العرب محاصرون بالانتخابات! / بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها..؟!

 العرب محاصرون بالانتخابات! / بقلم: محمد خليفة

يواجه العرب حصاراً من نوع آخر غير مسبوق, حصار غير عسكري, ولكنه مؤلم وقاتل ويسد الطرق والأفق. حصار تاريخي وحضاري عنوانه ((الاستحقاق  الديمقراطي)) الذي يتهربون منه بكل الوسائل, بيد أن مشاهد الانتخابات الحية التي تنقلها أجهزة العولمة تقض مضاجعهم حكاماً ومحكومين.

قبل ثلاثة أسابيع جرت مباراة ديموقراطية مشوقة ومثيرة في فرنسا, خسر فيها كبار الساسة المحترفين من اليمين واليسار, وفاز مرشح شاب مغمور, واستمتعنا بمشهد حضاري رائع لم نعتد على رؤيته في العالم العربي, مشهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند واقفاً على درج قصر الاليزيه ليستقبل الشاب المنتخب رئيساً بحفاوة ويسلمه مفاتيح القصر والدولة دون إبطاء.

ولا شك أن كل عربي, وسوري بالذات، تحسر على ما أصاب بلاده التي دمرها طاغية سفاح ليحتفظ بالسلطة المطلقة لشعبه ويورثها لأبنائه.

قبل شهور جرت في اميركا أيضاً انتخابات رئاسية, ففاز مرشح من خارج الاوساط السياسية المحترفة, وقيل الكثير عن افتقاره للكفاءة لإدارة دولة بحجم الولايات المتحدة, ولكن حفل تسليم السلطة له جرى بسلاسة, ودخل البيت الابيض متسلحاً بالدستور وتسلم أزرار الأسلحة النووية, ومقاليد السلطة في أكبر واعظم دول العالم.

وقبل شهور صوّت الناخبون البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الاوروبي, وهو خيار زلزالي ترك آثاره العنيفة على عموم اوروبا ولكن لا أحد فكر بالاعتراض عليه أو التنصل منه, لأنه يعكس إرادة الشعب التي لا راد لها في النظم الديموقراطية!. وخلال شهور قليلة سيعود البريطانيون للصناديق ثانية لاختيار نوابهم للبرلمان والحزب الذي سيحكمهم.

وخلال السنتين الاخيرتين توجه الناخبون الاتراك الى صناديق الاقتراع اربع مرات, مرتان في انتخابات عامة فاز فيها حزب ((العدالة والتنمية)), ومرة لانتخاب رئيس للجمهورية, ومرة للإستفتاء بشأن تعديل النظام الجمهوري. ولأن الاتراك لمسوا صدقية نظامهم الديموقراطي وانعكاساته الايجابية على حياتهم الاقتصادية والاجتماعية فإنهم تصدوا للإنقلابيين الذين حاولوا القضاء على الديموقراطية والعودة للحكم العسكري دفاعاً عن الديموقراطية لا عن اردوغان وكان مؤثراً مشهد الناس يتصدون للدبابات بصدورهم العارية.

حتى ايران المحكومة بقبضتين فولاذيتين للملالي والعسكر شهدت انتخابات رئاسية تنافس فيها ستة سياسيين, ومهما قيل عن مساوىء النظام الايراني فلا يمكن تجاهل أنه كفل للقوى الاجتماعية التنافس على السلطة بقدر من الحرية.

وهكذا دواليكم يمكن الاستمرار في ضرب الامثلة المشابهة, ويجدر بنا ملاحظة أن البرلمانات المنتخبة في ثلاث دول كبيرة (البرازيل وكوريا الجنوبية والارجنتين) خلال العام الماضي أقالت رئيسات الجمهورية فيها  بسبب الفساد. وفي اسرائيل حققت الشرطة مرتين مع رئيس الحكومة وزوجه بتهم مشابهة, وحكم قضاؤها على رئيس حكومة ورئيس دولة سابقين بالسجن بسبب الفساد! ولولا قوة النظام الانتخابي والديموقراطي لدولة اسرائيل ما تحقق هذا الذي نشير اليه.

هذه المشاهد تتتالى كل يوم من حولنا, وتقوم أجهزة العولمة بنقل أحداثها وصورها بالتفصيل كما تنقل وقائع المباريات الكروية الحماسية فتحدث صدمات قوية في حواس البصر والسمع والعقل فينا, وتراكماً حسياً وفكرياً يولد في أذهاننا مقارنات تلقائية بين واقع معاش وفضاءات عالمية, ليدرك أحدنا عمق الهوة التي تفصله عن عصره وعالمه, ومدى ضآلته ككائن اجتماعي أمام سلطات غاشمة تحكمه وتسحقه  بوحشية, وتفكر عنه وتقرر بدلاً منه في شؤون حياته وتستبيح ثروات بلاده بلا رادع, وغالباً ما تنتهي هذه المقارنات بشعور مدمر بالكآبة والاحباط والغربة يدفع الكثيرين من شبابنا لردود أفعال متطرفة أو رغبة جارفة بالهجرة الى مجتمعات غريبة لمجرد أنها تحترم صوته وحقوقه وتمنحه مكاناً للعيش بكرامة.

الشعوب العربية ولا سيما الاجيال الشابة تعاني مرارة فقدان الحق في التصويت واختيار من يحكمه وتقرير مصيره بنفسه, وتعاني غربة قاتلة في مجتمعاتها الوطنية, وفصاماً عن عالمها المليء بمشاهد الشعوب الحرة وهي تمارس هذه (الفريضة الغائبة) عنها بسلاسة وانتظام.

 إن شعوبنا ((محاصرة)) وتعيش حرماناً مؤلماً من ممارسة الحرية وحق الانتخاب لاختيار من يحكمها وباتت تعي أن لا مستقبل لها بدون الحصول على حقوقها, وإسقاط الانظمة الطغيانية بكل درجاتها ومستوياتها.

الانظمة العربية تحاول الالتفاف والتهرب من مواجهة هذا الاستحقاق التاريخي الحضاري, وتتفاداه بأساليب مباشرة, أولها القمع الوحشي كما نرى في سورية مثلاً, وأساليب احتيالية والتفافية كما نرى في بلدان اخرى,  فتحسن مستوى المعيشة في البلدان الميسورة, وتزيد المشاريع التي توحي بالتطور والعصرنة ولكن بدون اكتساب التقدم والحداثة الحقيقيين.

 هذه الحلول قاصرة وعقيمة ولن تؤدي إلا لتعميق الاغتراب والانفصام والاحباط , وتعميق الوعي بالحاجة للحريات السياسية والمشاركة في التصويت والانتخاب وتقرير المصير بالأساليب العصرية. وحتى شعوبنا  التي تنعم بمستوى مقبول من الرفاهية والبحبوحة لم تعد تجد في الرفاهية السطحية بديلاً عن المشاركة السياسية وتقرير المصير. لا بل هناك تطور اجتماعي وحضاري على هذا الصعيد نلمسه في المجتمع الفلسطيني الخاضع للإحتلال الاسرائيلي غير المباشر, وهو أنه لم يعد يقبل بالنضال من أجل (التحرر) من الاحتلال للتهرب من الحق في (الحرية السياسية) من السلطة الوطنية!.

وإذا استمر هذا الحصار السياسي المفروض على شعوبنا واستمر الحرمان من الحريات والمشاركة السياسية فإن موجة ثانية من ثورات ( الربيع العربي ) قادمة حتماً وستشمل الجميع والارجح أنها ستكون دموية !

العرب محاصرون بالانتخابات! / بقلم: محمد خليفة
مجلة الشراع العدد 1801 29ايار 2017

العرب محاصرون بالانتخابات! / بقلم: محمد خليفة
مجلة الشراع العدد 1801 29ايار 2017

Print Friendly, PDF & Email