وجيه نحلة خاطب جمال المرأة والطبيعة يأخذ ألوانه إلى جموح خطر/ بقلم: محمد لمع

وجيه نحلة خاطب جمال المرأة والطبيعة يأخذ ألوانه إلى جموح خطر/ بقلم: محمد لمع
وجيه نحلة والجمال صنوان لا يفترقان، فهو يحاكي الجمال بلوحاته ويخيل لمن يرى هذه اللوحات انه مسافر حقاً في عيون الجمال.
فعندما يمتزج الحرف والصورة والشعور بالاحساس المرهف، بالتكنولوجيا وأحدث تقنيات العصر يكون الابداع ويكون الفن الحقيقي.
وعندما تتماوج الالوان كقوس قزح، وتنساب كشلالات المياه هادئة حيناً وصاخبة حيناً آخر، وحين يمتزج جمال الطبيعة بالفروسية وبالمرأة تمتطي صهوة الحصان على انغام صهيله تكون ذروة الابداع.

الفنان وجيه نحلة و محمد لمع

وجيه نحلة بالأحرف كتب وبالريشة رسم
بالألوان النارية، نار الفرسان والابطال والمقاومين رسم، فتولدت ما بين الكتابة والرسم ثورة، تبقى مشتعلة جذوة لهيبها، ما بقي هناك فن وجمال وثورة وثائرون.
وجيه نحلة فنان كبير من بلادي لم تنصفه بلاده، ولم يعطَ حقه من الاهتمام والرعاية وهو الذي طاف بلوحاته كل ارجاء المعمورة، من بلدان عربية الى بلدان اوروبية الى اميركا، وغزت مجسماته ومنحوتاته العديد من ساحات بلدان الخليج العربي ولا سيما السعودية والامارات العربية المتحدة، كما علقت جدارياته على العديد من جدران مطارات هذه البلدان.
وجيه نحلة، وإن لم يلق الاهتمام الرسمي كفنان بدأت مواهبه الفنية تظهر وهو في الثالثة عشرة من عمره فرسم اول لوحة في سنة 1948 وكان له من العمر 13 عاماً حيث بدأ مشوار نجاحه على دروب الفن والابداع، وكان يرسم لوحة كل يوم حتى غاب عنا.
وجيه نحلة هذا الفنان الكبير وإن غاب جسده إلا ان أعماله ستبقى خالدة من بعده، وستبقى لوحاته تزين جدران الكثير من القصور والمنازل والساحات العامة.

من البداية الى النهاية
كان وجيه نحلة يتعامل مع لوحة المنظر الطبيعي مهتماً منذ ذلك الوقت بتفاعل حركة الالوان وتداخلها متماهياً مع حركة الطبيعة وان كان اتجاهه نحو التجريد جعل لوحاته تشهد تطورات مختلفة، فمنذ البداية كانت مساحات التجريد بارزة وكانت الحرية عنده تنبع من امرين اثنين: من اطلاعه في مراحل لاحقة على جديد العالم من جهة ومن ابتعاده عن الاكاديمية واتباع مزاجيته التشكيلية من جهة اخرى مما جعل حروفيته مختلفة ومشغولة بأسلوب خاص بعيد عن تجارب الآخرين بل هو كثيراً ما اعتبر نفسه أول من بدأ رسم الحروفية العربية.
في آخر معرض له أقامه في قصر الاونيسكو في العام 2013 عرض وجيه نحلة مائة لوحة من اصل 5000 آلاف لوحة رسمها، يومها قال: لدي حوالى 400 لوحة و150 لوحة موزعة كودائع وأمانات على اربع غاليريات في الولايات المتحدة الاميركية، وثلاث غاليريات فرنسية وواحدة في جدة واخرى في جنيف.
وجيه نحلة ليس من الفنانين الذين يجيدون الكلام على اعمالهم، وليس من الفنانين النقاد، الذين يعرفون كيف يقدمون أنفسهم ويضيئون على الزوايا المعتمة. ما ان تبدأ سؤاله عن اعماله حتى يقودك بيده لترى بنفسك، وتقتصر تعليقاته على كلام قليل، ليتركك مع فنه الكثير. فهو ينجز أعمالاً أكثر بكثير مما يتحدث عنها، ويضعك أمام عمر فني في دقائق معدودة لا يستطيع الكلام اختصارها، معتمداً على ان لغة البصر أقوى وأسرع من لغة اللسان. تحاول تحريضه قليلاً عله يفصح عن أسرار لوحته، فيرد باختصار: ((إنه الوحي))، ثم يقول: ((النور الذي تراه في اللوحة يسقط عليّ من فوق))، مشيراً الى السماء ، ثم يتابع: ((احياناً أذهب لأنام، فيأتيني وحي او رؤيا فأنهض لأرسم ما رأيت)).

ما يطلق عليه ((نورانية)) يتمثل بتلك المساحة المضيئة في اللوحة، او بالتأليف، الذي يدخل الضوء جزءاً اساسياً فيها، يستعيد بها حركة الحصان من لوحاته القديمة، او حركة رقص المرأة، او حركة الطبيعة ايضاً، وقد يختفي الحصان وتختفي الراقصة وتختفي الطبيعة وتبقى الحركة، حركة الألوان او لعبة الضوء. ولا شك في ان وجيه نحلة من الملونين البارعين، يعرف كيف يهندس بناء اللون والحركة، فيصل بهندسته الى الأبعاد الثلاثة أحياناً. لاعب حذق يأخذ ألوانه دائماً الى فرح، والحركة الى جموح يصل حافة الخطر، والمادة اللونية الى موج يتهادى مرة ويتضارب ويتكسر عند حوافٍ كأنها منحوتة بتلقائية او بلا حساب. هو يذهب دائماً الى سحر العين، الى إغرائها وجذبها، بل يتعامل مع أي عين، فلوحاته تخاطب الجميع، وقد ابتعد عن التعقيد، وذهب في الوقت نفسه الى صيغ لونية تخاطب البصر والمشاعر، وهو لا شك بقي في كل ما قدم بعيداً عن اللوحة التي تحتاج الى تفكير عميق او تحليل صعب، ونأى بأعماله عن الخطاب السياسي او التحريضي. ربما في مراحله الاولى صوّر حالات اجتماعية وانسانية، الحزن والفقر والألم ومتاعب الحياة، الا انه سرعان ما ابتعد عن كل هذه الهموم، ليتحول الى اللوحة الانيقة الصالونية، التي تدخل المتعة، والمتعة فقط، الى عين مشاهديها. كل همه الجمال، خصوصاً جمال المرأة والطبيعة.

لوحة سريالية للفنان وجيه نحلة

في تجريده ينطلق وجيه نحله من الضربات الحرة التجريدية الى الشكل، غير ان الشكل في الذاكرة، في عمق اللوحة، في تصويب التجريدات. ولعل أكثر ما يشدّ في اللوحات التي نفذها قبل ان يداهمه المرض، تلك اللمسات البسيطة التي تشكل مفتاحاً لمعرفة الموضوع، فهو يوحي بوجود شخص او شجرة، فيكون هذا الايحاء هو الضوء الذي نسلّطه على تجريدات اللوحة لنتلمس حضور مشهد طبيعي. لعبة ذكية تنقل اللوحة من اسلوب الى آخر، بل من مجرد حلم لوني الى حلم يستفيق على واقع، من مجرد لعبة جمالية الى حضور موضوعي. كأن هذا المفتاح هو السر الذي يسلمنا الفنان اياه لنتعامل مع اللوحة بقراءة جديدة.
كان وجيه نحلة يقول: ((لا أرسم من دون موسيقى))، لكن حركة ألوانه هي الأخرى مسكونة بالموسيقى، التي تتشكل، بدورها، إيقاعات تتجه الى الغنائية الرومانسية أكثر من اي اتجاه آخر، وتتشكل كأناشيد لونية. تتبدل إيقاعاتها وتنحرف نحو خيارات منفتحة على آفاق تشكيلية واسعة.

لوحة للفنان وجيه نحلة

لوحات مطعّمة بالحروفية
حتى ان وجيه نحلة عندما دخل مضمار الخط العربي في زخرفاته أتى خطه بعيداً عن القواعد الخطية، ما يؤكد رغبته الدائمة في الابتعاد عن الآخرين في تجاربه الفنية، وبحثه عن بصمته الخاصة. واذا كان الفنان قد كثف حروفيته في مرحلة الخمسينيات، وصولاً الى العام 1962، إلا انه بقي يطعّم لوحته بالحروف العربية، مثلما كان من قبل يطعّم حروفيته بالتشخيص. ذلك أنه يبحث دائماً عن مفردات ذات علاقة بالهوية العربية، تلك الهوية التي بقي مصراً على وجودها حتى في لوحات التجريد، او ما يسميه هو باللوحات ((النورانية)). فمن الحرف الى الزخرفة الشرقية، الى استخدام الحصان العربي في عدد كبير من اعماله، الى استخدام شكل العمارة الاسلامية والشرقية، الى استخدام إسم الجلالة في منحوتاته، فهو يقول: ((كنت في المملكة العربية السعودية، وفكرت في منحوتات توضع في اماكن عامة، والتشخيص محرّم، ففكرت في استخدام اسم الجلالة (الله) في منحوتات شكلت منها الكثير، وقد صممت منحوتة لجامعة الملك عبد العزيز في الرياض، نفذت في ايطاليا، وبلغ وزنها خمسين طناً. نفذت منحوتات أخرى مثل منحوتة لنادي الطيران السعودي، ومنحوتة ((لأرز)) في ساحة لبنان في ابو ظبي، والجدارية الحروفية التي يبلغ عرضها 22 متراً والموجودة في مطار الملك خالد، وعدد من المنحوتات الاخرى في السعودية ودول خليجية أخرى ولبنان)).

وجيه نحلة فنان عبقري، لن يتكرر مرتين. فلن نقول لك يا وجيه وداعاً، بل سنقول لك انك باقٍ بيننا، نراك كل يوم في كل عمل فني قمت به.

/ بقلم: محمد لمع
نائب رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان 

وجيه نحلة خاطب جمال المرأة والطبيعة يأخذ ألوانه إلى جموح خطر/ بقلم: محمد لمع – مجلة الشراع 21 آب 2017 العدد 1812

وجيه نحلة خاطب جمال المرأة والطبيعة يأخذ ألوانه إلى جموح خطر/ بقلم: محمد لمع – مجلة الشراع 21 آب 2017 العدد 1812

مجلة الشراع 21 أب 2017 العدد 1812

 

Print Friendly, PDF & Email