونظام الأسد قادرة على إخراج سورية من محنتها وأزمتها..؟
الاطراف الثلاثة تحاول الالتفاف على ((الحل السياسي)) الذي قرره المجتمع الدولي منذ جنيف 1 عام 2012 وتبنته الأمم المتحدة عبر قراراتها, وتحاول اقناع العالم بأن الأزمة قد حلت بهذه الطريقة. وتحاول روسيا لإعادة تقديم نفسها الى المجتمع الدولي كدولة عظمى مسؤولة تسعى لصنع السلام والاستقرار في سورية, وليست قوة امبريالية ووحشية ترتكب جرائم إبادة وحرب, وأن ما أنجزته في سورية هو الطريقة الوحيدة لحل الأزمة. وتريد الآن جر تركيا والاردن ولبنان والعراق وبعض دول الخليج وربما مصر الى هذه العملية لتبدو أكثر جدية وصدقية.

عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 9 تشرين اول 2017 العدد 1818

عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 9 تشرين اول 2017 العدد 1818

عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 9 تشرين اول 2017 العدد 1818

عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 9 تشرين اول 2017 العدد 1818

عامان على التورط الروسي العسكري في سورية: إنتصارات هشّة واستنـزاف في عامه الثالث/ بقلم محمد خليفة – مجلة الشراع 9 تشرين اول 2017 العدد 1818